الهدوئية والقديس غريغوريوس بالاماس وبرلعام كالابريا[1]
يمكن اختصار أوجه الخلاف بين برلعام والهدوئيين وفي مقدمتهم بالاماس بما يلي:
- الصلاة.
- معرفة الله والنور الإلهي.
وسنأتي بالتتابع على آراء برلعام وعلى رد القديس بالاماس عليها.
الصلاة
لقد انتقد برلعام الصلاة التي كان الهدوئيون يعتبرونها عبادة روحية دأبوا عليها غير مهتمين بشيء آخر ومترفعين عن قبول أي كرامة. وقال برلعام إن النعمة الروحية التي تملأ القلب عند الصلاة الهدوئية ليست سوى تخيّل. ويرد بالاماس بأن كل الذين هم أهل للصلاة الروحية يعلمون أن هذه النعمة ليست صورة من فعل التخيل بل هي ينبوع فرح مقدس تجتذبُ الذهنَ إليها وتحرره من التصورات المادية بأشكالها المتعددة ومن كل ما ينجم عنها في أفكارنا من ملذات الجسد التي تبدو لنا مستحبة فتشدنا إلى أسفل. والفرح الروحي الذي يغمر النفس يفعل فعله في الجسد فلا يُفْسدهُ بل يحوله إلى جسد روحي يطرح عنه الشهوات الرديئة ويصبح الإنسان كله روحاً إذ أنه قد ولد من الروح وهذا كله يلمسه الهدوئي في صلاته بالخبرة. ولابد من التنويه بأن الإنسان بروحه وجسده يشكل وحدة متكاملة. وجسد الإنسان ليس بالضرورة عدواً لروحه فهو شريك لها. الرب يسوع المسيح أعاد للجسد قدسيته. فإذا كان الهدوئيون يعتبرون أن لوضعية الجسد أهمية مثل أهمية التركيز الفكري فهم بذلك لا يخطئون خطأ مادياً بل يبقون أمناء لعقيدة الإنجيل التي تعتبر الإنسان وحدة كاملة من روح وجسد. المسيح تجسد لكي ينقذ الجسد وروح الإنسان. وإذا كان برلعام لا يستحب أعمال الجسد ولا يقبل الحالات الروحية البادية على الجسد فإن بالاماس يردّ قائلاً: "إذا كان الأمر كذلك فليرجع برلعام إلى المزمور 2:83 الذي جاء فيه: "قلبي وجسمي ابتهجا بالإله الحي"؛ أو إلى المزمور 7:27 الذي قال فيه داود النبي: "وبه استجار قلبي فاستجارني لذلك ارتاح جسدي"؛ وأيضاً إلى المزمور 103:118 "ما أعذب كلماتك في حلقي فهي أحلى من العسل لفمي". ولعل القديس ذيادوخس أوضح أكثر من ذلك إذ قال: "وهذا الحس لا يمكن أن يعرفه غير الذين يزهدون في خيرات هذه الحياة على رجاء الخيرات المستقبلية وفي هؤلاء فقط يتحرك الذهن بكامل قدرته بفضل انسلاخه نحو تلك الخيرات المستقبلية ويصبح قادراً على الإحساس بالصلاح الإلهي على منوال لا يوصف ومن ثم ينقل فرحه إلى هذا الجسد بمقدار تقدمه".
ـ برلعام: لا يجب أن يكون عربون الدهر الآتي ذا مصدر إلهي ولا أن يكون مرتبطاً بالصلاة القلبية. والتغيرات الحاصلة في الجسد بفعل قوة الروح لا تصدر عن الله لأنه أفضل للنفس أن تكون فوق الحواس وقت الصلاة من أن تعمل بمقتضى الحواس بأي شكل كان ... فإذا لم تكن هذه التغيرات الأكمل – إذ تفوقها حالة أسمى – ولما كانت عطايا الله هي الأكمل فهي إذاً لا تصدر عن الله.
ـ بالاماس: لقد قال بولس الرسول في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس (22:1) إن الله يوزع مواهبه المتعددة على المؤمنين. فمنهم من حصل على عطية التكلم بالألسنة ومنهم من منحه عطية التنبؤ أو الشفاء إلخ ... وإذا كانت المحبة هي أفضل العطايا فهل ستكون وحدها، ودون سواها، عطية الله؟ ويعقوب أخو الرب قال في رسالته (17:1) "كل عطية كاملة هي منحدرة من الله". ولم يقل هي الأكمل. لذلك فاعتراض برلعام غير منطقي ولا يستند على أساس.
ويعترض برلعام معتمداً على وصية القديس ديونيسيوس لتلميذه تيموثيوس إذ قال: "حين تَعْكِفُ كلياً على المعاينات المستيكية أو الصوفية الروحانية فدع الحواس والنشاطات العقلية وكل الحسّيات والمعقولات وامتد قدر الإمكان نحو الاتحاد بما يتجاوز كل جوهر وكل معرفة". ويقول: إذاً إن هذا يؤكد مفهومه بأن هذه النشاطات العقلية والحسّيات والمعقولات تُبطلُ الصلاة كلياً".
ـ بالاماس: يا أيها الفيلسوف، ألم يقل داود: "القلب المتخشع المتواضع لا يرذله الله" ؟ إن الصلاة المقرونة بالدموع ونخس القلب تجتاح الذهن في صمته عند انشغاله بالله. وقد قال معلمك ذيادوخس: "الصلاة هي أم أفكار حكيمة جداً وصلاة الكاملين هي النشاط العقلي بالذات". لذلك فلا مجال للقول مثلك أن النشاطات العقلية تبطل الصلاة القلبية".
إن المفهوم الغالب في الروحانية الرهبانية الأرثوذكسية يتلخص في أن الإنسان هو كلٌّ واحدٌ روحاً وجسداً، نفساً وجسداً، فيزيائي وغير متجزئ. والجسد يشارك في كل حركة من حركات النفس سواء أكانت شعوراً أم فكرة مجردة أو إرادة. والقلب هو الجزء المدبّر الذي يتسلط على الجسد بالارتباط مع الرئتين اللتين تتنفسان. إن هدف صلاة الرهبان القلبية المتواصلة هو إظهار خميرة النعمة التي يمتلكها المؤمنون في ذواتهم منذ العماد وتهيء لديهم مجيء الملكوت. ومكان هذه النعمة بامتياز هو القلب سيد البنية الجسدية وملكها وفيه يكمن الحس المرهف والذكاء. وإذا كان برلعام يهزأ من الوضع الجسدي في أثناء الصلاة فإن الوضع الجسدي هو الذي يقود إلى الصلاة. ويدّعي برلعام أن النور الذي يتراءى للقديسين في أثناء الصلاة هو نور حسي. ويرد بالاماس أنه ليس نوراً حسياً فهو نور معقول وليس رمزياً. إنه بهاء إلهي لا هيولي غير مادي. ويضيف، مثل آباء الكنيسة: "إن لكل إنسان حدقتين، الواحدة منها ترى أسرار الطبيعة أي قوة الله وحكمته وعنايته وأما بالأخرى فيعاين مجد طبيعة الله المقدسة. وحين يرتضي الله إدخالنا إلى الأسرار الروحية نعاين النور المقدس".
معرفة الله والنور الإلهي
يعتقد برلعام أن الكنز الأكبر الذي اقتناه كان نتيجة ثقافته الهلّينيّة الدنيوية. وهذه الثقافة هي عطية من الله وُهِبتْ للأنبياء والرسل. والفلسفة كالصحة الجيدة هي عطية من الله مجانية للرجال الإلهيين ونحن نأخذها منهم.
ـ بالاماس: إن الحكمة الناجمة عن العلوم الدنيوية والصحة التي يؤمنها الأطباء تختلف عن حكمة الله اختلاف الأنبياء عن الهلّينيّن أو اختلاف تلاميذ المسيح عن هيبوقراطس. والقول بأن هذه الأمور مماثلة يعني القول بأن الشمس تشابه بصبوص الليل ما دام الاثنان يبديان نورهما عبر الهواء.
ـ برلعام: إن أعظم المعاينين لا يعرفون الله إلا من خلال الكائنات والمعرفة الناشئة عن الكائنات ليست معرفة الله المتصلة بنا عن طريق نور عقلي.
ـ بالاماس: الله لا يدع نفسه يُعرف من خلال ما هو موجود فحسب بل أيضاً من خلال ما ليس موجوداً بالتسامي ويعني غير المخلوقات. وأيضاً من خلال نور أزلي يتجاوز الكائنات يُسَلَّم لمن هم أهل له. وهذه المعاينة هي إذاً، بالضرورة، حقيقيةٌ والله هو ينبوع النور.
ـ برلعام: الفيلسوف الكامل هو من يعرف كل شيء.
ـ بالاماس: الفيلسوف الحقيقي والإنسان الكامل هو الذي يبحث عن مشيئة الله ويعيش بموجبها.
وأمام مهاجمة برلعام الهدوئيين لأنهم يكرمون الصلاة فوق كل شيء، قال بالاماس: "إن الصلاة تمهد للإنسان طريقة إعادة علاقته الصحيحة مع الله. وإذا كان برلعام يجاهر بالفكر ليصل إلى الله إلا أنه لن يعرف الله بالفكر فالعقل ليس إطلاقاً القاعدة الأخيرة للحياة. القلب هو المركز المطلق للكائن البشري؛ ومعرفة الله لا تأتي من الفكر فقط بل من الإنسان بأكمله أي من القلب. وسبيل هذا هو الصلاة الهادئة.
ـ برلعام: المعرفة الناجمة عن الثقافة الدنيوية هي هبة روحية.
ـ بالاماس: بل إنها هبة الطبيعة التي أنعم الله علينا بها. وإنه إن كنا قادرين على تنميتها بالتدريب فهذا يدل على أنها هبة طبيعية لا روحية بينما الحكمة الإلهية تكون كاملة ويهبها الله بواسطة الروح القدس. وأكثر من ذلك فإن حكمة الله أبدية بينما حكمة الحكماء وألوانها قد تصل إلى بعضٍ من أوجه الحقيقة في زمن معين، إلا أنّ مفاهيمها قد تتبدل بظهور أنوارٍ جديدةٍ. لذا فإن الحكمة الدنيوية، فيما تحويه، قابلة للتطور وإن ما تحويه هذه الحكمة قابل للنقاش بينما لا يستطيع أحد مقاومة وتغيير حكمة الله التي تبدي الحقيقة الخالصة. وهل نستطيع أن نُقْبِلَ بالعلوم الدنيوية إلى معرفة الكائنات التي حبا الله بها الأنبياء والمرسلين؟ فالفيلسوف لم يقو على أن يرى أن الشفاء والحكمة الآتيين من الله يخصان النفس بينما الاكتشافات البشرية لا توجه عنايتها البسيطة إلا للجسد وحده ثم تبطل عندما يبيد الموت موضوع اهتمامها.
ـ برلعام: إن التنقية من الأهواء وحدها لا تكفي لمعاينة الحقيقة إذ أن "اللاهوى" لا يشفي النفس من الجهل العقلي ولا يقدر على إفادة النفس في معاينة الأمور المعقولة إذا ما بقيت في الجهل العقلي الذي يصور ظلمات النفس بالذات. وعلى الفيلسوف إذاً أن يتوخى طيلة حياته تنقية النفس من الاعتقادات الخاطئة فالإنسان يحتاج إلى التنقية من الجهل العقلي وحفظ الوصايا لا ينقّي إلا من الأهواء. أما التنقية من الجهل يؤتى بها بالدرس لا بدرس الأسفار الإلهية. وإذا أردنا أن نتنقّى علينا أن نفتِّش عن جميع الذين يزعمون معرفة شيء ما. وليس المهم أن يكونوا ممن يجلّون الله أم لا ... ودرس العلوم هو الذي يخلّص وينقي ويكمل.
ـ بالاماس: إن جميع سليمي العقول يدركون أن هذا التفكير يتعارض مع فكر جميع الآباء وفكر إله الآباء. ألم يقل ديونيسيوس الاريوباجي: "تمثُّلُ الله والاتحاد به يتمان فقط حسب تعليم الكتب الإلهية بمحبة الوصايا الكلي جلالها وبممارستها. والإنسان الكامل هو الذي يجعل نفسه مماثلاً لله قدر استطاعته". إن السعي وراء الحقيقة التي تفوقنا يزيدنا تلهفاً للعلم ويثير في النفوس الشرهة للمعرفة رغبةً لا تستطيع إشباعها ويثير لديها رغبة المساواة مع الله. وهذا لا يقبل به كل من يؤمن بأن الطريق إلى الحقائق الإلهية ليس سوى الكتاب الإلهي والوصايا الإلهية. وهل اكتشف الهلّينيّون وعلماؤهم أسباب الخلود وكمال النفس؟
ـ برلعام: إن وصايا الله من دون العلوم لا تستطيع أن تنقي الإنسان وتجعله كاملاً.
ـ بالاماس: إن ثقافة الهلّينيّن تَمُتُّ فعلاً إلى نطاق الحقيقة بصلة. لكن الغبطة الحقيقية تبقى فاعلة في غياب هذا القسم من الحقيقة لأن ثقافة الهلّينيّن قابلة للنقاش حول حقيقة ما وصلت إليه وهي إذاً تعود إلى وجه واحد وهدف واحد وهو وجه الحكمة الموهوبة من الله والتي لا تزول مع الدهر الحاضر والهلّينيّون لم يصلوا إلى هذه النهاية .
ـ برلعام: الإنسان الكامل والفيلسوف، الإنسان النقي، هو الذي يعرف كل شيء.
ـ بالاماس: الله وحده هو الذي يعرف كل شيء. أما العلوم الطبيعية والمواد الأرسطية فغير كاملة وتصور الجهل أكثر مما تصور الكمال.
ـ برلعام: الثقافة الدنيوية تقود إلى الخلاص.
ـ بالاماس: لقد جعل الله حكمة العالم جهالة فكيف تؤدي إلى الخلاص؟ وعطايا الله المجانية هي طبيعية وهي ممنوحة للجميع بلا فرق. وإحدى عطايا الله الفلسفة والعلوم أي اكتشافات العقل البشري ولكن هذه ليست كل عطايا الله فهي لا تؤدي إلى الإيمان الكامل ولا إلى الفضيلة الكاملة وكثيرون من المتميزين في الفضيلة ليسوا علماء ولا فلاسفة.
ـ برلعام: إن الإنسان البشري يستطيع اكتشاف الحقيقة بالتمييزات والاستدلالات والتحليلات.
ـ بالاماس: لا يمكن للإنسان أن يصل إلى كمال الحقيقة عن طريق الاستدلال. فالله يكشف لنا المعرفة الكاملة بواسطة الروح التي تفحص كل شيء حتى أعماق الله (2كو9-10).
مسلّمتا برلعام
يرتكز برلعام على مسلّمتين اثنتين اختارهما من الفلسفة اليونانية. الأولى مسلّمة أرسطو القائلة بأن كل معرفة، كذلك معرفة الله، أصلها في إدراك الحواس، خبرة الحواس. الثانية مسلّمة أفلاطونية محدثة مرتكزة على بعض المؤلفين المسيحيين وخاصة على ديونيسيوس المنتحل. وتقول هذه المسلّمة بأن الله بعيد المنال عن التجربة الحسية وبالتالي فهو غير مدرك. ويستنتج برلعام من ذلك أن معرفة الله لن تكون إلا غير مباشرة إذ أنها تعبُر دوماً "بالكائنات" الممكن إدراكها بالحواس ولذلك فإن المعرفة التصوّفية نفسها لا يمكن أن تكون حقيقية إلا رمزياً والذين ليس لهم معارف علمية هم جهال فليتركوا الانجيل وليعكفوا على الدراسات الهلّينيّة ويبتعدوا ساخرين عمّن قال: "إذا كنا في المسيح فنحن كاملون". ومنطق بالاماس حين يقول باستعلاء النعمة على الطبيعة هو منطق ناقص. وفي مطلق الأحوال لا يمكن للجسد البشري أن يكون إناءً للنعمة.
جواب القديس على هذا أن برلعام عبّر عن نوع من القيمة للفلسفة القديمة ولكن على المستوى الطبيعي فقط. لكن، من هنا إلى أن نقبل فكرته بأن الطبيعة تستبعد كل تدخل مباشر للروح في مجال معرفة الله فإن المسافة طويلة بل ومستحيلة فعطايا الله مُنحتْ للناس قبل الشريعة وفي الشريعة وبعد الشريعة. والبعض الآخر منها فائق للطبيعة روحاني. ثم، إن معرفة الله لا يمكن أن ترتكز على محاولات الفلاسفة لإثباتها. فمعرفة الله نعمة يسبغها الله على الإنسان الذي بهذه النعمة يتدرج في التأله الإلهي ومعرفة الله. واعتبار الجسد إناء للنعمة هو أمر طبيعي بدليل أن المسيح اتخذ جسداً في بطن العذراء مريم بقوة إلهية عجائبية وأسس كنيسة مرئية على الأرض تكون نعمة الأسرار فيها قادرة وملزمة أن تقدس الإنسان. فالمسيح تجسّد لكي يتأله الإنسان. إن ما يميز الله عن الكائنات هو أنه غير مخلوق بينما الوضع الخاص للكائنات هو الطبيعة المخلوقة. والنعمة التي يمنحها الله هي الحياة الإلهية غير المخلوقة، وهي التأله. إذاً معرفة الله بالنعمة ليست معرفة تفترض بالضرورة نوعاً من الخارجية بين الشخص العارف والشيء المعروف فقط بل هي وحدة في النور غير المخلوق، وحدة لا تمنع التمايز. والإنسان لا يملك القدرة على أن يرى الله. وإذا كان هناك من رؤيا فذلك لأن الله في قواه يتحد بالإنسان ويجعله مشاركاً في المعرفة الإلهية بفعل الروح القدس. ورؤية الله لا تعني رؤية الجوهر الإلهي لان الله فائق الجوهر ولا مجال لمماثلته مع أي تصور مخلوق وبشكل خاص مع التصور النسكي للجوهر. والله لما كلّم موسى لم يقل أنا الجوهر بل قال: أنا الذي أكون (خر14:3). ويجب بالتالي التمييز بين العمل الإلهي الكاشف والجوهر غير المدرك.
ـ برلعام: كيف يستطيع الإنسان أن يرى جوهر الله بعيني جسده؟ فالنور الذي يدّعي الهدوئيون رؤيته ليس نور الله الأبدي بل هو نور مخلوق مؤقت.
ـ بالاماس: إن بوسع الهدوئيين أن يروا النور الإلهي غير المخلوق تماماً كما شاهده التلاميذ الثلاثة على جبل ثابور عند تجلي المسيح. والأمر ليس من المستحيلات. أفلم تكن العجائب التي اجترحها المسيح معتبرة من المستحيلات أمام الناس؟ ومع ذلك فقد أتى بها. ويجب التمييز بين الجوهر الإلهي والقوى الإلهية. النور موضوع البحث يمثل قوى الله وليس جوهره. بالتالي يستقيم رأي الهدوئيين في أنهم رأوا النور الإلهي غير المخلوق نتيجة صلواتهم المتكررة. إن قوى الله تظهر بطرائق عديدة إحداها هي التي اختبرها التلاميذ على جبل ثابور ويشعر بانبثاقها أولئك الذين تشتعل في قلوبهم نارٌ صوفية متقدة لا تخبو وهكذا توفر الهدوئية إمكانية رؤية هذا النور الذي يشكل جسراً فوق الفجوة الفاصلة بين الله والإنسان.
ـ برلعام: تمييز القوى عن الجوهر معناه إدخال ثنائية في الله .
ـ بالاماس: بل إن الله حاضر بالتمام والكمال في الجوهر وفي القوى بسبب بساطة كائنه والأفعال الإلهية ليست مختلفة عن شيء متعال هو جوهر الله والنعمة التي تأتي بها الأفعال هي إظهارٌ لحقيقة وجود الله الحي والمتعالي في الوقت ذاته. ولابأس من تذكير برلعام بما قاله القديس باسيليوس الكبير من أننا نعرف قوى الله ولا ندّعي الوصول إلى جوهره. فقوى الله تظهر لنا بينما لا يمكننا بلوغ جوهره. والله يُظهر قواه للإنسان وهي من الله وغير مستقلة عنه. وليست منحة منه بل هي عمله الظاهر للبشر وتمثل الله. وهي النعمة التي تُدخل الإنسان في علاقة فورية مع الله. وهذه النعمة ليست مجرد هبة من الله أو حاجة يهبها الله للإنسان بل هي التجلي المباشر لله الحي أمام الإنسان. الله نور السموات والأرض لذلك فإن تجربة الإنسان مع قوى الله تظهر بشكل نور والمشهد الذي يراه الهدوئيون لن يكون مخلوقاً بالتالي أو حاجة ملموسة بل هو ظهور لقوى الله.
في هذه المناقشة الكتابية حسم القديس موضوع التوفيق بين اللاهوت السلبي وطريقة الاتحاد الذي أثير وحفظ بالتالي فكرة تسامي الله وتَجَنّبَ الوقوع في خطأ الجمع بين الله والطبيعة كوحدة وجود PANTHEISM كما قد يتبادر إلى ذهنٍ صوفيٍ موغل في الصوفية. فالله في قواه التي تمثله موجود على الدوام وهو إله التاريخ وإله الإنجيل المتجسد بالمسيح. كما أدخل بالاماس التمييز بين جوهر الله وقواه في صلب العقيدة الأرثوذكسية تمشياً مع منطلقات الآباء الكبادوكيين.

[1] الراهب برلعام يوناني من كالابريا بإيطاليا. قدم إلى قسطنطينيا عام 1330 أيام حكم الإمبراطور اندرونيكوس الثالث، 1328 – 1341. واشتهر في قسطنطينيا بعلو كعبه في مجال الفلسفة والمنطق وعلم الفلك. ومنح كرسياً في الجامعة الإمبراطورية. وهناك ناقش أمام تلاميذه كتابات ديونيسيوس المنتحل. وكان يجاهر بانتمائه الأرثوذكسي ولذلك غادر إيطاليا حيث كان اليونانيون مضطرين لمسايرة الفكر الغربي. وبعد أن أرسل بمهمة سرية لدى البابا بنديكتوس الثاني عشر لم يلبث أن غيّر اتجاهه الفكري وأصبح ينادي مثل اللاتينيين بانبثاق الروح القدس من الآب والابن معاً ويدعو إلى زعامة بابا روما على سائر العالم المسيحي شرقاً وغرباً. ودخل في نقاش حاد مع الهدوئيين وانتقدهم بشدة ونادى بآراء غريبة عن الإيمان الذي كان سائداً في بيزنطة منذ أيام الآباء الكبادوكيين وطلب وأصرّ على عقد المجامع لدرس خلافه مع الهدوئيين فخذل ثم انتصر ثم خذل ... وأخيراً، العام 1341 غادر قسطنطينيا إلى إيطاليا.


[2] من وجوه القرن 18 البارزة القديس نيقوديموس الآثوسي (1748 – 1809). كان راهباً في دير ديونيسيوس في جبل آثوس. ويعتبر بحق موسوعة دينية ضخمة إذ أنه بمؤازرة مكاريوس نوتاراس، أسقف كورنثوس، أصدر العام 1782 مؤلفه الشهير الفيلوكاليا الواقع في 1207 صفحات نهل منه كلُّ عالم معرفتَه عن نصوس الهدوئيين، إفاغريوس ومكاريوس ونيكيفورس وغيرهم، في صلاة يسوع، الصلاة القلبية. وقد ترجم رهبان الأديرة في رومانيا موسوعة نيقوديموس الواسعة إلى اللغة المحلية. وأصبحت مولدافيا نقطة الانطلاق لبعثةٍ من الرهبان بدأت رحلتها من الدانوب وجبال الكريات ووصلت إلى شواطئ المحيط الهادي وإلى الدائرة القطبية. كما أن فيلوكاليا نيقوديموس كانت أساس صحوة روسيا القرن 19 على يد معاصر لنيقوديموس بايزيج فليسكوفسكيج الروسي الآثوسي.


[3]أود أن أذكر مقطعاً من قصيدة للشاعر والفيلسوف والأديب الكبير ميخائيل نعيمة من ديوانه "همس الجنون " ذكرني بها الصديق والأخ الأستاذ باصيل بيطار حيث قال:
كحِّل أللّهم عينيَّ بشعاع من رضاك
كي أراك
وكان المرحوم موريس حداد الأستاذ في ثانوية جول جمّال باللاذقية (التجهيز سابقاً) قد لحّن مقطعين من هذه القصيدة لجوقة حركة الشبيبة الأرثوذكسية في اللاذقية في الأربعينات من القرن الماضي. إني أرى في هذا المقطع نفحة هدوئية لدى أديبنا الكبير ميخائيل نعيمة.