الظهورات المريمية
لا يهدف هذا المقال إلى الانتقاص من إخلاص أي من المؤمنين الذين يحجون إلى الأماكن التي سوف يأتي ذكرها سواء لتثبيت إيمانهم أو لطلب الشفاعة في أمور حياتهم وصحتهم. فالخطأ الذي يتناوله المقال أمر لا ينشىء إلا الألم في قلب الأرثوذكسية والمقصود في الكلام عن خديعة الشيطان ليس إساءة استعمال الكلمة أو القول بأن ما يجري هو حكماً شيطاني أو أن الحجاج هناك يعبدون الشيطان. على العكس، هؤلاء أشخاص يبحثون عن الله لكن سعيهم يستغله مَن أسلم نفسه للشيطان نفسه.
الموضوع كثير التشعب ومن هنا صعوبة معالجته. محرك هذا البحث هو عدد من المقالات التي تسوّق هذه الظهورات، وتقارير عن مؤمنين وكهنة أرثوذكسيين يزورون وينظمون رحلات إلى أمكنة هذه الظهورات. فالآلة الإعلامية المخصصة لدعم ونشر أخبار هذه الظهورات قوية. جدير بالذكر أن هذا البحث لا يهدف إلى تغطية شاملة للموضوع لكن ما يُرجى هو لفت نظر المؤمنين إلى أمور قد تكون يومية في حياتهم ولا يعيرونها انتباهاً.
في العام 1984 أعلن الكاردينال جوزيف راتزينغر، رئيس لجنة عقيدة الإيمان (Congregation for the Doctrine of the Faith) في الكنيسة الكاثوليكية: "إن أحد علامات الأزمنة هو أن الظهورات المريمية تتكاثر في كل العالم". وقد استند في هذا الكلام على تكاثر عدد التقارير التي تصل إلى اللجنة المذكورة من مختلف أنحاء العالم. فقد تكاثر عدد هذه الظهورات بشكل جنوني خاصةً بعد 1960[1]، مع أن فحوى الرسائل المعطاة هو تكرار للرسائل نفسها وتذكير بالعقائد المستحدثة في الفاتيكان مثل الحبل بلا دنس والعصمة البابوية، وتحضير لعقائد مريمية جديدة تتكاثر الدعوات إلى إعلانها كمثل اعتبارها أقنوماً رابعاً أو شريكة في الفداء.
كيف تقيّم الكنيسة الكاثوليكية هذه الظهورات؟[2]
إن أي تقرير حول أي ظهور أو أمر غير طبيعي يجب أن يحظى أولاً بمصادقة الأسقف المحلي الذي يبني قراره على تقييم تقدمه لجنة يعيّنها لتقوم بدراسة دقيقة لتتأكد أن الحدث لا يحمل شيئاً معاكساً للإيمان أو الأخلاق وبأنه موحى به أو فوق الطبيعي وبالتالي مستحق أن يجتذب إكرام المؤمنين. عمل اللجنة يقوم على أسس علمية مثل إخضاع مَن يتلقى الرؤيا لفحوص نفسية، وفي حال حدوث أي أمر في الطبيعة كظهور نجوم أو تحرك الشمس. تُخضع اللجنة كل هذه الأمور للبحث العلمي مرتكزة على علوم الفيزياء والفلك والرياضيات وغيرها.
بعد مصادقة الأسقف المحلي تأتي فترة من "التعبّد لتعميق إيمان المؤمنين". فإذا انتشرت هذه العبادة يتم الانتقال إلى المرحلة التالية المتمثلة بالاعتراف البابوي. إذ يعلن البابا أنه مقتنع بالحدث وبمحتوى الظهورات، فتكون المرحلة الأخيرة أي وضع الخدمة الليتورجية وإضافة الحدث إلى التقويم الكنسي.
قد لا يعترض غير الكاثوليكي على محتوى الظهورات أحياناً، كالدعوة إلى الصلاة والتوبة والمصالحة، ولا على شكل الظهور، إنما الأكيد أن ما لا يروق له هو ما يجري بعد الحدث وكيفية تفسير الرسائل. في ما يلي عرض مقتضب لبعض الظهورات الحديثة (القرنين الأخيرين). فظهورات ما قبل 1842 لا تتعدى الدعوة إلى التوبة أو طلب بناء كنيسة وما شابه.
لاساليت La Salette- فرنسا[3]
كان الإكليروس في فرنسا ما بعد الثورة الفرنسية يتشكى من ابتعاد الناس عن الكنيسة وقلة احترامهم ليوم الأحد. وانتشرت بعض الرسائل التي قيل أنها نازلة من السماء تدعو الناس إلى التوبة تجنباً للعقاب السماوي. وقد كانت بعض هذه الرسائل تفعل فعلها بين الفلاحين. وفي لاساليت في العام 1842، رأى ولدان، مكسيمين (صبي 11 عام) وميلاني (فتاة 14 عام) لمعاناً من الضوء وظهرت منه فجأة سيدة متشحة بالبياض والذهب مع إكليل ورود على رأسها. وكانت محاطة بالضوء تبكي من أن الفلاحين لا يحترمون يوم الأحد ويكثرون من التجديف والقَسَم. وأضافت أن كوارث سوف تحدث إن لم يتغيّر الناس، كمثل تراجع المواسم وحصول المجاعة، فهي لم تعد قادرة على منع ابنها من تطبيق العقاب. وأعلن كاهن الرعية بعد اطلاعه على الأمر أن السيدة هي العذراء مريم ومن ثم وافق أسقف غرونوبل وابتدأ الحجاج يتوافدون إلى لاساليت. ميلاني أصبحت لاحقاً راهبة وبقيت تتلقى رؤى وإعلانات إلى آخر حياتها. ما بعد لاساليت توالت الظهورات بكثافة وفي مختلف أنحاء العالم.
لورد Lourdes[4]
في 1858أي بعد أربع سنوات من إعلان عقيدة الحبل بلا دنس رسمياً، في لورد على سفوح البيرينيه الفرنسي، رأت برناديت سوبيروس شيئاً أبيضاً بشكل فتاة جميلة تلبس فستاناً أبيضاً وبرقعاً أبيضاً مع وشاح أزرق ووردة صفراء على كل رِجل. ثم أفصحت برناديت أن ما رأت يشبه كثيراً بثيابها ووجهها العذراء مريم التي في الرعية، إنما التي في الرؤية حية ومحاطة بالنور. أما السيدة فقد كانت تحمل مسبحة وتكلمت باللهجة المحلية وبطريقة مهذبة جداً داعية الناس إلى التوبة. ثم أعطت برناديت ثلاثة أسرار ودعتها إلى الصلاة من أجل الخاطئين ووعدتها بأن تجعلها سعيدة في العالم الآخر وليس في هذا. كما طلبت منها حفر بئر هناك (هناك تقارير تشير إلى أن البئر كان معروفاً قبل هذا الحدث). في ظهور آخر أعلنت السيدة أنها الحبل بلا دنس مثبتة العقيدة المعلّنة حديثاً. وبعد سبعة أشهر ثبتت السلطات الكنسية في فرنسا خدمة عذراء لورد وابتدأ العمل على بناء كنيسة. برناديت أصبحت راهبة وأُعلنت قداستها في العام 1933. الجدير بالذكر أن ما جرى في لورد دفع التيار المريمي بقوة في القرن التاسع عشر وكثرت الحركات التي تدعو إلى الحج إلى ذلك المكان، إضافةً إلى الدور الذي لعبه في الإعلام عن عقيدة الحبل بلا دنس إذ أن الناس لم يتجاوبوا مع إعلانها إلا بعد سلسلة الظهورات التي جرت. من المثير للانتباه هو أن الأم فوزو، مربية برناديت، لم تكن مقتنعة بصحة الظهورات لأن برناديت كانت تركز على المسيح أكثر منها على العذراء، وهذا إن دلّ على شيء فعلى أن انتشار إكرام مريم أكثر من السيد في تلك الأنحاء[5].
فاتيما Fatima - البرتغال[6]
أول ظهور كان في العام 1917 إذ رأى ثلاثة أولاد هم لوسيا (10 سنوات)، فرنشيسكو (9 سنوات) وجاسينتا (7 سنوات)، بريقاً كاللمع وظهرت بعده سيدة جميلة فوق شجرة قالت أنها أتت من السماء وطلبت من الأولاد أن يعودوا في اليوم الثالث عشر من كل شهر من الأشهر الستة القادمة حتى تخبرهم مَن هي وما تريد. وجواباً لأسئلة لوسيا أخبرتهم أنهم سوف يذهبون إلى السماء ولكن على فرنشيسكو أن يكرر مسابح كثيرة. كما أخبرتهم أن أحد أصدقائهم الصغار، وكان قد توفي قبل فترة، هو في السماء بينما صديق آخر في المطهر حيث سوف يبقى إلى انتهاء العالم. فرنشيسكو لم يرَ شيئاً في البداية ولم يسمع أي شيء أما جاسينتا فقد رأت وسمعت لكنها لم تتكلم. في ظهورات أخرى طلبت منهم أن يقولوا المسبحة ويصلوا خاصة للذين في نار الجحيم. كما تلقّت لوسيا "أسراراً" ورأت رؤية للجحيم. وعدت السيدة بأن تقوم بأعجوبة في تشرين الأول. تعرّض الأولاد للتحقيق من قبَل حاكم المنطقة الملحد دون أن يغيّر هذا شيئاً من أقوالهم، كما أن لوسيا ضربتها أمها التي اعتبرت أقوالها أكاذيب.
كان الثالث عشر من تشرين الأول يوماً ممطراً ومع هذا تجمع سبعون ألف شخص منتظرين الأعجوبة الموعودة. ظهرت السيدة وقالت أنها عذراء المسبحة وبأن الحرب سوف تنتهي في ذلك اليوم (لكنها انتهت بعد 13 شهر من تاريخه). ثم جرت الأعجوبة إذ أن المطر توقف وظهرت الشمس فصرخت لوسيا "انظروا إلى الشمس" التي رأت فيها سيدة الأحزان وسيدة الكرمل ويوسف الخطيب والسيد. نظر الجمع إلى الشمس ورأوها تتحرك وخافوا أنها نهاية العالم. لم يرَ كل الحضور ذلك مع أن غيرهم على بعد 10 كيلومترات من فاتيما رأوا، بينما رأى آخرون نجمة ليلية وغيرهم رأى مطراً من الأزهار.
مثل ميلاني وبرناديت فإن لوسيا أصبحت راهبة وظلت تتلقى رؤى وإعلانات. في العام 1925 ظهرت لها السيدة مع الطفل وقالت لها أن عبادة قلب يسوع يجب أن تنتشر. ثم في 1929 ظهرت أيضاً وقالت أن روسيا يجب أن تُكرس للقلب الطاهر. كتبت لوسيا في 1937 سرداً كاملاً للظهورات التي يبدو أنها توسعت وضمّت ظهوراً لملاك قبل ظهور السيدة. ففي 1915 ظهر كشخص ملفوف بملاءة، وفي 1916 كشاب في السادسة عشرة أكثر بياضاً من الثلج وعرّف عن نفسه بأنه ملاك السلام وطلب منهم الصلاة من أجل عديمي الإيمان مع ملامسة جباههم للأرض. لاحقاً في 1916 أخبرهم أنه ملاك البرتغال الحارس وأن عليهم أن يصلوا ويقدموا أضاحي من أجل كل شيء صنعوه لكي يأتي السلام، كما أعلمهم بأن قلبي يسوع ومريم يخططان لشيء لهم. أيضاً في 1916 ظهر بهيئة غمامة في شكل بشري وناولهم. كما كتبت لوسيا في 1941 و1942 وصفاً للرؤيا التي رأت فيها الجحيم في 13 تموز 1917. وقد وصفته بالنار الحمراء والشياطين السود وصرخات الألم واليأس وربطت ذلك بأن السيدة حذرت من إشارة عظيمة لليل يضيئه نور مجهول يرمز إلى عقاب إلهي لا سبيل إلى تلافيه إلا بتكريس روسيا لقلب مريم الطاهر. وهذا ما كرره البابا بيوس الثاني عشر في العام 1952 والبابا يوحنا بولس الثاني في العام 1981. وقد كان البابا يوحنا الثاني قد فتح مغلفاً فيه السر الثالث لفاتيما في العام 1960 لكنه لم يفصح عن محتواه.
مديغوريا Medugorje - يوغوسلافيا سابقاً[7]
بدأت الرؤى في حزيران 1981. الراءون كانوا أول الأمر أربع مراهقين بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة من العمر، ثلاث فتيات وشاب واحد. في إحدى الأمسيات رأوا على إحدى التلال ضوءً وفي داخله امرأة تحمل طفلاً فهربوا عندما نادتهم. في اليوم التالي عادوا مع فتاة جديدة وصبي في العاشرة ورأى الجميع على الجانب الآخر من التل المرأة تلبس الشمس. وفي الليلة الثالثة عادوا مع جمع من 5000 شخص فظهرت السيدة بعد أن حدث لمعان ضوء ثلاث مرات. الأولاد الستة وحدهم رأوها. فقالت إحدى الفتيات وهي تقبض على جرة ماء مقدس في يدها "إن كنت الشيطان فاذهب بعيداً" فسمعت "أنا مريم العذراء. اهتدوا. تصالحوا. السلام. السلام. تصالحوا". وتكررت الرؤى وصارت السيدة تزور المراهقين في منازلهم أحياناً وأعطت لهم أن يروا الملكوت والجحيم والمطهر. كما أعطتهم رسائل تدعو إلى السلام والاهتداء والصلاة وصوم الأربعاء والجمعة واحترام الأديان الأخرى. كما أخبرتهم أنها تعذبت من جراء خطيئة البشر وبأنها خاضت معركة عظيمة مع الشيطان من أجل النفوس وبأن في مديغوريا سوف تكون آخر ظهور للسيدة وكل الظهورات اللاحقة كاذبة. كما أعطتهم عشرة أسرار على غرار أسرار فاتيما الثلاثة يُعتَقَد أنها رؤيوية أخروية فيها تحذيرات من كوارث آتية. رفض أسقف منطقة Mostar، الذي تقع مديغوريا في أبرشيته، هذه الظهورات، لكن كاهن الرعية الفرنسيسكاني بدعم من أسقف منطقة مجاورة Split دعم الظهورات بحماس. تعرض الكاهن للسجن على يد الحكم الشيوعي الحاكم في وقتها، وبعد خروجه من السجن وبسبب علاقته بالظهورات نُقل إلى رعية أخرى حيث تم عدد من الأشفية على يده، وقد توافد الناس إليه ليروا الشخص الذي يستمع لاعترافات الفتية الرائين. وقد ترافقت أعمال الشفاء مع وضع الأيدي والغيبوبة والبكاء، وهذه من علامات أعمال الكاريزماتيك من كاثوليك أو بروتستانت. وقد أحصي ما يفوق على عشرة ملايين زائر ما بين 1981 و1991 من مختلف أنحاء العالم. رُويت عشرات من القصص كرؤية المسيح في السماء أو السيدة مع مسبحة ذهبية وغيرها.
من المثير للانتباه أمر على علاقة بكاهن الرعية المذكور توميسلان فلازيتش الفرنسيسكاني وهو أنه كان في روما للمشاركة في مؤتمر حول التجديد المواهبي الكاثوليكي (Catholic Charismatic Renewal) فأخبر بعض الموجودين أنه بدأ ييأس من خدمته الرعائية وطلب أن يُصلّى على رأسه. فصلّى على رأسه عدد من الموجودين المعروفين بموهبتهم الشفائية (!) مثل كلير ماكينا والأب تارديف. وخلال الصلاة رأت ماكينا فلازيتش جالساً في كنيسته محاطاً بآلاف من البشر ويمر تحت كرسيه مجرى ماء ينبع من الهيكل. أما تارديف فقد سمع الكلمات التالية "لا تخف فإني مرسل أمي إليك". وقد بدأت الظهورات بعد أسابيع من ذلك أي في حزيران 1981[8].
لم تنل هذه الظهورات موافقة الأسقف المحلي ولا موافقة الأسقف الذي حلّ مكانه ولا حتى موافقة مجلس أساقفة يوغوسلافيا لغاية اليوم. ومع هذا فتدفق الزوار من كل أنحاء العالم لم يتوقف حتى خلال حرب البوسنة. وفي 1997 كرر أسقف Mostar أن قرار مجلس الأساقفة ما زال نفسه إذ حتى اليوم لم يثبت أن ما يجري في مديغوريا فائق الطبيعة أو أن هناك إعلانات[9]. ومع هذا، فيوجد اليوم عشرات مما يُسمى مراكز مديغوريا (Medugorje Center)، ويُنظم عشرات الرحلات السنوية إلى المكان من كل القارات، حتى من بلادنا وعلى يد كهنة غير كاثوليك أحياناً(!).
هل الظهورات إلهية؟
ليست الإجابة على هذا السؤال بالأمر السهل حتى بالنسبة للذي لا يؤمن بالعقائد التي تبشر بها رسائل هذه الظهورات مثل الحبل بلا دنس وعبادة قلب يسوع أو قلب مريم. ويتساءل المرء عن كيف ينظر إلى هذه الظهورات في حين تحمل رسائلها أفكاراً غير صحيحة، وعن إمكانية كون هذه الظهورات من خديعة الشيطان في حال لم تكن عملاً إلهياً. في الكتاب المقدس وتعليم الآباء الكثير من التحذيرات من الوقوع في خديعة الكذاب وأبي الكذب الذي قد يأخذ أشكالاً نورانية أحياناً.
أبسط الشروط حتى تكون الظهورات إلهية هي أن تنسجم مع تقليد الكنيسة شكلاً ومحتوىً. أمام محتوى عدد كبير من الرسائل الواردة على لسان السيدة، فيجد المؤمن نفسه أمام استبدال للسيد المحب، الطويل الأناة الجزيل التحنن الذي يحب الصديقين ويرحم الخطأة بإله متعالٍ غضوب ميّال إلى الانتقام والعقاب. فالسيدة في لاساليت قالت أنها "لم تعد قادرة على رد يد ابنها الثقيلة"، وفي فاتيما "هو مغتاظ"، وفي سان دميانو (1961) "الآب الأزلي متعب، متعب جداً… وقد أطلق الشيطان الذي يعمل على التخريب"، وفي أوليفيتا سيترا - ايطاليا (1985) "أنا لم أعد أقدر على رد ساعِد ابني العادل"، وغيرها من شبيهاتها في ظهورات أخرى. إن هذه العبارات تعكس تعاليم بعض القديسين واللاهوتيين اللاتين التي تقول بأن هناك مواجهة بين مملكة العدل التي للمسيح ومملكة الرحمة التي للعذراء. من هؤلاء ألفونس ليغاري الذي يقول بأن الخاطئ الذي يُغضب الله تأخذه مريم تحت حمايتها وترد عنه ذراع ابنها المنتقمة وتخلصه. أو جان جاك أوليه Olier الذي يقول بأن العذراء هي الملجأ الأكيد للخطأة والمجرحين من غضب وانتقام يسوع المسيح لأنها تعوق قدرته لمنع الشر الذي قد يعمله للمذنب.من المعلمين اللاتين أيضاً لوي-ماري غرينيو دو مونتيفور (1796) الذي يربط العذراء بالمجيء الثاني معتبراً أن الروح القدس سوف يُظهرها لكي يُعرَف المسيح وأنها سوف تلمع بالقدرة على أعداء الله لأن الشيطان يخشاها أكثر من الله نفسه. ولم يزل هذا التعليم قائماً في الكنيسة اللاتينية، فاليوم يرى بعض اللاهوتيين الكاثوليك المعاصرين، مثل المطران فولتون شين، أنه كما هيأت العذراء جسد المسيح للمجيء الأول فهي تهيء النفوس اليوم للمجيء الثاني. فلولاها لما كان له مجيء بالجسد في المجيء الأول ولن يكون له مجيء بالروح في المجيء الثاني إن لم تهيء له الطريق[10]. كما يرى بعض المجموعات الكاثوليكية، ومنهم البابا الحالي، أن دور العذراء الخلاصي لا ينحصر بالمسيحيين فقط بل يتخطاهم إلى كل البشر من مختلف الديانات. ويتخذ الأخيرون من الظهور في الزيتون في مصر مثالاً، حيث تجمّع أناس من كل الأديان ليروا الظهور. إن هذا التفكير منسجم جداً مع اعتقاد سائد في أوساط الكثلكة بعصر مريمي يسبق المجيء الثاني، علماً أن الحديث عن هذا العصر ليس موجوداً لا في الكتاب المقدس ولا لدى أي من الآباء. ويستند البعض في هذا على ما يرد في رؤيا يوحنا (). أيضاً يستندون إلى تكوين 15:3 "وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك وأنتِ تسحقين عقبه". فالآية واضحة في أن مَن يسحق الحية هو نسل المرأة أي الإنسان وتحديداً المسيح، ويضيف التفسير الكاثوليكي أن "مَن قال المشيح قال أمه. فالتفسير المريمي للترجمة اللاتينية ("هي تسحق") أصبح تقليدياً في الكنيسة الكاثوليكية"[11]. من المثير للانتباه أن ما توصلنا إليه خلال بحثنا عن مرجع في موضوع العصر المريمي، هو أن نوستراداموس (Michel de Notre Dame) هو صاحب النظرية والمتنبئ بها[12].
إن التركيز على دور العذراء أدى إلى مناقشة اعتبارها شريكاً في الخلاص مساوياً للمسيح (Co-redemptrix) ومطالبة المريميين بإعلان هذا الأمر كعقيدة أو حتى إعلانها أقنوماً رابعاً. فالبابا بوحنا بولس الثاني يرى فيها نقطة التقاء الشرق والغرب، والكاردينال كيلر يرى أنها نقطة التقاء الاسلام والمسيحية[13]. ومن جهة أخرى فالكاثوليك المؤمنون بتنبؤات عذراء فاتيما يرون ضرورة إعلان هذه العقائد المريمية الجديدة من أجل تلافي الحرب العالمية الثالثة. فبحسب رسائل فاتيما، إن لم يتم تكريس روسيا لقلب مريم فسوف يقع عدد من الكوارث ومن بينها الحرب العالمية[14].
يتبع...

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات