يسوع المسيح
الأرشمندريت د. نقولا بعلبكي
لقد انحدر السيد المسيح بدافع محبته ورحمته لإنقاذ الإنسان الساقط، فالله محبة وهذه المحبة لا تتغير، لهذا لم يتردد في الاهتمام بالإنسان ومساعدته، رغم سقوطه، ليبلغ غايته ويتحرر من عبودية الخطيئة والشر والموت، مع احترام كامل للحرية التي وهبها له. لقد كان السقوط بإرادة حرة من الإنسان وبها نفسها يجب أن ينهض ثانية، هذا يحتاج للمعونة الإلهية، لهذا كان التنازل الإلهي بغية الاقتراب من الإنسان الذي انفصل عنه، فصار ابن الله ابناً للإنسان... متخذاً شكلاً مائتاً كي يخلص الإنسان من الموت ويصيره إلهاً بالنعمة.
الإله-الإنسان: لقد صار كلمة الله إنساناً، هو يسوع المسيح. واسم يسوع يعني الله المخلص، أما المسيح فيعني الممسوح، "المسيا". فالرب يسوع لم يكن فقط الإله الذي أظهر في الإنسان حياته الإلهية، كما لم يكن فقط كلمة الله الأزلي الذي أعلن الإسرار الإلهية بلسان بشري، أو المعلم الإلهي الظاهر بهيئة إنسان كامل، بل إنه هكذا إله –إنسان.
الإله الإنسان-المخلص: في يسوع المسيح اتحدت الطبيعة الإلهية بالبشرية كي يشارك الكيان الإنساني الكائن الإلهي، هذا هو هدف الخليقة الأصلي، أن تشارك بالكلمة والروح القدس الفكر والحياة الإلهية. مع تجسد المخلص بلغ الإنسان منزلة رفيعة وصار خليقة جديدة قادرة على هذه المشاركة بشكل واع وشخصي، منذ تلك اللحظة، أصبح الإنسان قادراً على الحياة مع المسيح حياة خاصة باقتباله سر المعمودية، أي أصبح بإمكانه أن يصير هيكلاً للروح وابناً للآب، وقد أُصلحت صورة الله فيه واقترب من بلوغ المثال.
الرسل أمام الإله الإنسان: لقد عرف الرسل في معلمهم المخلص الموعود ومن ثم الإله متجسداً، وقد أوضح الرسول بطرس هذا في اعترافه الشهير: "أنت المسيح ابن الله الحي"، فأجابه يسوع "إن لحماً ودماً لم يكشفا لك هذا بل أبي الذي في السموات" {متى 16:17}، لهذا عاش الرسل معه بفرح لا يوصف، تشهد على هذا الرسائل المختلفة "الذي سمعناه ورأيناه بأعيننا. الذي تأملناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة...نكتب إليكم لكي يكون فرحكم كاملا" {1يو 1:2}، لقد أيقن الرسل أن يسوع هو الإله الصائر إنساناً بعد أن كشف لهم أن الله هو نور ومحبة وأن "فيه لا توجد ظلمة البتة" {1يو 5}.
التعليم الخاطئ عن المسيح: لقد ظهرت بعض التعاليم الغريبة فيما يتعلق بالسيد المسيح مع بداية التاريخ الكنسي ومنها:
1-الدوكيتيون: لقد قال هؤلاء أن السيد المسيح هو إله فقط ظهر بشكل إنسان بشري.
2-آريوس: وقد قال في تعليمه أن الأقنوم الثاني في الثالوث ما هو أكثر من أول وأعظم خلائق الله.
3-نسطوريوس: الذي اعتبر أن ما أنجبته العذراء هو إنسان سكن فيه الله وكأنه ساكن في هيكل، ولهذا لقب السيدة العذراء بوالدة المسيح بدلاً من لقبها العظيم والدة الإله، ففصل بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية في يسوع المسيح، معتبراً إياهما شخصين اجتمعا فيه من أجل عمل مشترك، ومركزاً على الجهود الأخلاقية التي قام بها كإنسان.
4-الأوطوخيون: على عكس نسطوريوس الذي ركز على الطبيعة الإنسانية في المسيح، علم هؤلاء أن الطبيعة الإلهية قد امتصت الطبيعة البشرية فأنقصت من دورها وأهميتها.
إن هذه التعاليم الخاطئة تؤثر على الهدف من التجسد الإلهي وهو الخلاص، فالخلاص يتحقق بالمسيح الذي هو إله تام وإنسان تام، وكل إنسان يتحد مع المسيح بالإيمان وبالإسرار ويحيا معه ينال الخلاص.
لقد حدد المجمع المسكوني الرابع، 451م، الذي عقد في خلقيدونية، هذه العلاقة في المسيح، فأعلن "أن يسوع المسيح هو إله كامل وإنسان كامل، وهو مساوٍ لأبيه بالألوهية ومساوٍ للبشر بالإنسانية، فهو يشاركنا في كل شيء ما عدا الخطيئة، وهو مولود من الآب قبل كل الدهور بألوهيته، ومولود في الزمان من العذراء مريم بإنسانيته، بحيث أن هاتين الطبيعتين قد اتحدتا فيه بدون امتزاج أو تغير أو انقسام أو انفصال، فاحتفظت كل من الطبيعتين بخصائصها مع وجودها في الشخص الواحد والأقنوم الواحد، وهذا يعني أن الإنسانية في المسيح لم تشكل شخصاً بشرياً معزولاً، بل إن ابن الله اتخذ الطبيعة البشرية ليقدسها. ورغم هذا بقيت لهذه الطبيعة إرادتها الخاصة المميزة عن الإرادة الإلهية فيه، لكنها كانت عنده خاضعة بشكل دائم وحر للإرادة الإلهية". وقد ثبت التعليم عن الإرادتين في المجمع المسكوني السادس 680م، جواباً على موحدي الإرادة في المسيح الذين حاولوا تقديم الإرادة الواحدة مع الطبيعتين حلاً وسطاً بين تعليم الكنيسة والمونوفيزيين.
-شواهد على ألوهية السيد المسيح: لقد كان السيد المسيح ذا طبيعة إلهية منذ البدء، وقد أكد هذا بشخصيته المميزة الخاصة، منذ الحمل والولادة وحتى الصلب والدفن والقيامة، وكذلك بتعاليمه الإلهية السامية التي لا تصدر إلا من شخص ذي سلطان، وأيضاً من الشهادات التي أعطاها كالآيات والعجائب مع شهادة الآب والروح، لكن الشهادة الأمضى كانت في موته على الصليب وقيامته المجيدة. وقد أصبح هذا الأمر أشد وضوحاً بعد العنصرة وانحدار الروح القدس، الأمر الذي كان له أبلغ الأثر في مسيرة حياة الرسل بعد ذلك. إن حقيقة الألوهة في المسيح تدرك في القلب المغمور بالروح القدس، لا عبر أمور خارجية وأحداث تحرج الحرية البشرية، نرى هذا واضحاً في جواب بطرس للرب يسوع، عندما طلب من الرسل الاختيار بين البقاء معه أو الارتداد عنه، فقال "يا رب إلى من نذهب، فكلام الحياة الأبدية عندك ونحن قد آمنا وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحي" {يو 67:6}.
القصد الإلهي في حياة المخلص: لقد أوضحت الأحداث الأساسية في حياة يسوع قصد الله الخاص في خلاصنا، فالحمل والولادة مع صورة الأم النقية، تظهر أهمية التواضع والنقاوة، المحبة مرتبطة بالتواضع بشكل وثيق، إن فقر المغارة والمذود في بيت لحم يشير إلى أن الحب الإلهي العظيم لا يتوقف عند أمجاد هذا العالم الفاني، وأن حرية الإنسان هامة عند الله، فهو لا يحاول جذبه بعظمة خارجية سطحية، فالبشارة بالطفل الإلهي المولود أُعطيت للرعاة كما إلى المجوس العظماء، إلى الرعاة لتواضعهم وإلى المجوس لبحثهم الجاد عن الحقيقة، كما كشف هذا السر لسمعان الشيخ وحنة النبية المهتمين بالحالة الروحية للشعب وللإنسانية التي تنتظر المخلص. إن فترة الطفولة والشباب عند الرب غير معروفة تماماً، لكنه بالتأكيد كان يحيا في عائلة عاملة متواضعة مطيعاً لوالديه وذا وعي تام بكل ما يدور حوله، وقد برز هذا واضحاً في السنة الثانية عشرة من عمره وهي تظهر لنا تواضعه الكبير.
يوحنا المعمدان والمعمودية: لقد كانت الملائكة والأنبياء في العهد القديم أدوات الوحي الإلهي تفسر الأحداث التي تخص خلاصنا، وكان النبي يوحنا خاتمة هذه الفترة وإشارة استعداد الإنسانية لاستقبال المخلص. فمعمودية الرب كانت كشفاً للثالوث الأقدس الذي أُعلن بها للعالم للمرة الأولى وصار الاسم الآخر للعيد "ظهوراً". إن معمودية يسوع هي تكريس لمهمته وتصوير سابق لمعموديتنا باسم الآب والابن والروح القدس.
تجربة يسوع: إن التجربة التي تعرض لها الرب يسوع تظهره آدماً جديداً ومنتصراً في الموقع الذي هزم فيه آدم الأول، فقصة هذه التجربة هي تكميل لما حدث مع الأشخاص الأولين "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله". فمن الضروري إخضاع كل ما هو مادي للروح. إن الرب، مع رفضه اجتراح العجائب لينقذ نفسه من الجوع المهلك، يقدم الغذاء لأولئك الذين يفتشون عن كلمته في الصحراء، مؤكدا أن آدم وحواء لم يقضيا على الجوع رغم تذوقهما الثمر المحرم في الفردوس. فالخطيئة هي عطش للوهم والسراب، وهي لا تلبي حاجة في طبيعتنا الحقيقية بل تغتصب حاجتنا وشوقنا لله.
أقوال يسوع: "لا تجرب الرب إلهك"، جواب يسوع وتحذير من الاعتماد على المواهب العلوية في سبيل منافع شخصية، وهي رغبة الجدين الأولين بعد تزيين من إبليس "ستصيران آلهة". إن الخطيئة تعني ضياع الحرية الروحية، ومحبة العالم تعني سقوطها، وهو ما تؤكده التجربة الثالثة في أن الملك الأرضي يتوافق مع تنازلات شخصية، ولهذا السبب أوضح السيد موقفه "للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد".

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات