رجاء وحدة المسيحيين في جولة أوروبية بـ Chevetogne و Bose..


بقلم: المطران جورج خضر



منذ صباي أحلم بالحج الى هذا الدير البنديكتي في قرية Chevetogne في بلجيكا المتخصص بدراسة الكنيسة الارثوذكسية وهو على تصميم واضح ان يحترم بقاء الارثوذكسيين في كنيستهم. درس من أجل المعرفة التي تقود الى المحبة والتزام المحبة التي تقود الى المعرفة. الدير معروف بمجلته التي تتابع بخاصة القضايا اللاهوتية للشرق المسيحي وهي مفتوحة لعلماء الكنائس المختلفة وقد نأى هؤلاء من زمن طويل عن السجال وانت تبحث في شؤون كنيسة اخرى بكل موضوعية وحب.
كل الرهبان لاتين معظمهم اوروبي ووجهتهم الشرق. لذلك رأوا ان ينقسموا الى مجموعة تتبع الطقوس اللاتينية ومجموعة اخرى تؤدي الطقس البيزنطي وذلك في كنيستين مختلفتين اذ لا بدّ من هذه الثنائية المعمارية لكي يأتي الفن المعماري مناسباً للعبادات.
كان من الطبيعي عندهم ان ألازم الخدم الإلهية في الكنيسة البيزنطية وشهادتي وفرحي كانا في انهم يتقنونها من كل جانب كما تقام في موسكو بلا اي انحراف او ضعف في الاداء. لغة الصلاة هي السلافيانية التي هي أصل اللغات السلافية. يستخدمها كل الشعوب الارثوذكسية التي اشتقت لغاتها من هذا الأصل اللغوي القديم. تلاوات الكتاب المقدس بالفرنسية. اما الترتيل فسلافياني وذلك بلا لكنة اطلاقاً.
الكنيسة مزينة بالأيقونات على اختلاف المدارس التي انشأتها. وما يدهشك بخاصة الحركات الليتورجية المختلفة متناغمة واللباس والبخور والسجدات بحيث يستحيل عليك ان تعرف الهوية المذهبية لهذه الكنيسة ان كنت من العالمين.
يحضر الى هذا المكان مؤمنون كاثوليكيون من بلجيكا وهولندا في الأعياد وبعض الآحاد. ويدهشك ان يتحمل الكاثوليكي الغربي صلوات طالت في عيد رفع الصليب (14 أيلول) اربع ساعات في الليل ما عدا القداس في اليوم التالي. ولا شك عندي انهم لا يفهمون اللغة السلافية لكنهم يسعون الى الجو الروحي الذي يتجاوز الكلمات.
كان شعوري وشعور بعض الحجاج ان هذه العبادات كانت منتشرَاً للملكوت او استهلالاً للملكوت. هل من فرق جوهري بين اطلالات الملكوت هنا واكتماله فوق؟ هنا في وسط الصلاة تحس بالقربى الكبيرة بين مسيحي شرقي ومسيحي غربي. بطريقة ما غير مدركة عقلياً تلمس ان الذي ينزل الى أعماق الصلاة الأرثوذكسية يلتقط فيها عمقاً لاهوتياً يؤنسه التقابل العقلي بين المذاهب. ليس كل شيء في معرفتها. أنت تذوق بفضل هذه الممارسة ان هذا الراهب الكاثوليكي الأوروبي دنا منك دنواً كبيراً وينبسط هذا في حديثه كما انبسط في عبادته.
الى هذا البناء العبادي الفريد في جماله عندك بناء آخر وهو البساطة أول جانب منها الاقرار بضرورة الاستزادة من العلم في مكتبة ضخمة بكتبها المرتبطة، بخاصة، بتذوق الشرق الارثوذكسي.
وكان الاقرب الى نفسي في فضيلة البساطة ان العلماء ومن كان دونهم علماً يقومون جميعاً بالعمل اليدوي من تقديم الطعام على الموائد وأعمال التنظيف. الكل خادم والكل يسعى الى المعرفة ما استطاع والجميع يرتلون وأهم من ذلك كله تساوي الافراد في الفقر واكرام الضيف والتسابق في الإكرام كما يقول الرسول.
هذه أشياء هي مداخلهم الى الله ونوعية عيشها عطاء من الله. عندما تعايش هؤلاء الاخوة بضعة ايام تلحظ ان الكنيسة تتروحن بهم وبأمثالهم. ليس انهم بالضرورة الأقدس. فالقداسة ليست حكراً على أحد. ولكن ما يؤثر فيك ان ثمة من عاهد الله على ان يكون له فقط. انا لا أنزه احداً في الدنيا كائناً ما كان مقامه عن الضعف البشري. نحن من تراب. ولكن يجذبني الشهيد الحي الذي قدم نفسه وجسده او صمم ان يقدمهما في ذبيحة حيّة وان ينقطع او يصمم ان ينقطع عن الملذّات الشرعية في هذه الدنيا ليكون كامل الانصراف الى تحقيق الملكوت في كيانه ويرجو التحقيق الكامل للملكوت بعد القيامة.
أحزن ان انكسرت الرهبانية في كبير او صغير فلا بد ان تلتصق الترابية بنا ولكن ان تسطع القداسة في بعض حتى أؤمن بواقعيتها فهذا يساعدني على أن أتغلب على ضعفاتي وأبقى على الرجاء.


بعد هذا انتهينا الى دير Bose في شمال ايطاليا، عند سفح جبال الألب فيه رجال ونساء يشتركون في الصلوات والخدمة، في الزراعة، في رسم الأيقونات البيزنطية على أكمل وجه، في الفرح. دير كبير بأجنحة مختلفة تحوطه البساتين ووسط الكل كنيسة أبدعت طقوساً يرتفع فيها الانشاد باللغة الايطالية. المجموعة كاثوليكية تتقبل اعضاء من كنائس أخرى لا ينفكّون عن مذاهبهم وتجمعهم حياة قائمة على المزامير وتلاوة الكتاب وأناشيد هم ألفوها وتستلهم الكتاب بحيث يحس كل المشتركين بعمق مسيحي واحد. الشركة كما يسمون أنفسهم مرتبطة بالأسقف المحلي تستقبل مؤمنين يطلبون الخلوة في هذا المكان الفردوسي الذي يتعاطى فيه البعض اللاهوت والترجمة وكل هذه المعرفة تتغذى من ينابيع الروحانية المسيحية الشرقية مأخوذة من السريانية واليونانية والانتاج الارثوذكسي الحديث بحيث يتروض عندهم من شاء على التراث الأصيل الذي يعطى بعلم ومحبة.
وتقيم الجماعة مؤتمرات لدرس الكنيسة القديمة اليونانية اللغة والكنيسة الروسية وذلك منذ خمس عشرة سنة يحضرها علماء من الكنائس كلها، مؤتمرات تباركها القسطنطينية وموسكو. والغرب علم لا انحياز فيه الآن وليس من محاولة لاقتلاع احد عن عقيدته اذ المعرفة العليا لا تحزب فيها فتكون مكان لقاء للقلوب والعقول.
المؤتمر الأخير دار بين الـ16 والـ19 من أيلول على "المسيح المتجلي في التقليد الروحاني الأرثوذكسي" تناول المجتمعون حادثة التجلي، في مجالات التفسير الكتابي للحادثة الانجيليّة، في الليتورجية والايقونوغرافيا البيزنطية والوعظ في بيزنطية وروسيا. وتكلم الدكتور رامي ونوس اللبناني البلمندي عن التجلي عند القديس يوحنا الدمشقي وتحدث غير واحد عن التجلي في الغرب وعند سمعان اللاهوتي الحديث وعن رؤية النور الإلهي عند غريغوريوس بالاماس وجبل آثوس وعند الكتّاب الروسيين وخصص اليوم الأخير للروحانيين الأرثوذكس المعاصرين. وكان مسك الختام الحديث عن معنى التجلي في العالم الحاضر.
تعلم كل منا من الآخر وصلينا معاً واهتدى كل منا الى ربه على ضوء هذا الكلام. وحدة عميقة ربطت في الدعاء والتأمّل الفكري بين أساقفة أرثوذكسيين ورهبان غربيين وعلمانيين من الكنيستين ولو دخل مراقب ليفحص الفكرين ما كان ليجد بينهما فرقاً ولم يأت احد على ذكر الفروق.
جولة على هذين الديرين البلجيكي والايطالي كانت زاداً سماوياً لكل الحاضرين. صلاة بلا فكر لا تكفي وفكر بلا صلاة عقيم وتشددت الوحدة بشهادة الرهبان للرب في ضيافة القلوب للقلوب.
-------------------------------
نقلا" عن مجلة النهار