[align=center]الإنسان بعد الخطيئة الأصلية دخل على طبيعته الفساد البشري والموت ولكن دون أن يرث الخطيئة الأصلية نفسها، وهذا يعني أن الإنسان يولد غير خاطيء ولكنه مائل إلى الخطيئة وضعيف الإرادة في مواجهة ذلك. وعليه السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تجسد السيد المسيح على الأرض؟ وهل كان هدف التجسد هو الصلب أم جاء الصلب كنتيجة لنهج المسيح على الأرض؟ وهل كان من الضروري أن يكون المسيح إلها متجسدا؟ ولماذا؟ وماذا تعني المعمودية في ضوء ما ورد آنفاَ؟[/align]



اسئلة جيدة
تعالى نمسكهم واحدة واحدة
تجسد المسيح فهمه الآباء إنه أمر غير مشروط بالخطية
لم تجعل الخطية الله يتجسد ، الله كان سيتجسد سواء أخطينا أم لم نخطئ ... كيف ذلك؟
خُلِق الإنسان على صورة الله و مثاله . صورة الله أي صورة الإبن الذي هو فوق الزمان و الذي فقط رأيناه في ملء الزمان لما أخذ جسداً لكن لأن ابن الله ليس عنده قبل أو بعد و ليس عنده ماضي و مستقبل ، خُلِق الإنسان على صورته التي تجسد عليها من جسد العذراء . لذلك فآدم لم يكن الحالة الأصلية للإنسان ، بل هو صورة image للأصل Archtype الذي هو ابن الله نفسه متجسداً.
و لكن يتبادر سؤال بدائي قليلاً : كيف خُلق آدم صورة للأصل الذي هو يسوع في حين إن يسوع من نسله !؟
هذا يتوقف على مشكلة حصر عقلنا للزمن . نحن نرى الإنسان و الخلق في دائرة الزمن لكن المسيح و إن أخذ جسداً بشرياً زمنياً ، هو فوق الزمان و ليس عنده ماضي و حاضر و مستقبل ، فالمسيح كان يخاطب اليهود و في ابراهيم حاضر أمامه في نفس الوقت ، و كان يتكلم عن أمور المستقبل ببساطة شديدة و كأنه يحضرها أثناء الحديث . هذا معناه أن الخلق من زاوية أو منظور الله كانت على صورة يسوع الذي هو أصلاً فوق الزمان. لم يتجسد سنة 4 قبل الميلاد بالنسبة للآب ، لكنه بالنسبة لنا تجسد في التاريخ.

إنها تماماً كالنظرية النسبية لآينشتاين و التي يكون فيها الزمن متغير Variable يمكن التلاعب به من خلال السرعة و المسافة و قانون الطاقة الشهير E = MC^2 ، فالنسبية ببساطة تحكي كيف إن الزمن يُعتبر بعد نسبي ، لو كنت جالس في سطح القمر و تحركت نحو الأرض ، فإن الإحساس بالزمن سيتغير ، و لو تحركت بمربع سرعة الضوء فإن الزمن نفسه سيتغير و يتوقف بمعدلات معينة ، لو كنت أنا جالس على كوكب الأرض أراقب حركة الشمس و سرعتها ، فلن تكون نفس الحسابات لو أنا جالس على سطح المريخ.

السؤال الطبيعي : هل هذه فلسفة مجردة؟ أم أنها أساس لاهوتي ؟ هذا طبعاً أساس لاهوتي كتابي آبائي ، يرى التجسد من منظور الله فوق الزمان و بالتالي فإن المسيح تجسد بالنسبة لنا سنة 4 ق م لكن بالنسبة للثالوث عموماً فوق الزمان و بالتالي خُلِق الإنسان على صورة هذا اللازمني و مثاله. يعني ببساطة خُلق آدم على صورة المسيح التي هي مبتغى الإنسانية.

و هنا يظهر تعبير لا أعرف مرادف له بالعربي لأن كل هذا الموضوع لم تغطيه أي كتابات عربية ، و التعبير هو Christification و من داخله تأتي الكلمتان Deification & humanification أي أن المسيح بسبب اتحاد طبيعتيه يؤنسنا أي يجعلنا أولاً على الصورة التي يجب أن نصير عليها بتنقية بشريته من آثار الإنسان العتيق ( و الصلب جزء من هذه التنقية)، ثم يؤلهنا أي يجعلنا في الرجاء الأخير المنتظر بتسريب طاقته الغير مخلوقة ( طبيعته الإلهية) بحسب النعمة لنا حتى نتأله و نبلغ مبتغى الوجود. و هذه هي فكرة صورة الله و مثاله ، صورة للإبن ، و مثاله أي حركة التأله .

عظيم ، الآن فهمنا مبدأ تجسد الله فوق الزمن بالنسبة لله نفسه و بالتالي هو يرى التجسد قبل حدوثه بالنسبة لنا ، و يخلق الإنسان بناءً عليه .
ما علاقة ذلك بموضوعنا ؟ يعني لماذا تجسد ؟

هذا مبني عليه نقطة أخطر ، ما هو أصلاً الغاية من خلقة الإنسان؟
الإنسان كائن كريم جداً عند الله ، كل قصته مبنية على محور :
الخلق - التأله

و لكن لأننا جزء من التاريخ ، متأثرين بمفردات و أدبيات التاريخ ، حصرنا و اختزلنا هذا المحور إلى محور أقصر منه ، او بمعنى أدق قمنا بقص أطراف المحور السابق و اكتفينا بجزء لا يتجزأ منه :
السقوط - الفداء
كل كتابات اللاهوتيين اليوم تعيد النظر في فكرة لماذا كل سيرة الإنسان مبنية على قصة السقوط و الفداء؟ هل جعلت الخطية الله يتجسد؟ هل بدون الخطية ما كان للإنسان أن يعرف الله ؟ هل هل هل ؟؟ أسئلة كثيرة.
حقيقةَ هذه الأسئلة حاول أتباع التقليد الغربي في العصور الوسطى أن يجيبوا عليها فسقطوا في أبشع الأخطاء اللاهوتية الممكنة ، فشوهوا فكرة التجسد و فكرة الفداء و الصليب ...

صار لا يمكن أن نتحدث عن الإنسان و الله إلا من منظور قصتي السقوط و الفداء .. الأمر الخاطئ تماماً و كليةً .
نعم السقوط و الفداء كما قلت سابقاً جزء مفصلي و محوري ، و لكنه ليس كل شيء . هو حلقة لا يتكتمل بدونها سلسلة قصة الله و الإنسان لكن كما قلت أيضاً ، هي جزء و ليس كل ، هي حلقة من حلقات السلسلة الأكبر. هذا هو الأمر الذي سنأتي على شرحه الآن.

الله وضع الإنسان على محور : الخلق - التأله
أي إنه خلق الإنسان كي يتحرك ، أو ينجمع Anakefaleh - recaptulate حول الله و يشترك و يتنعم بحياة الثالوث ابناً له . لا دخل للخطيئة و السقوط و الفداء بهذه النقطة. لكن لأن الإنسان لم يعِ و لم يسِر على الخطأ المرجو له ، و هو الإنتقال من الخلق للتأله بخطى ثابته ، سقط في المنتصف ، سقط و كان هناك صليباً يدفع فيه الكيان البشري المنجمع في المسيح عاقبة خطيئته و يغتسل من لعنة ( عاقبة - Consequence) اختياره الذي حاد به عن المحور الكبير (محور الخلق التأله ) .
هل نفهم من ذلك أن التجسد جاء كعملية إسعاف سريعة لحيود الإنسان عن طريقه المرجو ؟
لا طبعاً ، التجسد بدون لما كان هناك أصل ُيخلق عليه الإنسان ( Humanification) ، و بدون التجسد لما تألهت الطبيعة البشرية و بالتالي فُتح الباب لها أن تتقدم نحو الوجود في الحضرة الإلهية Deification ، و هذه هي ثمار الإتحاد الأقنومي الذي تم و لمرة واحدة و أخيرة بين الطبيعتين البشرية و الإلهية في شخص الإله الإنسان Theanthropos يسوع المسيح ابن الله الحي.

لذلك فالتجسد كتدبير إلهي كان حر من قضية الصلب ، سواء سقط أم لم يسقط الإنسان ، كان يجب أن يتم التجسد كي تلتقي الطبيعة البشرية بالطبيعة الإلهية في شخص واحد قادر أن يؤلهها.

إذاً ، هل هذا يعني أن الصليب جاء كرد فعل للسقوط ؟
نعم هذا حقيقي ، فلو لم يسقط الإنسان لما كانت لعنة الموت حلت فيه و لم يكن هناك جسداً خطاءً صار الشر جزءاً منه يجب أن يُعلق و يدان و يخلص من آثار و وسخ الخطيئة و كبرياء عدم طاعة الله في خطته المرسومة في المحور السابق ذكره.
و هذا طبعاً يعني إن الصليب جزء لا يتجزأ و جزء مفصلي من المحور الذي قلنا عليه ، و بالتالي فالفداء و القيامة جزء من هذا المحور و لكن ليس كل الأمر كما قلنا ، أي أنه ليس أقل أهمية من أي جزء لكن كما نعرف إنه لو سقطت حلقة واحدة من عقد ، ينفرط العقد ، كذلك أهمية الصليب داخل خطة الوجود و التي كانت رد فعل لحرية البشرية الساقطة. إلا إنها كانت الجزء المسئول عنه البشر في القصة ، أي أنه صار إضافة من البشرية للسلسلة .

عظيم ، هكذا نفهم نقاط كثيرة .
نأتي للنقطة التالية
وهل كان من الضروري أن يكون المسيح إلها متجسدا؟ ولماذا؟
طبعاً كان يجب أن يكون المسيح إلهاً ، لأنه هو واهب عنصر الحياة ، هو المؤنِّس ، و المؤلِّه ، كيف سيكون الخلق و كيف يصل إلى التأله دون الله أن يقوم بذلك ؟ و ها هو الله يقوم بذلك التدبير الكامل لأنه كما يقال ، فاقد الشيء لا يعطيه ، كيف يهب الإبن الحياةَ لكل من يأكل جسده و يشرب دمه و يتحد به دون أن يكون فيه الحياة كامنة كي يعطيها . و كيف يؤله البشر و يقدسهم إن لم يكن هو واهب النعمة الإلهية الغير مخلوقة. المسيح هو الوجود ، و لا يمكن أن يُخلق الوجود على وجود مخلوق. و هذه هي رسالة كل الكتاب المقدس و المسيحية عموماً .
المسيح هو الإبن و هو الكلمة ، الإبن يهب بنوته للبشر لكي يصيروا أبناءً للعلي بعد أن سقطوا و فقدوا البنوة و اختاروا أن يصيروا متعجرفين رافضين الأبوة السماوية ، و هو الواهب كلمة الحياة ، أي عنصر الحياة يهبه بحسب النعمة و فيه يستتر ملء اللاهوت كي يبني عليه البشر وجودهم الفوق دهري.

المعمودية هي عملية تصحيح و تقويم لهذا الحيود عن خطة "الخلق - التأله" و هذا الحيود هو ما يُعرف بالسقوط . المعمودية هي عملية دفن و وجود جديد لم يكن آدم الأول و نسله الساقط يعرفه . و في الإفخارستيا ، تتحد مصائرنا و بشريتنا الضعيفة ، أي كما قال نيكولاس كاباسيلاس القديس العظيم ، نتأقنم ، أي نوجد في المسيح ، هذا الوجود فيه نكمل باقي مشوار التأله ، لأن المسيح فيه كانت بداية الخليقة و فيه رأينا القيامة و التجلي ، و هو مصير طبيعتنا ، ها نحن بالإفخارستيا نكمل باقي المشوار.
الشواهد الكتابية و الفكر الآبائي لا حصر له في هذا الموضوع ، أنا أجبت فقط في عجالة لضيق وقتي .

و لإلهنا المجد الدائم

تحياتي
ميناس