-الجزء الثاني من الرسالة-

...من الآن فصاعداً في رسالتي هذه لن أدعوكَ سيّدي بل سوف أناديك "بيلاطس" أقول لك ذلك بحق لإن العبد لا يقدر على أن يخدم ربين.

لعلَكَ تتسائَل متعجباً لماذا صمَتَ المَسيحُ أمامك كما صمتَ أيضاً أمام حنان وقيافا وهيرودس.
اطمئنك يا بيلاطس أن صَمته لم يَكن عجزاً أو لأنَه لَم تَكن لَهُ الحِجَج لإثبات برائته,
فهوأبلغ البلغاء وأعظَمُ البشرية قوةً وحُجة وأقدرهم على الإقناع والدفاع عن نَفْسِهِ, وإثباتِ براءته, هذا إن شاءَ.
لَكنه كان يَعلم أن التدبير الإلهي ومشيئة أبيه سوف تتم عبر محاكمتك له ومن ثم تسليمك إياه لليهود, شئت أن تُقِرَ بذلك أم أبيت.
واليهود شاءوا أم أبَوا, هم الذين حكموا عليه قبل أن يحاكموه, وكانوا هم أنفسهم موقنون ببرائتِه
ولكنّهم ومعَ ذلكَ ولِحِقدهم عليه وغِيرتهم منه وخِشيتهم على أنفسهم مما كانَ لَهُ خاصيّة عند الله ومكانةٌ لدى الشعب أرادوا قتله وإن كان بريئاً.
وفي هذا أيضاً آية من التدبيرالإلهي وهم أيضاً صنعوا حسب مشيئة الله الذي هو أب يسوع الناصري.

أيضاً يا بيلاطس لو أنّك حقاً أصغيت وأمعنت فيما قَصده بكلماته القليلة خلال حوارك معه,
لخريّتَ ساجداً بخشوع أمام عَظَمتهِ وأيقنت أنّه حقاً ملك العالمين وأنك كنت تخاطِب الإله وابن الله.
دعني أذكرك في تلك اللحظة بالذات, لحظة التحقيق.

كان أول سؤال وجهته يا بيلاطس إلى سيّدي الناصري ابن مريم:
"أنتَ مَلِكُ اليَهودِ؟"
طبعاً أنتَ تَعْلَم أنّ اليَهود أخبروكَ بهذه التهمة الموجهة إلى يسوع ليلاً عندما أرسل قيافا لك برغبته في القبض عليه
وطلب منك أن ترسل له ,فرقة دعمِ, مساعدة بعض الجنود من قلعة أنطونيا,
وأخبرك أيضاً أنهم قد اتفقوا مع يهوذا الذي تخلّى عن تَلمَذته ليسوع.
ولكنكَ رفضتَ أن ترسل الجندَ ولم ترى داعياً إلى ذلك, ونصَحتهم بالإكتفاء بجندِ الهَيكَل.
وإن استدعى الأمر فعندئذٍ يُمكن الإستغاثة بفرقة الرَدع السريع من قَلعة أنطونيا. ومن المعلوم أيضاً أنك يا بيلاطس تكره القبضَ على نبيٍ,
مثلما قبضَ هيرودس على يوحنا المعمدان, فلذلك أرسلتَ رداً إلى قيافا قائلاً:
"حاكم من تشاء ولكن تذكر أنّ حُكم العدالة النهائي يبقى في يَدِ حاكم اليهودية "Jus Gaduni".

كان في جواب سيّدي وإلهي آية صاعقة مدوية ودالة, أثبتت للبشرية ألوهيته,
فلم تفقهها بسبب دماثة طبعك وشخيصتك الساخرة وغبائك المُدعِق.
اسمعْ ثانيةً مَا قاله لك -ابن أمّه الناصري وفخراً لي أن أقبل قدميه-

قال: "أَمِنْ ذاتِكَ هَذا أَمْ آخَرونَ قالَوا لَكَ عَنّي؟"

يا بيلاطس ألم تتعلم في صفوف التحقيق الإبتدائية أن تُمَحِص قليلاً في إدلاءِ المتهمين؟
ألم ترى يا بيلاطس في هذا القول أن المتّهم يسوع عَلِم غيباً أنّ اليهود أخبروكَ بتهمتهم له؟
ألم يخطر لك أو سائلتك نفسك كيف عَلمَ يسوع الناصري بذلك الأمر, الذي كان سرّي للغاية عند مجمع اليهود ؟
يا بيلاطس وفقيه عصرك أسألك, كيف عَلِم ذلك إن لَمْ يَكن إله وابن الله؟
بل بالأحرى, أليس المقصود في ذلك القول هل أنتَ محايد, توّد معرفة الحقيقة أم أنّ الأمر مُخطط ومنتهيٌ؟
هل نسيت شعار القانون الروماني المنقوش فوق البريتوريوم "المنصّة" التي تربعت فوقها داخل البازيليكا,
والذي يقول: "أقم العدل ولو انطبقت السماء على الأرض"؟ ...


في الحاشية
إلى كل من الأخوة الذين عقبوا سلام وقبلة المسيح. -ترقبوا المزيد-