حقوق الطفل
د. جوزيف زيتون
أمين الوثائق البطريركية


من أهم المنظمات التي تصدت لرعاية الطفولة والجيل هي الحركة الكشفية التي تعود بجذورها إلى أواخر القرن التاسع عشر والتي اعتمدت الألعاب والقوة والعبادة والأخلاق لتنشئ جيلاً سليماً في عالم غير سليم. كان هذا قبل أن تؤسس عصبة الأمم عام 1918، وقبل أن تبرز شرعية الأمم المتحدة عام 1944 وقبل أن يبرز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948.
ونظراً للمفاهيم الجديدة التي بدأت تظهر في العالم الكبير الصغير، الذي اصطلح عليه الآن بالقرية الصغيرة، ونظراً لمفاهيم العولمة ولمفهوم «الغاية تبرر الواسطة» فقد شعرت دول العالم من خلال الأمم المتحدة بضرورة سن إعلان عالمي يؤدي إلى اتفاقية حقوق الطفل وإشهارها. كان هذا عندما اجتمع رؤساء وممثلون عن رؤساء ودول العالم، ومنهم القطر العربي السوري، في نيويورك في 30 أيلول 1990 في القمة العالمية من أجل الطفل وأعلنوا عما سُمّي «الإعلان العالمي لحقوق الطفل».
قال المجتمعون في نيويورك:
1. لقد اجتمعنا في مؤتمر القمة العالمي من أجل الطفل لإعلان التزامنا المشترك حيال الأطفال ولتوجيه نداء عالمي عاجل بهدف ضمان مستقبل أفضل لهم.
2. إن الأطفال أبرياء وضعفاء، يعتمدون على غيرهم، وهم أيضاً محبون للاستطلاع نشطاء مفعمون بالأمل، فمن حقهم علينا أن نوفر لهم وسائل التمتع بأوقاتهم في جو من المرح والتعاون، وأن نساعدهم على النضج من خلال توسيع مداركهم وإكسابهم خبرات جديدة.
3. إلا أن واقع الطفولة مختلف كل الاختلاف بالنسبة لكثير من الأطفال.
4. يتعرض عدد لا يحصى من الأطفال في مختلف أنحاء العالم يومياً إلى مخاطر تعيق نماءهم وتطوير قدراتهم وتشتد معاناتهم بسبب الحروب وأعمال العنف، مما يؤدي إلى التشرد والنزوح.
5. في كل يوم يعاني ملايين الأطفال من ويلات الفقر والأزمات الاقتصادية ومن الجوع والتشرد ومن الأوبئة والأمية... وبالأخص في البلدان الأقل نمواً.
6. في كل يوم يموت أربعون ألف طفل من جراء سوء التغذية والمرض بما في ذلك ضحايا الإيدز وشح المياه النظيفة ونقص المرافق الصحية ومشكلة المخدرات.
لقد شاركت سورية في مؤتمر القمة العالمي من أجل الطفل بممثل عن رئاسة الجمهورية.
نبذة عن تاريخ هذه الاتفاقية:
في عام 1979 بدأ فريق العمل، الذي شكلته مفوضية حقوق الإنسان، بوضع اتفاقية دولية لحقوق الطفل. وخلال السنوات العشرة التي استغرقها إعداد الاتفاقية، تعاون فريق العمل مع المنظمات غير الحكومية التي لعبت دوراً بارزاً من خلال خبراتها العملية لتأتي اتفاقية حقوق الطفل قريبة من الواقع وقابلة للتنفيذ.
وبالمقابل كان للأطفال أيضاً ولو بشكل غير مباشر دور في النقاشات التي تمت أثناء إعداد الاتفاقية من خلال اجتماعات دورية أعدتها لهم المنظمات غير الحكومية في مختلف أنحاء العالم لاستخراج آرائهم في المواد المقترحة.
في 20 تشرين الثاني من العام 1989، أقرت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة بالإجماع اتفاقية حقوق الطفل، وبهذا الإجماع حول حقوق الطفل التي طالما انتهكها الراشدون، أصبحت الإشكالية أكثر تعقيداً إذ أصبح الراشد في وقت واحد منتهكاً ومطالباً ومدافعاً عن حقوق الطفل فيما الطفل متفرج ينتظر الحلول لا حول له ولا قوة.
وبوجه عام تستند الاتفاقية إلى أربعة مبادئ أساسية تشكل فلسفتها العامة وهي ترد في متنها بشكل عفوي دون أي إشارة إلى أنها مبادئ عامة أو عناصر رئيسية لحقوق الطفل، والفضل في إبرازها كمبادئ أساسية يعود إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل التي درست، في أيلول وتشرين أول 1991، المفهوم الحقيقي لحقوق الطفل من خلال مبادئ أربعة هي:
عدم التمييز (المادة 2)، مصلحة الطفل الفضلى (المادة 3)، حق الطفل في البقاء والنماء (المادة 6)، وحق الطفل في المشاركة (المادة 12).
وقد عرفت المادة الأولى الطفل: بأنه كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه.
أما المادة الثانية: فأقرت احترام الدول الأطراف لحقوق الطفل ضد التمييز سواء بالجنس أو اللون أو الدين أو المعتقد.
بينما المادة الثالثة: ركزت على ما يضمن مصلحة الطفل الفضلى وذلك من خلال مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة أو المحاكم...
كما يجب أن يُنص في تشريعات الدول وفي أنظمتها التنفيذية والإدارية على ضمان الحماية والرعاية اللازمتين لرفاه الطفل.
نادت المادة الخامسة: بحق الطفل في البقاء والنماء.
وجاءت المادة /12/ لتنوه بحق الطفل بالمشاركة والتعبير عن آرائه الخاصة بحرية وبجميع الوسائل التي تساعده وفقاً لسنه ونضجه، ومنها حقه بتوفير فرص الاستماع إليه في إجراءات قضائية أو إدارية تمسه.
وجاء في المادة /13/ نص عن حرية التعبير، ولكن مع بعض القيود التي يشترط أن يكون منصوص عنها في القانون، مثل احترام حقوق الغير وسمعتهم حماية الأمن الوطني والنظام العام والصحة العامة والآداب العامة.
يمكن أن نقسم محتوى اتفاقية حقوق الطفل التي كرسها الإعلان العالمي لحقوق الطفل إلى جزأين اثنين.
يتعلق الجزء الأول بالمواد المتعلقة بحقوق الطفل وبالتدابير الواجب اتخاذها لتفعيل هذه الحقوق وهي تشمل مختلف أنواع حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذه المواد لم تصنف حسب أهميتها، بل هي تشكل، مجتمعة، وحدة متكاملة من الحقوق الدنيا لمستوى التعامل مع الأطفال في أية دولة مصادقة على الاتفاقية.
وقد صنفت على الشكل التالي:
ـ الإجراءات العامة الخاصة بالتطبيق.
ـ تعريف الطفل.
ـ المبادئ العامة.
ـ الحقوق المدنية والحريات.
ـ البيئة الأسرية والرعاية البديلة.
ـ الصحة الأساسية والرعاية.
ـ التربية والترويح والأنشطة الثقافية.
ـ إجراءات الحماية الخاصة وتتضمن: الأطفال اللاجئون ـ النزاعات المسلحة ـ قضاء الأحداث والتجريد من الحرية ـ الاستغلال ـ الأقليات والجماعات الأصلية.
أما الجزء الثاني من الاتفاقية فيشمل مواداً تتعلق بلجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل وبآلية رفع التقارير إلى هذه اللجنة من الدول المصادقة على الاتفاقية.
بهذا تعد اتفاقية حقوق الطفل وثيقة دولية تحدد معايير دنيا لحقوق الطفل المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وهي تلزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير المناسبة كافة لضمان تطبيق المبادئ المنصوص عليها وبمتابعة تنفيذ الموجبات ورفع التقارير إلى هذه اللجنة التي تكون فرصة لإعادة النظر بالقوانين المحلية والسياسات المتبعة لتحويل حقوق الطفل إلى واقع فعلي، ويتم ذلك من خلال المشاركة البناءة شعبياً من أجل سياسات الحكومة المتعلقة بالطفولة.
في الواقع إن استمرار انتهاكات حقوق الطفل خاصة وحقوق الإنسان عامة بما في ذلك حق المرأة من خلال ممارسات التمييز، على الرغم من إقرار الاتفاقيات الدولية المانعة لجميع أشكال التمييز، يؤكد وجود خلل في استيعاب مفهوم حقوق الطفل ويحول دون الفاعلية الكاملة وقدرة الاتفاقيات الدولية على تحقيق التغيير الجذري الفعلي في أوضاع الطفل وفي عملية تفعيل حقوقه.
لا يزال عدد كبير من أطفال العالم يشكلون سلعة رائجة في حقول المهن الخطرة على حياتهم وعلى نموهم، وفي أسواق النخاسة والدعارة وترويجها، وفي قتلهم للحصول على أعضائهم البشرية بهدف الاتجار بها لمصلحة أطفال الأغنياء في العالم.
ولا تزال الحروب تحصد أكبر عدد من الأطفال سواء المهجرين منهم أو المجندين للقتال كما يحصل في إفريقيا وأفغانستان...
ولكن شعلة الطفولة تبقى وهاجة وخاصة في كفاح الشعوب لتقرير مصيرها كما هو واقع الطفولة الشهيدة في العراق وفلسطين التي روت تربتها الطاهرة بدماء آلاف الأطفال والشهداء والجرحى.
النشرة العدد الرابع 2004