مريم والعصر الجديد (NEW AGE)
العصر الجديد تيار في الغرب يدعو، من بين ما يدعو، إلى عالم موحد بديانة جديدة واحدة. وهناك مَن يربط بين مريم التي يحكي عنها الكاثوليك اليوم وهذا التيار. من الأمثلة على هذا مقال ظهر في مجلة LIFE في كانون الأول 1996 تحت عنوان "سر مريم"[15]. تبدأ المقالة بمزيج من صور مريم من مختلف مناطق العالم، وباستشهاد مأخوذ من المؤرخة كارين أرمسترونغ، وهي راهبة كاثوليكية سابقاً، "يُعاد اختراع مريم باستمرار في كل جيل، غيّر الناس تحديدهم لها بما يتطابق مع ظروفهم". فمن بداية المقالة يوضح الكاتب أنه يريد أن يقول أن مريم ليست إلا نتاجاً لحضارة ما وعصر ما وأن لكل مجتمع أن يخلقها بحسب صورته. إن هذا الكلام الذي يرفضه الشرق يبدو مقبولاً في الغرب الذي لا يسمح لأي رأي بأن يدّعي الحقيقة المطلقة. فكل رأي صحيح ما دام مقتصراً على كونه رأياً. إن هذه الطريقة في التفكير من أهم ما يقف وراء تكاثر الكنائس البروتستانتية وتعدد المدارس والاتجاهات اللاهوتية في الكنيسة الكاثوليكية. فالغرب عرف في القرن الماضي حرية في التعاطي مع شخص المسيح، فخط عدد من الكتاب سِيراً له من عندهم، مثل رينان وشووتزر، وعند تسرب هذا التيار إلى الشرق كتب تولستوي وكازانتزاكيس ولكنهما أُدينا. هذه الكتابات ليست إلا تحوير لصورة المسيح واستبدالها بصور من نسج خيال المؤلفين وانحرافهم، وقد استُغلت لإيصال فكر يدعو إلى إله جديد. وقد استمر هذا التيار حتى عصرنا الحالي فرأى الليبراليون في المسيح رابي يهودي، والاشتراكيون صوروه على أنه ثائر (وقد أخذ عنهم هذا الفكر لاهوتيو التحرير الكاثوليك)، وكل هذا هيأ لباطنيي العصر الجديد بأن يروا في المسيح معلماً روحياً (Guru) تدرب في التيبت قبل انتقاله إلى فلسطين.
ويستند دعاة العصر الجديد إلى الدراسات المقارنة التي تركز على وجود بطل في كل الحضارات مات ثم قام أو كان طفلاً فنجا من الموت، كمثل تموز البابلي، ميثرا الفارسي، اوزيريس المصري، أو بوذا الهندي، وبالتالي فيسوع اليهودي هو منهم. وهكذا يتم التسويق لفكرة وجود أكثر من مسيح وحرية كل من الناس في اختيار مسيحه، هذا بموازاة المناداة بمريم أخرى يتم اختراعها بالطرق نفسها. هذا وأن عبادة إله وأمه ليست جديدة في التاريخ. فتموز لدى السومريين كانت معه أمه سميراميس، وأوزيريس لدى المصريين رافقته أمه أيزيس. هذه الأمر يتكلم عنه دارسو العصر الجديد ليدعموا قولهم بأن تعدد المسحاء لا بد أن يرافقه تعدد للمريمات[16].
المقالة المذكورة هي مساهمة في هذا الخط. فإمكانية قبول كل أشكال مريم تؤدي إلى إمكانية قبول كل الطرق باعتبارها مؤدية إلى نفس المكان. تستعرض المقالة عدة مريمات: العجائبية، الوسيطة التي يرى أحد الكهنة أنها تُدخل الناس إلى الملكوت من الباب الخلفي، الحديثة التي ينادي بها الأنثويون Feminists، والأم. يرى الكاتب أن مريم الأم هي الشكل الأكثر قبولاً لدى غير الكاثوليك لأن الحاجة العاطفية لها لا تُقاوم، فبعض البروتستانت يفتقدونها والمسلمون يكرمونها. ردة الفعل البروتستانتية بدأت تتغير، أقله شعبياً، دون أن يعني ذلك قبولهم بالحبل بلا دنس او باعتبارها أقنوماً رابعاً.
المؤسف أن الكنيسة الكاثوليكية لم تفطن أو لم تعلق أهمية على موضوع تعدد المريمات مما أدى إلى ارتفاع أصوات من داخل الكثلكة وخارجها تتهم الباباوات باتباع سياسات تتماشى مع تيار العصر الجديد، عن طريق المبالغة بإكرام مريم واستعمالها لتثبيت البابوية. من جهة أخرى، قد نلحظ في التيار المريمي بقايا وآثار لعبادات قديمة سبقت المسيحية. فالغرب أصلاً لم يحاول محو العبادات القديمة حيث أدخل البشارة. البرابرة في أوروبا دخلوا المسيحية بعاداتهم وطبقاتهم وهذا كان من مسببات دخول العقائد الغربية التي أدت إلى الانشقاق. وحتى في العصور اللاحقة كان المبشرون الغربيون، من باب "تعميد العالم"، يبقون على معتقدات الشعوب المبَشَرة ويستعملون موازيات مسيحية لها بدلاً من محوها. في الشرق كان كل شيء يُستبدل حتى المعابد كانت تهدم ويُعاد بناؤها. من الأمثلة على التدبير الغربي تبشير هنود الكوغي في كولومبيا وهم كانوا يعبدون إلهة تُدعى نابوبي أو الأم القديمة. وكان لنابوبي ابن يُدعى سيجوكوكوي اختبأ في كهف حتى يُقال أنه مات فينجو من خطر ما. عندما وصلت الإرساليات الكاثوليكية جعل المبشرون من سيجوكوكوي المسيح ومن نابوبي العذراء مريم. وعلى هذا الأساس أصبح اسم المعبد الوثني الذي كان اسمه بيت نابوبي سابقاً، كانساماريا وهو تحوير لـ Casa Maria أي بيت مريم. في حالة هنود الكوغي، ليس فقط عبادة خاطئة لمريم إنما أيضاً تهميش للمسيح وجعله إلهاً من درجة ثانية. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم[17].
يرى بعض الدارسين أن هذه العبادة الجديدة لمريم عودة لعبادات وثنية قديمة ورجعة إلى عبادة الإلهات التي كانت منتشرة في أوروبا بوجه خاص، بينما يرى آخرون في هذه الحماسة المريمية محاولة للتعويض عن الغبن اللاحق تاريخياً بالمرأة في الكنيسة الكاثوليكية والذي بلغ حد منع زواج الكهنة، أو استجابة للتيارات التي قامت في القرن الأخير للمطالبة بحقوق المرأة وكهنوت النساء. الجدير بالذكر أن كهنوت النساء أمر لم تعرفه إلا الديانات الوثنية.
ليس كل الكاثوليك في الخط نفسه في ما يتعلق بهذه الحماسة نحو مريم. فالكاردينال جون نيومن يقبل الحبل بلا دنس ولكنه لا يرى في كل هذه المبالغات إلا مثاراً للتجديف وخسراناً للنفوس. البابا يوحنا الثالث والعشرين حذر شعبه من أن العذراء لا تكون سعيدة عندما تُرفَع فوق ابنها. الكاتب الكاثوليكي روبرت بنسون (إنكليزي من القرن التاسع عشر)كتب بعد زيارته للورد بأن مريم ظهرت له في ضوء جديد وهو الآن بات يخشى أن يغضبها وليس فقط يكره ذلك، إذ أن الوقوع في يدها هو من الأمور المخيفة. الكاتب الفرنسي أميل زولا قال انه اختبر وتعرّف إلى دين جديد في لورد[18].

الظهورات والحوار المسكوني
يؤمن المريميون أن الظهورات تحمل رسالة مسكونية. في ظهور العذراء في الزيتون - مصر بقيت صامتة وهذا ما يفسرونه على أنه لفتة ودعوة إلى كل الحضور بغض النظر عن معتقداتهم للاتحاد بالله من خلال الصلاة. هذا الكلام يتفق مع رأي البابا الحالي الذي يرى أن إله كل الأديان هو واحد[19]. والواقع أن العذراء في مصر لو قالت أنها والدة الإله لرفضها المسلمون، ولو قالت أنها الحبل بلا دنس لرفضها الأقباط. من هنا أن هذا الصمت يطرح تساؤلات عديدة يستفيد منها المريميون الذين يركزون على أن مريم مذكورة في القرآن كعذراء مختارة. والسؤال الخطير الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا يغض المريميون النظر عن أن القرآن يرفض الصلب والقيامة ولا يرى في المسيح إلا أحد الأنبياء؟ يروي أحد المراسلين الأنكليكان أنه تعرّف خلال إحدى زياراته إلى الزيتون على جار للكنيسة مسلم كان يرمي الحجارة على زوارها فظهرت له مريم ليلاً وطلبت منه إيقاف هذا العمل ورسم الصليب على بيته. فاقتنع بصحة الرؤيا ورسم على بيته أربعين صليباً ولكنه بقي على إسلامه. ما هي إذن غاية الظهورات إن لم تكن قيادة الناس إلى المسيح؟
عذراء مدياغوريا قالت أنها أتت لتحوّل وتصالح. الكلام على المصالحة في كرواتيا الحالية (يوغوسلافيا سابقاً) كان ضرورياً. فهذه المنطقة شهدت ومازالت تشهد صراعات عرقية ودينية منذ منتصف القرن الماضي. مما قالته أيضاً هذه السيدة أن الأديان متشابهة بالمبدأ، وبهذا تلتقي مع الداعين إلى الوحدة القائمة على التوفيق (Syncretism) بغض النظر عن وجود الله كمحور لهذه الوحدة أم لا، وهو فكر بات غير مرفوض في الدوائر الفاتيكانية. أيضاً تقول هذه السيدة أن البابا أب لكل البشر وليس فقط للكاثوليك. البابا الحالي مقتنع بهذا الكلام حتى العظم ولهذا يقف وراء أغلب النشاطات التوفيقية بين الأديان، ولهذا هو الزعيم الروحي الأكثر تجولاً. فهو لديه مشاريع وخطوات تقارب مع كل الأديان من مسيحيين وغيرهم وهو ينظر إلى الألف الثالث كزمن جديد للإيمان ولهذا دعم مشروع البشارة 2000 (Evangelization 2000) الذي يصبو إلى تبشير العالم كله. كل هذه الحركات برأيه هي "إشارات تدل ليس فقط على اجتماع المسيحيين، بل تلاقي كل الأديان في هوية بشرية واحدة أمام الله"[20].
عذراء فاتيما طلبت روسيا وعلى هذا الأساس تأسست جمعيات صليبيو فاتيما (Fatima Crusadors) الذين بينهم أشخاص من كل البلدان والدرجات الكهنوتية والوظائف الدنيوية والذين يعتبرون الحرب على روسيا حرباً مقدسة يجب أن تنتهي بكثلكتها. دور دولة الفاتيكان معروف في الاعتداءات التي وُجهت إلى روسيا من قبل فاتيما. فالفاتيكان دعم الأتراك في حرب القرم، ودعم نابوليون في حربه عليها، إضافة إلى الأدوار التي لعبها من خلال دولتي هنغاريا وكرواتيا في البلقان. الفاتيكان احتفظ بعلاقات جيدة مع الحكم الشيوعي حتى كاد يفتتح معهداً لاهوتياً في روسيا في العام 1929. خلال هذه الفترة لم تُذكر روسيا في الرؤى، بينما عادت تذكر بتكريس روسيا بعد تدهور العلاقات.

دور الفاتيكان؟
كيف يُفسر انتشار صيت هذه الظهورات بهذه السرعة؟ كيف يُعلل أن رؤيا لفتاة تحوّل قرية مثل لورد إلى مركز ديني كبير وسياحي ضخم لا بل إلى ديزني لاند دينية؟ عدد السواح الذين يقصدون لورد أكثر من عدد زوار القدس. كيف يُفسر أن بعد ظهور أي رؤيا في مكان ما يأتي بعض الرهبان ويستلمون زمام الأمور بدل كاهن الرعية إن لم يكن منهم؟ هذا ما جرى في لورد وانتهى الأمر إلى الشكاوى والمحاكم. في مديغوريا لم تكن الأمور كذلك لأن كاهن الرعية كان من الرهبان أصلاً. كيف يُفسر أن تستمر الأمور على ازدياد بالرغم من رفض الأسقف المحلي وبدعم من بعض الرهبنات؟ الثابت أن للفاتيكان دور في كل هذا وهو من المستفيدين من هذه الظهورات خاصةً في التحكم بالوجه الحسي للأمور عن طريق أسرار يبوح بها أو يخفيها، ومن خلال جيش من الرهبان المنضوين في عدد من التنظيمات العريقة في الاقتناص والدبلوماسية.

مسألة قبول الظهورات
كما ذكرنا سابقاً فالكنيسة الكاثوليكية، في عملية التقييم، تتبع برنامجاً علمياً يعتمد على الرياضيات والفيزياء والطب النفسي. ومع أن الطب النفسي توصل إلى نتائج مهمة في شأن الرؤى والرؤاة قد تكشف أحياناً أوجهاً مخفية يستغلها الشيطان للخديعة، إلا أنه ليس مقياس صحة الرؤية. فكثافة الظهورات وكثرة الرسائل التي تحملها تجعل الأمر صعباً إضافة إلى الضغط الذي تشكله الحماسة الشعبية على أصحاب القرار. وفي بعض الحالات مثل مدياغوريا (التي تخطى عدد زوراها العشرة ملايين دون أن تنال موافقة الأسقف المحلي منذ 1981) تظهر كل عملية التقييم بلا قيمة، فالفرنسيسكان تكفلوا بجعل المكان مركزاً للحج بغض النظر عن موافقة الأسقف والبابا الذي لم تصل إليه بعد.
تذكر الموسوعة الكاثوليكية الجديدة أن رؤى القديسة دومينينك والقديس سمعان ستوك (Stock) في 1251 هي خرافات كما أنها تشير إلى أن الظهور في غوادالوبي - المكسيك في 1531 ليس بدون تساؤلات. كما تذكر المراجع الكاثوليكية أن هناك عدداً من الظهورات يكون بهدف المال أو لكسب الانتباه، والبعض قد يكون شيطانياً. تروي صفحة مخصصة على الانترنت لمتابعة أخبار الظهورات أن ماجدلين الصليب (Magdelaine of the Cross) كانت ترتفع عن الأرض عندما تصلي وتخبر المستقبل وتشفي المرضى، ولكنها اعترفت على فراش الموت أنها أسلمت نفسها للشيطان في فتوتها1. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تسمح الكنيسة الكاثوليكية بأن يُغض النظر عن هذه الخبرة في بعض الحالات وتتذكرها في البعض الآخر؟
الكنيسة الكاثوليكية، في ارتكازها الأساسي على العلوم العالمية والمنطق، باتت تفتقد لبعض المفاهيم الآبائية وهذا ما يجعلها تقع في خطأ قبول هذه الأمور. فالغرب بابتعاده اليوم عن فكر الآباء لم يعد لديه سوى فكرة بسيطة عن مفهوم أساسي هو الخديعة الروحية. هناك أمثلة كثيرة عن آباء ونساك وقعوا في خديعة الشيطان فاستضافوا الأبالسة بهيئة ملائكة وأحياناً المسيح نفسه وعاينوا رؤى وشاهدوا النور في قلاليهم وسمعوا الرب يكلمهم. القديس ذياذوخوس فوتيكي يحذر من خديعة الشيطان عندما يأتي بشكل نور. القديس أنستاسيوس السينائي يقول بأن ليس كل مَن يعمل آيات قديساً ويحكي أن أسقفاً هرطوقياً أقام ميتاً. القديس أنطونيوس الكبير حكى عن تظاهر الشياطين بسابق المعرفة لتضليل الناس، ومثله القديس يوحنا الدمشقي. كتاب بستان الرهبان يفرز باباً للكلام عن خديعة الشيطان من خلال الرؤى والتنبؤات. القديس يوحنا السلمي يحكي عن تمييز الأفكار والأهواء والفضائل. القديس سمعان اللاهوتي الجديد يحذر مما تزرعه الأرواح الشريرة في الجو. القديس مرقس الناسك يحذرنا حتى من استعمال الصور الفكرية في وقت الصلاة، ومثله القديس مكاريوس الكبير. كل الآباء يحكون عن الخديعة خاصةً للمتقدمين.
ما لا ينتبه له المتحمسون للظهورات المريمية هو إمكانية هذه الخديعة، وبهذا يتفقون مع الكاريزماتيك من مختلف انتماءاتهم. بعض القديسين الكاثوليك مثل يوحنا الصليب John of the Cross حذروا من أن كل الرؤى والنبؤات مهما كبرت لا تساوي عمل محبة صغير1. التمييز شرط أساسي للحكم في صحة الرؤيا والتعاطي مع الأمر في الكنيسة الكاثوليكية ليس على مستوى المسؤولية والأمثلة متعددة.لم تقبل السلطات الكنسية في فرنسا ظهورات لاساليت، كما أن السلطات الكنسية في اسبانيا لم تهتم للرؤى في غراباندال، ولا أسقف موستار في كرواتيا وافق على رؤى مديغوريا، ومع هذا أتى الحجاج دون أن يأخذوا بعين الاعتبار إمكانية كون مصدر الرؤى خديعة الشيطان. في سؤال لأحد الفرنسيسكان العاملين في مديغوريا عن مدى التأكد من أن المرأة التي ظهرت هي العذراء، أجاب متسائلاً مَن تراها تكون ما دامت أماً شابة مع طفل وعلى رأسها تاج4. فالرؤية قبلها الفرنسيسكان مع أن السيدة، في السابع من أيار 1985، أقامت إمرأة متوفاة هي والدة إيفانكا إحدى البنات الرائيات فقبّلت ابنتها ومضت. هل هناك ما يبرر عملية الإقامة هذه؟ أغلب الدارسين لا يرون في الأمر إلا تعاملاً مع الأموات وممارسة شيطانية.
لا بد من التوقف أيضاً عند أعمال الشفاء التي يدّعي البعض أنها تمت ويعتبرونها شهادة على صحة الظهورات. الحق أنه لا علاقة بين الأمرين. سيمون الساحر كان عنده قدرة شفائية. الطب الأسود في البرازيل لديه أيضاً نتائج كثيرة. بعثة لندن الأنكليكانية Anglican London Healiing Mission تورد شهرياً قصص شفاء مذهلة، ومثلها مجموعات الكاريزماتيك العَنصريين أيضاً تدعي أعمال شفاء، ومثلهم عدد كبير من الروحانيين (Spiritists) والعلم المسيحي (Christian Science). الفرنسيسكان هم من داعمي التيار المواهبي (الكاريزماتيك) الكاثوليكي ومنه يأتي الأب تارديف وغيره من الشفائيين. جدير بالذكر أن هذا التيار ليس مقبولاً مئة بالمئة في الكنيسة الكاثوليكية مع أن البابا الحالي يشجعه.
الله يعمل بطرق مختلفة ولا أحد يضع حدوداً لرحمته. الكنيسة عرفت وما زالت تعرف عجائبيين وشافين. صلوات الكنيسة الأرثوذكسية ملأى بطلبات شفاء النفس والجسد، حتى المناولة المقدسة هي بهذا الهدف. صلوات الزيت المقدس تتكرر خلال السنة بالهدف نفسه إضافة إلى إمكانية إقامتها عند هذه الحاجة. يبقى أن طبيعة الشفاء ومصدره أهم من الشفاء نفسه. القديس يوحنا الذهبي الفم يؤكد أن الشفاء قد يتم أحياناً بسبب إيمان طالبه وبغض النظر عن المطلوب منه.

ماذا بعد؟
هناك تخمة من كل شيء: آلاف من الرؤى، مئات من المزارات، عشرات الآلاف من الرسائل، عشرات من الأسرار وتناقضات كثيرة. أتباع فاتيما يتباهون على أتباع لورد، وأتباع لورد يرون في مديغوريا تلفيقاً. السؤال المهم هو ما الضرورة لهذه الظهورات؟ طبعاً الله يعمل حيث يشاء وبالشكل الذي يشاء ويتحدث إلى العالم من خلال مَن يشاء. إن كان دور العذراء هو كل هذه الأمور التي يُحكى عنها في الظهورات فأي دور بقي للروح القدس؟ إهمال الروح القدس طبيعي في ظل هذه المعمعة المريمية.
الكتاب المقدس وخبرة الكنيسة المتراكمة على ألفي عام هما الحَكَم. ليس الشك في الخبرات إنما في مصدرها وفي هذا لا نشكك أحداً بل نكرر تعليم الآباء القائل بأن مصدر الرؤى قد يكون شيطانياً فإبليس دائم الاستعداد لاستغلال قدرات الانسان العقلية والنفسية لتضليله. هذا الصخب والزحام المرافق للظهورات ليس طبيعياً. جهوزية الإعلام لمرافقة أي رؤية ونشر أي رسالة ليست طبيعية. التناقضات كثيرة وهاك بعض الأمثلة. أسقف موستار قال في إحدى المرات أن هناك 30000 زائر في مديغوريا، أما أحد الفرنسيسكان فقال أن هناك مئتي ألف، فسأل الرؤاة السيدة فقالت أن هناك 110 آلاف. سيدة مديغوريا قالت في أول أسبوع لظهورها أنها سوف تظهر لثلاث مرات أخرى. ثم قالت أن لديها خمس أسرار ولاحقاً أصبحت عشرة. في 1991 أحصي 2500 ظهور أي بمعدل 250 سنوياً أي شبه يومية. أيضاً قالت سيدة مديغوريا أن مديغوريا آخر مكان لظهورها،، فماذا عن الظهور في 57 مكان غيرها في مختلف القارات[21] ومنها الصوفانية وأبو غسان في سوريا، وموريس بشوتي ورسل الإنجيل في لبنان؟
ماذا عن محتوى الرسائل؟ ضخ واضح لعقائد الفاتيكان. هناك دائماً المطهر، الحبل بلا دنس ودور البابا في خلاص الشعوب، قلب يسوع وقلب مريم. هناك دائماً دعوات إلى التوبة ولكنها مشروطة أو مربوطة بتهديد ما. دارسو الكتاب المقدس يتوقفون عند طريقة طرح العبارات مثل "أنا الحبل بلا دنس" فهي تشبه "أنا الطريق والحق والحياة"، "أنا القيامة" المريميون المتحمسون يتوقعون أن يسمعوا "أنا وسيطة كل نعمة"، "أنا الشريكة في الفداء". أن تقول السيدة أنها الحبل بلا دنس ليس فقط تثبيتاً للعقيدة بل أيضاً للسلطة التي أعلنتها أي للعصمة البابوية. وفي هذا السياق ترفض الكنيسة الكاثوليكية بعض الرؤى التي لا تأتي في هذا الخط. كاترينا سيينا[22] ظهرت لها العذراء وأخبرتها أنها ليست الحبل بلا دنس. مؤرخو الغرب يقولون أن كاترينا كانت متأثرة بمعلميها الدومينيكان الذين كانوا يعارضون الحبل يلا دنس، وبالتالي أغلبهم يرفض هذه الرؤيا.
وفي الختام لا بد من ملاحظة التكرار الثقيل في الرسائل. مَن كلّم إيليا التسبيتي في النسمة لا يحتاج إلى تكرار أي كلام.
يتبع...