4.

لقد أعطي الروح القدس أسماء كثيرة. أحدها، وهو يظهِر العمل الذي يعمله في الكنيسة كما في حياة الناس، هو "المعزّي". المسيح نفسه استعمل هذه الكلمة عندما قال لتلاميذه قبل آلامه بوقت قصير: "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ". وبعد هذا بقليل يقول المسيح عن الروح القدس بأنه المعزي الذي سوف يعلّم التلاميذ ويذكّرهم بكل ما قاله في حياته. "أَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ." (يوحنا 26:14). وإذ نحن واثقون من أن الروح القدس هو المعزي نصلي إليه "أيها الملك السماوي، المعزي، روح الحق...".
إن الروح القدس يعزّي الإنسان المجاهد ضد الخطيئة، الذي يسعى إلى حفظ وصايا المسيح في حياته. هذا الصراع صعب، لأنّه الحرب ضد الأرواح الشريرة. لهذا، فالروح القدس هو المعزي، أو الذي يريح الناس، بحسب ما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم. إنه علامة على أن الله يؤاسي الناس، لهذا يوصف بنفس العبارات كما الروح القدس.
الأمر المهم في الدراسات الخريستولوجية التي نقوم بها هو أن المسيح يصف الروح القدس بأنّه "المعزي الآخر". هذا لأن المسيح أيضاً هو معزٍّ يؤاسي الناس. في رسالته الجامعة، يدعو الإنجيلي يوحنا اللاهوتي المسيحيين إلى عدم الخطيئة، لكنه يقول أيضاً أنّهم ولو أخطأوا فعليهم ألاّ يتخاذلوا لأن "فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (1 يوحنا 1:2). إذاً، المسيح والروح القدس هما معزيان في العالم. بالطبع الله الآب هو معزي الناس لأن التعزية هي عمل مشترك للإله الثالوثي.
إن عبارة "المعزي الآخر" تعني أن المسيح والروح القدس هما أقنومان مختلفان، لكن لهما الطبيعة والجوهر والقوة نفسها. في تفسير هذه العبارة، يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي أنها تشكّل وتصف "الشركة الإلهية" والاشتراك في نفس الطبيعة عند الأقنومين. أن يقول المسيح بأنه سوف يرسل معزياً آخراً تعني أنه هو نفسه معزٍّ. بهذا يمكن أن نرى المساواة في الشرف بين المسيح والروح القدس.


5.

يشترك الروح القدس مع الابن والآب في نفس الجوهر، لأن لأقانيم الثالوث الثلاثة نفس الجوهر والطبيعة والقوة والإرادة والمجد. لهذا، حيث يكون المسيح يكون الروح القدس وحيث يكون الروح القدس يكون المسيح. لقد ركّزنا على أن الأقانيم غير منفصلين ولا عملهم مستقل. يقول القديس مكسيموس المعترف بأن الروح القدس فاعل في كل الناس لكن بطريقة مختلفة في كل منهم. فهو يعمل في الجميع من دون استثناء لأن الجميع مخلوقون من الله، القادر على جمع البذار الطبيعية وتأمينها وجعلها تتحرّك. ففي الذين في زمن الناموس ينثر النور بالوعد بالمسيح من خلال الوصايا. وهو يعمل في العائشين بالمسيح ليجعلهم أبناء بقوة الروح القدس. وفي المتألهين، أي الذين جعلوا أنفسهم يستحقون المواطنية في الله وسكنى القوة الإلهية، فهو يعمل كحكمة مبدعة. هكذا، الروح القدس فاعل في الكل ولكن في كل واحد بشكل مختلف، بحسب وضعه الروحي.
في هذا الضوء نفهم أن الروح القدس كان فاعلاً في العهد القديم كما في الأنبياء، لأنهم بقوة الروح القدس رأوا الكلمة غير المتجسّد وتنبؤوا عن الكلمة المتجسد أي المسيح. نحن نعرف جيداً من اللاهوت الأرثوذكسي أن كل إعلانات الله في العهد القديم كانت إعلانات الكلمة غير المتجسد أي الأقنوم الثاني. وبما أن الابن لا يتواجد من دون الروح القدس، فالروح هو مَن أظهر الكلمة غير المتجسد للأنبياء وكشف لهم الأسرار المقبلة.
يقول القديس باسيليوس أن الروح القدس أتى إلى نوس الأنبياء فتنبأوا بالأمور الحسنة الآتية. مثال مميز هو حالة يوحنا السابق الذي كان مملؤاً من الروح القدس في بطن أمه منذ أن كان جنيناً ذا ستة أشهر، وعلى ما يقول القديس غريغوريوس بالاماس، بأنّه بالروح القدس تلقّى التأسيس للزمان الآتي في بطن أمه وصار لاهوتياً بالمسيح. وبالواقع نحن رأينا في عيد اللقاء أن سمعان البار تعرّف إلى المسيح بالروح القدس.
لهذا، فالروح القدس كان فاعلاً في العهد القديم كما في الجديد، أي الكنيسة، ولو بصورة مختلفة. إذ، كما ذكرنا سابقاً، في العهد القديم أشار إلى الأنبياء عن عصيان الوصايا وكشف مجيء المسيح، بينما في العهد الجديد هو يجعل البشر أبناء لله وأعضاء في جسد المسيح ويقودهم إلى التألّه.


6.

يعتمد تجسد ابن الله وكلمته على الروح القدس، ومثله كل عمل التدبير الإلهي. هذا ما يعبّر عنه القديس باسيليوس الكبير بوضوح كبير إذ يقول بأن المسيح، عندما أتى ليسكن في العالم، سبقه الروح القدس معلناً مجيئه وكاشفاً حضوره. كذلك، الروح القدس لا ينفصل عن حضور المسيح المتجسّد في العالم، فإنجاز القوى والمواهب والأشفية وإخراج الشياطين من الناس هو بقوة روح الله. الشياطين تُسحَق بحضور الروح القدس. كما أن الحلّ من الخطايا هو بنعمة الروح القدس. ومثله إقامة الموتى.
وإذا كان الروح القدس عمل في أنبياء العهد القديم وأبراره، مشيراً إلى المسيح وكاشفاً إياه، فكم بالحري هو كان فعاّلاً في رسل المسيح وتلاميذه. لكن بما أن الروح القدس يعمل بحسب حالة الإنسان وفي الوقت المناسب، فقد عمل فيهم بثلاث طرق وفي ثلاث أوقات. فقد عمل "بشكل خفي" قبل أن يتمجّد المسيح بآلامه، أي قبل تألمه وتضحيته على الصليب، و"بشكل أكثر وضوحاً" بعد قيامته، و"بالشكل الأكثر كمالاً" بعد صعوده إلى السماوات. إلى هذا، الروح القدس يكمّل ويقدّس الناس ولا يتكمّل هو لأنه إله كامل. الروح القدس "يكمّل" ولا "يتكمّل" (القديس غريغوريوس اللاهوتي). وعليه فقد كمّل الرسل وملأهم إذ كانوا غير كاملين.
قال كلمة الله غير المتجسد، ابن الله، بنبيه يوئيل "وَيَكُونُ بَعْدَ ذلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا" (28:2). واضح هنا أنّه يتكلّم عن مجيء الروح القدس ومنح موهبة النبوءة الذي تمّ في يوم العنصرة. بحسب القديس كيرللس الإسكندري، تشير النبوءة إلى الأحداث التي جرت يوم العنصرة حيث راح التلاميذ يتكلّمون نبوياً معلنين أسرار المسيح التي سبق وأخبر عنها الأنبياء. بتعبير آخر، لقد فهم التلاميذ في ذلك الحين بقوة الروح القدس أن كل نبوءات العهد القديم أشارت إلى شخص المسيح. وبهذا تكمّلوا في المعرفة والوحي.
تعود الطبيعة البشرية إلى حالتها السابقة بقوة الروح القدس، لأنها تمتلك الموهبة النبوية التي كانت لآدم في الفردوس من النعمة (القديس نيقوديموس الأثوسي). بالواقع، في نظرنا إلى حياة آدم قبل السقوط، نميّز أنّه كان لنا نوس نقي وكنا نتنبّأ. الله أوجد حواء من جنب آدم في نومه، لكن عندما استيقظ ورآها، استنار بالروح القدس واعترف بأنها جاءت من جسده: "هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي" (تكوين 23:2).
هذا يعني أن كل الذين يحصلون على الروح القدس ويصيرون أعضاء للكنيسة لا يعودون فقط إلى الحالة السابقة التي كان آدم فيها، بل يقومون إلى أعلى من ذلك لأنّهم متّحدون بالمسيح. مَن عنده الروح القدس يصير نبياً، يكتسب المواهب النبوية، على ما نرى في حياة القديسين، ويعرف أسرار المسيح ويرى ملكوت الله ويختبره. بقوة الروح القدس ومقدرته، تصبح الموهبة النبوية حالة طبيعية للإنسان. الصلاة النوسية هي إشارة إلى عطية الروح القدس هذه وقوته.


7.

إن الطريقة التي عمل بها الروح القدس في العهد القديم ظاهرة بوضوح عند الكنيسة. في دراستنا يمكننا أن نرى بعض الأوجه المثيرة للاهتمام والتي تظهر العلاقة القوية بين الخريستولوجيا والبنفماتولوجيا.
بحسب آباء الكنيسة القديسين، لقد كانت الكنيسة موجودة حتى قبل التجسّد، إذ إن بدايتها هي مع خلق الملائكة والإنسان. بسقوط آدم سقطت الكنيسة، ومع ذلك هي ما زالت محفوظة في أنبياء العهد القديم وأبراره بشكل عام. بالرغم من وجود الكنيسة، إن ناموس الموت ما زال ملزِماًً وبالتالي، فيما أبرار العهد القديم بلغوا التألّه وعرفوا الكلمة غير المتجسّد، إلا أن قوة الموت سادت عليهم (الذهبي الفم)، وهكذا ذهبوا إلى الجحيم.
بتجسد المسيح، الذي تمّ بالروح القدس، اتّخذ المسيح "جسد الكنيسة" (الذهبي الفم)، أي أنّه اتّخذ الطبيعة البشرية النقية غير المسلوبة وأتحَدَها بألوهته. بهذه الطريقة صار للكنيسة رأس وصارت جسد المسيح. يقول إكليمندس الروماني أنّ الكنيسة كانت في البداية روحية وقد خُلقَت بظهور الملائكة، لكن لاحقاً بتجسّد المسيح "ظهرت في جسده"، صارت جسداً. كون التجسّد تمّ بتكافل الروح القدس، وكون ما يجري في الكنيسة يتمّ بقوة الروح القدس، فالعنصرة مرتبطة بالكنيسة.
قال المسيح مرة لبطرس "أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 18:16). هذا تحقق بموت المسيح على الصليب ونزوله إلى الجحيم. نفس المسيح وألوهيتها نزلا إلى الجحيم، فيما جسده وألوهية هذا الجسد بقيا في القبر. هكذا غُلبت قوة الجحيم، أي الموت. إذاً، لم يكن للموت سلطان على الكنيسة ولا يمكن أن يكون له، كونها جسد المسيح.
تأسست الكنيسة يوم العنصرة، أي أن الرسل صاروا أعضاء لجسد المسيح. وهكذا، فيما كانوا سابقاً في شركة مع المسيح، صاروا الآن بقوة الروح القدس وفعله أعضاء لجسد المسيح. تغيّرت الكنيسة من روح إلى جسد. كان للقديسين، المتألّهين، علاقة وشركة ليس فقط مع الكلمة غير المتجسّد بل أيضاً الكلمة صار جسداً، أي المسيح الإله الإنسان. يشرح الرسول بولس لاهوت كون الكنيسة جسد المسيح والقديسين أعضاءه (1كورنثوس 1:12-31). فهو يقول أن الكنيسة ليست مؤسسة دينية بل هي جسد المسيح، وبأن توزيع مواهب النعمة يتمّ بقوة الروح القدس. استنتاجاً يقول الرسول بولس: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَادًا" (1كورنثوس 27:12).
ينبغي أن نضيف أنه يظهر في تعليم الآباء القديسين حقيقتان تبينان القوة المشتركة بين الأقانيم. المسيحيون هم أعضاء جسد المسيح (1كورنثوس 27:12)، وفي الوقت عينه هم هياكل للروح القدس (1كورنثوس 19:6). ولا تلغي الواحدة الأخرى.