عند حديثنا عن قصة الطوفان لا بد من الإشارة إلى أمر مهم جداً علينا الإنتباه إليه:
قصة الطوفان هي قصة تعود إلى ماض سحيق، فقد حفظت مع التضخيم في أساطير سومرية وبابلية ترجعه إلى أزمنة مختلفة. وهذا أمر ثابت تاريخياً من خلال الرقم الأثرية المكتشفة في وادي ما بين النهرين، والتي تعود إلى أزمنة أقدم من التي كانت وقت كتابتها في الكتاب المقدس بعهده القديم.
وبالتالي نرى أن التقليد الكتابي قام باستخدامها ولكن بطريقته المميزة، فقام بتضمينها تعليماً خلقياً ودينياً مختلف تماماً عن الذي درج في التراث الشعبي. فمن كان منسوباً إلى أهواء الآلهة الغيورة، جعله كأنه تصرف عادل صادر عن الإله الواحد، وتراجعت فكرة الكارثة أمام فكر التطهير التي تهدف إلى الخلاص المتمثل في سفينة نوح جالبة التحرير. ووراء قوى الطبيعة الغاشمة، يظهر حكم دينونة إلهية يصيب الخاطئ، ويجعل من الإنسان البار نواة لبشرية جديدة، وهكذا لا تعود قصة نوح بعد حدثاً عرضياً، بل أصبحت تلخص وترمز إلى تاريخ اسرائيل كله، ومن ثم إلى تاريخ البشرية ذاتها.
أما نوح فهو الشخص الوحيد الملقب بالبار "وَقَالَ الرَّبُّ لِنُوحٍ: «ادْخُلْ أَنْتَ وَجَمِيعُ بَيْتِكَ إِلَى الْفُلْكِ، لأَنِّي إِيَّاكَ رَأَيْتُ بَارًّا لَدَيَّ فِي هذَا الْجِيلِ." (تكوين7: 1) على عكس ما جاء في بعض المداخلات السابقة عن نوح، غير أنه شأنه شأن آدم، يمثل جميع ذويه ويخلصهم معه "فَدَخَلَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَامْرَأَتُهُ وَنِسَاءُ بَنِيهِ مَعَهُ إِلَى الْفُلْكِ مِنْ وَجْهِ مِيَاهِ الطُّوفَانِ." (تكوين7:7). بهذا الاختيار احتفظ الله لنفسه ببقية صغيرة هم الناجون الذين سوف يصبحون نواة لشعب جديد. وإن كان قلب الإنسان الذي نال الخلاص مازال يميل إلى الخطيئة، فالله يعلن منذ الآن أنه صبور وطويل الأناة "إن رحمته تتعارض والعقاب الإنتقامي الصرف وتفتح طريق الإهتداء " "فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَالَ الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: «لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ، لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلاَ أَعُودُ أَيْضًا أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ. مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ: زَرْعٌ وَحَصَادٌ، وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ، لاَ تَزَالُ». (تكوين8: 22- 23). فإن الإدانة عن طريق المياه تنتهي هكذا إلى عهد يضمن وفاء الله وأمانته نحو البشرية جمعاء أسوة بعائلة نوح "وَبَارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ. وَلْتَكُنْ خَشْيَتُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى كُلِّ حَيَوَانَاتِ الأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ السَّمَاءِ، مَعَ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، وَكُلِّ أَسْمَاكِ الْبَحْرِ. قَدْ دُفِعَتْ إِلَى أَيْدِيكُمْ." (تكوين9: 1- 2).
لقد رأى علم اللاهوت النبوي في الطوفان - كما رأى في مفهوم التحرر بواسطة مياه البحر الأحمر في زمن الخروج- نموذج لأحكام الله الخلاصية. وإن عودة البقية من السبي، وهي التي ستصبح نواة للشعب الجديد، لا تبدو كأنها فقط خروج جديد، بل هي تجديد لعمل نوح إثر خروجه من السفينة "بِفَيَضَانِ الْغَضَبِ حَجَبْتُ وَجْهِي عَنْكِ لَحْظَةً، وَبِإِحْسَانٍ أَبَدِيٍّ أَرْحَمُكِ، قَالَ وَلِيُّكِ الرَّبُّ. لأَنَّهُ كَمِيَاهِ نُوحٍ هذِهِ لِي. كَمَا حَلَفْتُ أَنْ لاَ تَعْبُرَ بَعْدُ مِيَاهُ نُوحٍ عَلَى الأَرْضِ، هكَذَا حَلَفْتُ أَنْ لاَ أَغْضَبَ عَلَيْكِ وَلاَ أَزْجُرَكِ." (أشعيا54: 8- 9).
هنا قد يقول قائل، ماذا يهمنا نحن المسيحيين من قصة الطوفان هذه؟
الحقيقة الواضحة أن تشبيهات القصة تجعل من نوح صورة ليسوع المسيح الذي سيكون فيما بعد بداية لخليقة جديدة.
يسوع نفسه يشير إلى الطوفان وهو يعلن عن دينونة الأزمنة "وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ. لأَنَّهُ كَمَا كَانُوا فِي الأَيَّامِ الَّتِي قَبْلَ الطُّوفَانِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيُزَوِّجُونَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ نُوحٌ الْفُلْكَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى جَاءَ الطُّوفَانُ وَأَخَذَ الْجَمِيعَ، كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ." (متى24: 37- 39).
وهذه الدينونة مستبقية في الحياة الدنيا، إذ إن المسيح وهو بمثابة نوح جديد، نزل إلى مياه الموت الكبرى وخرج منها منتصراً مع جماعة كبيرة من الناجين. فالذين يغطسون في مياه المعمودية، يخرجون منها وقد نالوا الخلاص وتشبهوا بالمسيح القائم من الموت. فإن كان الطوفان قد رمز مقدماً للمعمودية، فإن السفينة المنقذة تبدو في عيون الآباء على أنها صورة للكنيسة، وهي تطفو فوق مياه عالم الخطيئة وتضم كل من يريدون.
إلا أن الدينونة الأخيرة التي تهدد الكافرين لم تحل بعد، ومثلما كان الإمهال في أيام الطوفان، ليظهر رحمة الله الصابرة، فإن دينونة آخر الأزمنة تنتظر ريثما تبلغ الجماعة المسيحية ملء كيانها " وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، بَلْ إِنَّمَا حَفِظَ نُوحًا ثَامِنًا كَارِزًا لِلْبِرِّ، إِذْ جَلَبَ طُوفَانًا عَلَى عَالَمِ الْفُجَّارِ." " يَعْلَمُ الرَّبُّ أَنْ يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَيَحْفَظَ الأَثَمَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مُعَاقَبِينَ، " (2بطر2: 5و9)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات