[frame="4 95"]
وهكذا تبنّى القديسُ يوحنّا الإنجيليّ التعبيرَ اليونانيّ "لوغس" (الكلمة)، ومن بعدِه تبنّاها كاملُ التقليدِ المسيحيِّ للإشارةِ إلى الإبنِ، الأقنومِ الثاني في الثالوثِ الواحدِ غيرِ المنقسمِ الذي وحدهُ "يعرفُ الآبَ" (يو 15:10) ويُعلِنَهُ "لمن يريد" (متّى 27:11). وهكذا، أعطى تجسُّدُ كلمة اللهِ الأزليِّ اللاهوتَ نظرةً جديدةً وفريدةً. فبإخلاءِ الكلمةِ الإلهيَّةِ ذاتهِ، انتقلت حقيقة اللهِ الأزليَّةِ إلى البشرِ، وعُبِّرَ عنها ضمنَ حدودِ اللغةِ البشريَّةِ الضيِّقةِ. لقد كلَّمَ الكلمة المتجسِّدِ الإنسانِ عنِ اللهِ بطريقةٍ بشريَّةٍ. ولقد فعلَ ذلكَ مستخدماً الكلماتِ والصورِ والأمثالِ والمفاهيمِ حتّى يتمكَّنَ البشرُ منَ التكلُّمِ عنِ اللهِ بطريقةٍ تليقُ بهِ.
لقد علَّقَ أوريجانُس بأنَّ ابنَ اللهَِ يُدعى الكلمة (لوغس) لأنَّ ما هو عقلانيّ، وبالطبعِ متسمٍ بالمنطقِ، ظهرَ في شخصِهِ. إنَّهُ يُدعى الكلمة (لوغس) لأنَّهُ هو الذي حوَّلَ حياتنا الخالية منَ المنطِقِ إلى حقيقةٍ جديدةٍ، وجعلنا عقلانيينَ حقيقةً. وهكذا "إن أكلنا أو شربنا أو فعلنا شيئاً، فافعلوا كلَّ شيءٍ لمجدِ الله" (1 كو 31:10). وبكلامٍ آخرٍ، لقد منحنا الكلمةُ الإلهيّ بتجسُّدِهِ إمكانيَّةَ الإشتراكِ فيهِ. وعليه، فإنَّ اشتراكنا في حياةِ الكلمةِ الإلهيّ يُشكَّلُ استعادةَ حياتنا المعقولة الأصليَّةِ. لقد تمثلت حياة الإنسان بحياة الله عبر الاشتراك في حياة الكلمة. في المسيح، تصبح حياة الإنسان قائمة إذ يرتفع عقله إلى مستوى العقلانية الإلهية. هذا يعني أن عقله (ذهنه) قد خلُص من كل انحلال وتشويش. علاوة على ذلك، بقدر ما يكون الإنسان شريكاً في المسيح، لا تكون لغته اللاهوتية مجرد كلمة بشرية بل تأخذ كلّ قوة الكلمة الإلهية.
ولتحاشي أي سوء فهم، يجب أن أوضح هنا أن اللاهوت كعمل كنسي في بعده التمجيدي لله، ليس مجالاً مقتصراً على بعض النخبة المحاطة بالاختصاصيين. على العكس، إنه عمل ثنائي ( منفتحٌ وحقيقةٌ ذاتَ مدلولٍ جَماعيَ. أيضا، بالرغم من عدم اقتصاره على بعض الأقلية من المفكرين، ليس اللاهوت من الأعمال التي يسهل عملُها. فالقديس غريغوريوس النيصّي يبدي انتباهاً أكبر بالاستعداد والافتراضات اللاهوتية. أرغب في معالجة واحدة فقط من هذه النقاط. من أجل الإجابة على السؤال: كيف يمكن التكلم لاهوتياً؟ يذكر القديس غريغوريوس، من بين جملة أمور أخرى، الهدوء الداخلي والصمت الروحي. والقديس أنطونيوس، معلم البرية، يشدّد بشكل واضح وصريح على الصمت كطريق ضروري يؤدي إلى اللاهوت. فهو يقول في كتاباته عن حياة القداسة "في الصمت أنت تستعمل عقلك وباستعمالك عقلك تتكلّم سراً في نفسك. لأن العقل في الصمت يَلِد الكلمة. والكلمة التي تعبّر عن الشكر والتي تقرّب إلى الله هي خلاص للإنسان".
يجب أن نقرّ بأننا لا نشير كثيراً إلى الصمت في محيطنا اللاهوتيّ. إن ثقافتنا اللاهوتيّة تغالي في التشديد على أهميّة الكلمة المنطوق بها والمكتوبة. فالخَطابة والوعظ أصبحا مادتين لاهوتّيتين أساسيّتين في كلياتنا. فنحن، بتأثرنا بعقلية المجتمعات التي نعيش فيها، نمنح القليل من الانتباه لما سمّاه القديس غريغوريوس بالهدوء الداخلي والصمت. بإمكاني أن اقول بأن تربيتنا اللاهوتية تعاني مّما أسمّيه بالأعراض "الديموستينية" المزمنة أو بالعقدة "الديموستينية".
بحسب سيرة ديموستين، الذي كان الخطيب الأكثر شهرة بين الأثينائيين، أنه جاهد، عندما كان تلميذاً في علم البلاغة، أن يقاوم تلعثمه، إلى أن حصل على قدرة الكلام بفصاحة. كثيراً ما كان يذهب إلى شاطئ البحر حيث مارس فن الكلام بوضع بعض الحجارة في فمه والتوجه إلى البحر. لقد أجبر ديموستين نفسه على أن يكون بليغاً. لا يختلف المجتمع الأثينائي عن مجتمعاتنا المعاصرة، إذ لا يقبل إلا الناجحين. لديّ شعور بأننا نحن أيضاً ندرّب تلاميذنا وندفعهم كي يصيروا وعّاظاً وخطباء ومعلمي لاهوت ناجحين. فمن وجهة نظر ما، هذا جيد. لكن هل نحن نعدّهم كي يدركوا قيمة الصمت؟ هل نوضح لهم الطريق التي تؤدي إلى الهدوء الداخلي والسكون؟ نقرأ في كتاب الشيوخ (الييرونديكون Gerontikon )أن الأنبا أغاثون قضى ثلاث سنين وفي فمه حصاة إلى أن تعلّم حفظ الصمت. لقد استعمل أغاثون وديموستين الوسيلة ذاتها لتحقيق إنجازات مختلفة تماماً. ما يميّزهما عن بعضهما، هو الهدف الذي حملَهما إلى الانحراف. فالأول أراد أن يكون واعظاً بينما الثاني قرر جدياً أن يتعلّم حفظ الصمت.
المجد والتمجيد
عندما نحكي عن الصمت، لا نفترض أنه تلك الحالة من الانحراف في الشخصية البشرية والتي تتمثل في الحزن والفردية والركود. فالصمت لا ينتج عن هلع مرضي في البشر، بل بالأحرى يتجلّى في طبيعة روحيّة وباطنيّة عميقة. إنه قوة وجوديّة خلاّقة، يشفي الإنسان بكليّته موجّهاً إياه من جديد نحو الحياة الإلهيّة. فالصمت هو موقف مسيحي عميق يتعلّق مباشرة بتنازل الطبيعة الإلهية في التجسد (التخلّي الإلهي). فإذا تمعنّا في دراسة الحقائق الواردة في الإنجيل، والتي تتعلّق بتنازل الكلمة وآلامه وصلبه، نجد أن المسيح واجه آلامه بطاعة وصمت مطلَقين. نقرأ أنّه عندما سأله رئيس الكهنة "أما تجيب بشيء؟... أمّا يسوع فكان ساكتاً" (متى 62:26-63). أيضاً عندما سأله بيلاطس: "أما تجيب بشيء؟... فلم يجب يسوع أيضاً بشيء" (مرقس 4:15-5). وفي ما يتعلّق بذبيحته على الصليب، تقدّم نبوءة إشعياء ايجازاً ملفتاً للنظر: "ظُلِم، أمّا هو فتذلّل ولم يفتح فاه، كشاةٍ سيق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازّيها فلم يفتح فاه" (إشعياء 7:53).
إني أركز على مسألة الصمت الذي لا يشبه أبداً رفض الكلام، بل قبل كل شيء هو موقف داخليّ وسلوك مرتبط بمجد الكلمة المتجسد وبالقدرة المعطاة لنا كي نقدّم المجد لله. نحن نواجه في هذه الناحية تناقضاً مسيحياً ظاهرياً أساسياً، لأن الصمت كتعبير عن إخلاء الكلمة لذاته، والصمت كتعبير عن مجده، مرتبطان بعضهما ببعض. إن هذا التناقض الظاهريّ هو ما اعتبره اليهود "عثرة" (1كورنثوس 23:1). ففكرة أن يكون رب المجد صامتاً ومصلوباً بحد ذاتها، لم تكن فقط فكرة مرفوضة بل كانت تجديفاً. إلى هذا، بحسب حكمة اليونانيين، إن فكرة الإله المذلول، المتألم بصمت والفاشل في إظهار قوته، كانت بعيدة عن التصوّر، لا بل هي جهالة حقيقية. ولكن في النهاية، ما هو عثرة لليهود وجهالة لليونانيين، هو "قوة الله وحكمته" (1كورنثوس 4:1).
ما يجب تأكيده بشكل واضح ولا ريب فيه هو أن مجد الله الأزلي الممتنع وصفه وقوته وحكمته، يتجلى لنا من خلال تنازل الكلمة الإلهي. هذا ما أظهره القديس يوحنا في إنجيله: "والكلمة صار جسداً وحلّ فينا ورأينا مجده، مجد وحيد من الآب مملوءً نعمة وحقاً" (14:1). لقد انتقل المجد إلى الواقع البشري لأن الله في حركته الانجذابية الصوفية والفريدة قد دخل في حدود الفكر البشري. لقد انحدر بإرادته إلى مستوى البشر حتى أننا "نحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغيّر إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد" (2كورنثوس 18:3).
في التحليل الأخير، ما يشكّل التناقض الأعظم هو حقيقة ظهور مجد الله الأزلي على مسرح التاريخ البشري من خلال الاتضاع الأقصى للإله الكلمة. إنه يشكّل تناقضاً لا يقبل الجدل بالنسبة للمجتمع اليوناني، أو مجتمعاتنا الحديثة التي تجاهد سعياً إلى التطور والنجاح واكتساب المجد البشري والسلطة. إنه تشويه صريح لكل قوانين هذا العالم. كمسيحيين، نحن غالباً ما نفتقر إلى القدرة العقلية على فهم هذا التناقض الذي يقود إلى الحقيقة وإلى "حرية مجد أبناء الله" (روما 21:8). ليست رؤيتنا على الدرجة الكافية من الوضوح حتى نرى حقيقة الأشياء بدل أن نكتفي بظواهرها.
مهم أن نذكّر، في هذا الخصوص، بأن فن رسم الأيقونة الأرثوذكسية يجسّد فقط أيقونة واحد للمسيح هي "ملك المجد". هذه الأيقونة الفريدة ليست صورة ابن الله في ملكه وسيادته بل هي أيقونة المتألم في صورته الصامتة كعبد في اتضاع أقصى لا جمال له ولا صورة (إشعياء 2:53). أما في سر صليبه، فتظهر لنا حكمة الله ومجده وقوته الكائنة في أقنوم الآب ومجده وألوهيته.
إن ما ذكرناه آنفاً في ما يتعلق بالصمت والتواضع، ينطبق مباشرة على موضوع تمجيد الله. فالتمجيد ليس التكلّم بألفاظ عقيمة أو حتى بكلمات الابتهاج والنصر، بل بالأحرى هو لغة الذين أنكروا ذواتهم وخسروا حياتهم (متى 24:16-25). إن تمجيد الله هو حقاً لغة هؤلاء الذين تعلّموا أن يحفظوا الصمت. وهكذا يكون تمجيد الله مرتبط مباشرة بالحياة في المسيح. إنه نتيجة الحياة في المسيح. في الحقيقة، إن تمجيد الله هو لغة القديسين وكل الذين سلكوا طريق التواضع والطاعة. فالاعتقاد بإمكانية وجود لغة لتمجيد الله من غير قداسة هو شبيه بالاعتقاد بإمكانية تقديم لاهوت بدون الله.
على المرء أن يكون متأكداً بأن اللاهوتيين الأرثوذكسيين، عند الكلام عن تمجيد الله كلغة للأرثوذكسية، هم بالحقيقة يشهدون لتوقهم العميق ولألمهم الوجودي المبرّح من أجل الحفاظ على الفكر والروح والموقف الأرثوذكسي وتعميقها. هذا هو في الحقيقة نضالنا ودعوتنا.
[/frame]
[/frame][/FONT]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات