عزيزي محمد ، قضية الإنبثاق بين الغرب و الشرق يغلب عليها الأساس اللفظي و الفلسفي
لكن قانون الإيمان و الآباء على أساس التحديدات التي تم صياغتها بعيداً عن التفرد الفلسفي اللاتيني الذي دائماً يحيد بنوع من الغرور عن باقي تيار الكنيسة ( انظر مشاركتي في موضوع الأخ شنودة حول المدارس ... في موضوع بعنوان سؤال و أرجو الحصول على رد) حددوا معنى الإنبثاق

الديناميكية الثالوثية بشكل مختصر هي إن الآب ولد الإبن لا زمنياً و بغير وصف بشري يمكن تحديده ، هذا الميلاد هو تعبير يشير إلى حب خاص جداً جداً بين الأقنومين . الروح القدس هو ذاك الشخص الذي يفيض من الآب في الإبن .
أحد أهم أسباب تجسد ربنا يسوع المسيح هو أنه بحلوله فينا يستقبل في أقنومه الروح القدس و يعطيه لنا ( بشكل طبعاً غير جوهري ، بل بحسب النعمة التي نستطيع كمخلوقات استيعابها لغرض التجديد و الشركة في الحياة الثالوثية) . أي أن الإبن اتحد بنا ليُدخلنا في - إن صح التعبير - تلك الدوامة الديناميكية للحياة الإلهية الثالوثية. هذا ما عبر عنه دائماً الآباء بالتعبير الشهير : كل شيء من الآب بالإبن في الروح القدس. الآب يُرسِل للبشرية ابنه الوحيد الجنس و يتمم وحيد الجنس كل مقاصد المحبة الإلهية فينا و يودع كل ذلك في الروح القدس.

أهم الآباء الذين استخدموا تعبير " الإنبثاق من الآب و الإبن " هو المغبوط أوغسطين و من بعده المدرسة اللاتينية ، و السبب هو إنهم لم ينظروا للثالوث في البداية من زاوية الثلاثة أشخاص ذوي الجوهر الواحد ، بل ابتدأوا من رؤية يغلب عليها الطابع البشري أو محاولة إدراك أو حصار سر الثالوث بأدوات الفهم البشري ، فرأوا إن هناك جوهر يلد و يبثق ، و طالما إن الجوهر يلد و يبثق و إن الجوهر للآب و للإبن إذاً الإبن يبثق كالآب. طبعاً هذا الأسلوب خاطئ في تناول السر ، لأنه إن كانت المسألة يمكن تفسيرها " بتشييء الله" أو وضعه تحت المجهر كأنه " شيء " يولد فكراً قاصراً ، و ما أكثر التساؤلات المشوشة التي يمكن طرحها بناءً على هذا الأسلوب في التفكير ، و تتسبب في تشوش كبير عند الجميع ، فمنها مثلاً ، إن كانت عملية البثق مجرد عملية " أو بمعنى آخر شيء أو تفاعل " فالأحرى أن الميلاد أيضاً كذلك ، و إن كان كل هذا أمر داخل جوهر الثالوث ، إذاً فهو للثلاثة ، أي أن الروح القدس ينبثق و يلد أيضاً!!!
و إن كانت كل نظرة ننظرها لله نترك أقانيمه و ندخل بوقاحة لجوهره ، فنسأل ، كيف و الإبن مساوٍ للآب في الجوهر نؤمن بأنه اتحد بالطبيعة البشرية بجوهر لاهوته !؟ هل هذا يعني أن الثالوث كله تجسد ؟ إذاً النظرة من زاوية الجوهر عبثية لأن الله لا يمكن فهم ما يحدث فيه
و لنكتفِ بفهم حقيقة إنه رغم إن ملء اللاهوت يحل في المسيح جسدياً إلا إنه هو فقط الأقنوم الذي تجسد ، كيف ؟ هذا سر لو أجبت أنت على السؤال الشهير : " ما هي طبيعة الأرواح البشرية !!" ، فيمكنك الإجابة عن السؤال حول الله ! فإن كان الإنسان لا يعرف تكوين طبيعته ، كيف يتجاسر و يدخل في مسائل جوهر الله ! ( طبعاً أنا هنا لا أشبه طبيعة الروح البشرية بالله ، بل فقط مثال على قصور معرفة الإنسان التي يجب أن يتعظ منها )

و لكن المسألة تتعلق في النهاية بما استُعلِن لنا من حقيقة إن الولادة و البثق هي علاقة شخصية بين ثلاثة أشخاص ، و هم الثلاثة يحملون نفس الجوهر ، لكن الولادة و الإنبثاق من داخل العلاقة الشخصية الحميمية بين الثلاثة ، كيف ذلك ؟ لا أحد يعلم و لن يعلم أحد إلا لو استعلن لنا الأمر لما تتم فينا مشيئة الله و نتأله بالنعمة فنستطيع أن نعاين الله كما هو :
1 يو 3: 2ايها الاحباء الآن نحن اولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون.ولكن نعلم انه اذا أظهر نكون مثله لاننا سنراه
كما هو.
1 كو 13: 12فاننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذ وجها لوجه. الآن اعرف بعض المعرفة لكن حينئذ ساعرف كما عرفت.

2 كو 3: 18ونحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغيّر الى تلك الصورة عينها من مجد الى مجد كما من الرب الروح


حتى بعد ذلك ، إلى أي حد ... الله وحده بمحبته سيُظهِر لنا جماله و بهاؤه بما نحتاج و نستوعب.

لذلك فبدون الدخول في جد و بلبلة الفلسفة الغير مسيحية التي يمكن أن تضع عشرات من الأسئلة القاصرة ، فلنفرح و نستوعب ما يُعطى لنا لتدبير الخلاص.

تحياتي
ميناس