الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: الهدوئية

  1. #1
    أخ/ت مشارك/ة الصورة الرمزية الأورثوذكسي السوري
    التسجيل: May 2008
    العضوية: 3384
    الإقامة: سوريا
    هواياتي: الرسم، والقراءة
    الحالة: الأورثوذكسي السوري غير متواجد حالياً
    المشاركات: 156

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي الهدوئية

    الهدوئية[1]


    نور في سماء الشرق المسيحي[2]


    ألبرت دكر





    هناك، إلى جبل آثوس المبارك[3] القائم على الحدود، بين تخوم هذا العالم وتخوم ما فوق الطبيعة، وصل أحد طلاب الفلسفة بعد أن مشى طويلاً في طريق صاعدة ومكسوّة بالحصى وضيقة. قد كان صعوده، خطراً. إذ كان إلى يساره صخور صمّاء ملتهبة من حرارة الشمس، وإلى يمينه هوة سحيقة ومخيفة، وفي أسفلها شاطئ البحر. قيل له إنه سيجد هناك نسّاكاً، لهم سحنة غريبة ومظهر كالمعتوهين. إلا أن هذا لم يمنعه من أن يُصِرَّ على الذهاب إلى ذلك المكان المقدس – كما قالوا له – يحدوهُ أملٌ في أن يتعرّف عليهم، أو أن يرى هناك صورة الله المتجسد في هيئة إنسان أكثر منه في صفحات الكتب التي كان يطالعها. وهناك وجد شيخاً أشعث الشعر واقفاً أمام كوخ حقير وبين أصابع يده مسبحةٌ من خيوط الصوف؛ علم فيما بعد أنها صنعت من الصوف لكي لا يصدر عنها أصوات عندما يسبح بها الشيوخ فتخدش هدوء صلواتهم. ابتسم له الشيخ، على غير ما كان ينتظر. وبإشارة من إبهام يده، أفهمه ضرورة السكوت. ثم ابتعد الشيخ، تاركاً إياه يتأمل الوادي السحيق والبحر البعيد، ويراجع أفكاره وتخميناته. وبعد ساعة ونصف الساعة، عاد الشيخ ومعه دَلو ماء وعلبة معدنية قديمة. فهم الفيلسوف أن الشيخ الصامت غاب عنه هذه المدة، ليجلب له الماء فيروي عطشه في ذلك الجو الحار. شرب، وارتوى. ثم سأله الفيلسوف إيضاحاً عن "الصلاة القلبية" التي قرأ عنها في مؤلفات الراهب ايفاغريوس البنطي، فأجابه قائلاً: "قَبل أن تتكلم عن الصلاة القلبية، عليك أولاً أن تعرف كيف تتأمل مثلما يتأمل الجبل". وحسب وصية الشيخ، كان على الفيلسوف أن يجلس على الأرض مثلما يستوي الجبل على قاعدته، بحيث يكون وجوده راسخاً. ثم يبقى من غير حركة، ورجلاه متصالبتان وجذعه مرتفع عن ركبتيه، ويظل ساعات طويلة في هذه الوضعية وتنبسط الأبدية أمام ناظريه. نفّذ الفيلسوف هذه التعليمات عدة أيام كان الشيخ خلالها يأتيه يومياً ليزوره، ويتناول كل واحد منهما قرصاً من البندورة وبعض حبات الزيتون يجلبها الشيخ. انتهت هذه المرحلة، فأمسكَ الشيخُ بساعدِ الفيلسوفِِ وأخذه إلى حديقة ذات أعشاب وزنابق، وقال له: "ها نحن قد انتهينا من التأمل، كالجبال الصامتة. عليك الآن أن تتأمل مثل زنبقة الحقل، ولكن من غير أن تنسى الجبل. وبدأ الفيلسوف يتأمل الزهرة التي تشرئبُّ نحو الشمس، متطلعة نحو الجمال والنور. وبدأ يشعر أنه مثلها قادر على أن ينتصب كعمودٍ يتطلع نحو العليّ، تماماً مثل تلك الزنبقة التي ما إن يجنَّ ربيعها، حتى تبدأ بالذبول. وإذا كان الجبل قد وحى إليه بالأبدية، فإن هذه النبتة البسيطة علّمته أن يفرح بربيع الحياة الذي يأتيه مجاناً من عند الخالق، وأن يقبل المصير الذي لا بدّ منه وهو النهاية. في مرحلة ثانية، علّمه الشيخ كيف يتأمل البحر ويستلهم من موسيقى أمواجه المتتابعة في مدِّها وجزرها أفكاره العديدة، وكيف يجعل أنفاسه تتناغم مع حركة الموج. ثم علّمه كيف يتأمل المحبة في طيور السماء، إذ أخذه إلى محبسه حيث كان يعيش معه زوج حمام مع هديلهما المستمر. فأخذ يتمتم مثلهما، صلاة هادئة تذكر فيها نعمة الخالق. ثم جعله يتأمّل مثل إبراهيم، أبي المؤمنين، وكيف يمارس الكرم ويقدّم أكواب الماء للعطشى والطعام للجائعين، مؤكداً بذلك المحبة المتأصلة في كيانه، محبة الناس كل الناس، الأصدقاء منهم والأعداء. محبة مجانية قد تصل إلى حدود التضحية، مثلما فعل ابراهيم عندما حاول أن يقدم ابنه اسحق ضحية للخالق، أو مثل المسيح الذي ضحّى بنفسه وأحبَّ الأعداء وطلب العفو عن جلاّديه، وعطف على المقعدين والمرضى والبغايا. وفي هدأة الليل كان ينزوي وحده، يصلي سرّاً أمام رب الخليقة الآب السماوي.
    بقي الفيلسوف بضعة أشهر في جبل آثوس. فتجذّرت فيه "صلاة يسوع"، الصلاة القلبية، كما فسّرها له الشيخ، وأصبح يردد في قرارة نفسه، قول بولس الرسول: "لست أنا الذي أحيا، بل المسيح يحيا فيَّ". بعد ذلك سمح له الشيخ بالمغادرة، فعاد إلى بلاده حيث بدأ حياة جديدة متماشية مع ما تدرب عليه عند الشيخ. وكان عند شعوره بالضيق، يجلس ليتأمل كالجبال. وعندما يتسلط عليه الكبرياء، يتذكر زنبقة الحقل. وعندما تنتابه غمامة من الحزن، يتنشق النسيم الآتي من جهة البحر، فتغمر كيانه صلاة صامتة يرفعها إلى الله القدوس كما ترتفع أبخرة المباخر في الكنائس. وأصبح يستقبل كلّ آتٍ إليه بابتسامة يُجَمِّلُها الكرم وحسن الاستقبال، ويؤكد في ذلك محبته للناس، كل الناس، محبة خالصة مجانية. وكان بالتالي يعيش تلقائياً، حياة الهدوئيين.
    مَنِ الهدوئيون؟ وما الهدوئية؟
    الهدوئية: هي ترجمة للّفظة اليونانية HESYCHIA التي تعني الهدوء والسكينة. وهي حركة نسكية، تعود جذورها إلى أيام الرهبان الأولين في صحراء مصر وفي فلسطين وفي سيناء أيضاً. ومن هناك امتدت إلى كامل سوريا وإلى آسيا الصغرى وقسطنطينيا واليونان، ومنها إلى البلقان وانتشرت في مولدافيا وجنوب روسيا. وكان لها تأثير واضح في حياة المسيحيين الأرثوذكس وفي ثقافتهم.
    لم تكن هذه الحركة في البدء محصورة في رهبان الصحراء، بل كان لكبار آباء الكنيسة حياة روحية متماشية معها، حتى أن بعضاً منهم كان في سدة الرئاسة في المدن الكبرى؛ من أمثال الآباء الكبادوكيين في القرن الرابع ونذكر منهم القديس باسيليوس والقديس غريغوريوس اللاهوتي والقديس غريغوريوس النيصَصي. فقد كانت حياتهم تحقيقاً حياً للهدوئية، كطراز حياة. وتبلور لديهم مفهوم الهدوئية، نظرياً وعملياً وفلسفياً ولاهوتياً. وأصبح هذا المفهوم بواسطتهم، نموذجاً للحياة الروحية والعقلية المسيحية الأرثوذكسية المتطلعة نحو معرفة الله.
    إنّ أهم من مثّلوا الحركة الهدوئية ودافعوا عنها بحماسة أملتها قناعة تامة وإيمان عميق، هو القديس غريغوريوس بالاماس[4]. وكان له من الفكر الثاقب والخلاق ما جعله، وهو الذي كان يعتبر نفسه تلميذاً لآباء الكنيسة الذين تتابعوا من القرن الرابع حتى القرن الثامن، يرتفع ليصبح أبرع وأقوى مدافع عن الهدوئية – التي كان هؤلاء يشكلون نواة أفكارها – عقائدياً وفلسفياً بمواجهة من ناصبوها العداء والازدراء والتشنيع من أمثال الراهب برلعام الكالابري وجماعته (أدناه). كما أصبح أحد كبار آباء الكنيسة في الشرق الأرثوذكسي في كل ما يتعلق ليس فقط بنموذج الحياة النسكية بل وأيضاً فيما يتناول الفكر الفلسفي واللاهوتي مثله مثل الآباء الكبادوكيين الكبار والقديسين ديونيسيوس المنتحل ويوحنا السلمي ومكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي وسمعان اللاهوتي الجديد وغريغوريوس السينائي. وبفضل تعاليم هؤلاء – وغيرهم أيضاً – أصبحت الهدوئية طريقة حياة نسكية روحية فلسفية ولاهوتية طبعت الفكر المسيحي الأرثوذكسي في توقه لمعرفة الله والاتحاد به في إطار حرية تدخل الإنسان في علاقة محبة واتحاد شخصاني مع الإله الحي القدوس. وقد سبق للقديس مكسيموس المعترف، في القرن السابع، أن صرّح بأن الفلسفة اللاهوتية المسيحية تشكّل تجربة العقل والقلب في الاتحاد مع الله. وهذا الاتحاد يفترض وجود المعرفة المتبادلة بين الله والإنسان: قد قال الرسول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية (4 : 9) " وأما الآن إذ عرفتم الله، بل بالحري، عُرِفتم من الله ...". وفيما يخص المعرفة قال القديس باسيليوس الكبير: "لقد وجدنا معنَيَيْن لكلمةِ حقيقة. الواحد يعني إدراك الطرق التي توصل إلى الحياة المغبوطة والآخر معرفة الأشياء الموجودة في كل مكان معرفةً سليمة. الحقيقة الأولى تسهم في خلاصنا، إنها حاضرة في قلب الإنسان الذي ينقلها إلى قريبه كما هي. أما الأرض والبحر والنجوم وحركتها وسرعتها، فإنْ كنا نجهل الحقيقة الخاصة بها فلن يعيقنا هذا البتة عن البلوغ إلى الغبطة الموعودة". سنتكلم عن المعرفة وعن الأسئلة التي دارت حولها والنقاش الذي حصل بشأنها فيما بعد، ولكننا الآن سنشرح الصلاة التي يختص بها الهدوئيون ويعتبرونها عبادةً روحية يدأبون عليها غير مهتمين بأي شيء آخر طيلة العمر.
    الصلاة القلبية
    هي الركيزة الأولى للهدوئية. فأول شرط في هذه الصلاة، التي تسمى أيضاً صلاة الرب يسوع، هو الصمت والتحرر من كل التصورات المادية بكافة أشكالها. في البداية، كان نصها كالتالي: "يا سيدي، يسوع، إبن الله، إرحمني!" ثم أصبح في القرن الثاني عشر: "يا سيدي، يسوع المسيح، إبن الله، إرحمني، أنا الخاطئ!" وهو مشابه لنص الصلاة التي كان يتلوها العشار في الهيكل (لو (18 : 13)). كان هذا النص يردّد مترادفاً مع وضعية للجسد من شأنها أن تساعد على التركيز. وكانت عملية التنفس تتناغم مع الصلاة المكررة ويكون الرأس مطأطأً وتلتقي الذقن بالصدر وتشخص العيون إلى القلب. وإذا كانت هذه هي طريقة الهدوئيين في الصلاة، إلا أنها لا تشكل جوهر الصلاة بالذات بل تساعد فقط على التركيز؛ ولم تكن يوماً شرطاً موجباً. ويعتقد الهدوئيون أن النعمة الإلهية لا تأتي عن طريق حركات الجسد، كما أنه ليس من تقنيات تؤدي إلى حالة التصوّف التي يسعى إليها الهدوئيون. ويرون أن أقصى ما يمكنهم الحصول عليه هو أن ينكشف لهم النور الإلهي غير المخلوق، المماثل للنور الذي رآه التلاميذ الثلاثة في أثناء تجلي السيد المسيح على جبل ثابور. وكان – ولا يزال – على الهدوئي لكي ينجح في صلاته، أن ينقّي نفسه من أي غضب أو شغف أو هوى، وأن ينصرف عن سائر المعيقات إلى التأمل والعبادة. وهذا النقاء يجعل القدرة الإلهية التي اكتسبها عند العماد قابلة لأن تتفاعل فيه بنتيجة الصلاة المتكررة والمتناغمة مع التنفس الهادئ ويصل الهدوئي إلى حالة من النشوة الروحية وتغمره أشعة من النور الإلهي، الذي يؤمن الهدوئيون أنه هو ذات النور الذي ظهر للتلاميذ في أثناء التجلي. وكانت هذه الصلاة أنجع الطرق أمام الرهبان لتمضية أوقاتهم، بالإضافة إلى أنها قد تؤدي بهم إلى الانخطاف ومشاهدة النور الإلهي كما ذكرنا.
    عناصر الهدوئية
    هناك عنصران يميزان الهدوئية وهما:
    1- الاعتقاد بأن التأمل الهادئ هو أسمى ما يمكن للإنسان أن يعتمده ليصل إلى ما يسعى إليه.
    2- التأكيد على التمييز الصحيح بين الجوهر الإلهي وبين القوى الإلهية.
    كان اللاهوتيون في الأصل قد أبرزوا هذين العنصرين فيما سبق وأكدوا أن الوصول إلى معرفة الله تقتضي نقاوة في الروح تأتي عن طريق الصلاة ولا تأتي نتيجة البحث العلمي. وكان لكل من كلمندوس الاسكندري وديونيسيوس المنتحل دور في السعي للاقتراب من الوضع الهدوئي الصحيح. إلا أن الراهب القديس سمعان اللاهوتي الجديد هو الذي طوّر مبادئ وطريقة الهدوئية بشكلها المفصّل حتى أنه كتب مبادئ الهدوئية. كان يقول: "إنه للوصول إلى الاتحاد مع الله في أثناء التأمل – وهو أسمى ما نسعى إليه في حياتنا- يجب المواظبة على نظام تربوي يبدأ بالعماد ويتابع بالتمرن على العمل النسكي برعاية مسؤول، بعيداً عن السفاسف وعن الشعوذة".
    هذا من جهة التأمل والصلاة اللذين يشكلان العنصر الأول من عناصر الفكر الهدوئي. أما العنصر الثاني وهو التمييز بين الجوهر الإلهي والقوى الإلهية، وهو العنصر الذي كان محط انتقاد المدرسين الجدليين الغربيين، فهو أيضاً متجذر في أفكار آباء الكنيسة وله أصول بعيدة نبعت من الفكر الأفلاطوني الذي كان يعتبر أن الإله لا يمكن الاقتراب منه وأن القوى الإلهية كان أبطالها من أسماهم: صناع الكون DEMIURGES، الذين خلقوا العالم المادي وهم بالتالي وسط بين الله والمخلوقات. آباء الكنيسة، بعد كلمندوس الاسكندري، إذ كان لهم خلفيات أفلاطونية، نادوا بالتمييز بين جوهر الله الذي لا يمكن الاقتراب منه وقوى الله. فالله يسمو فوق كل الأشياء. وهو المطلق وغير المحدود وغير المدرك. لا عين تراه، ولا فكر يتصوره. وكل ما يمكننا معرفته عنه، هو عمله. وبهذا وضعوا أسس التمييز بين الجوهر الإلهي الذي لا يمكن الاقتراب منه، وبين القوى الإلهية التي يمكن الاقتراب منها. وأوردوا أمثلة، تُمَكِّنُ الإنسان من أن يستوعب هذا التمييز. من هذه الأمثلة: الشمس وأشعتها. فالأشعة تصدر عن الشمس ولكنها ليست الشمس.
    التصوف الهدوئي
    الاتحاد بالله
    كان لدى البيزنطيين غناهم الخاص في صوفية متجذرة فيهم تُصوّر توقهم إلى الله. وفي تصوفهم الإلهي كان لهم طريقتان لم تكونا بالضرورة متعارضتين على الرغم مما توحي به النظرة الأولى. الطريقة الأولى هي طريقة التنزيه وتتعلق باللاهوت السلبي في الله والطريقة الثانية هي طريقة الاتحاد وترتبط باللاهوت الإيجابي في الله. وتتلخص طريقة التنزيه في أنها تبعد أوصافاً معينة عن الله، أي عن حقيقة الله كأن نقول مثلاً: الله لا يمكن أن يدركه عقل الإنسان. وفي هذا الصدد يقول القديس غريغوريوس النيصصي: "تكمن معرفة الله الحقيقية في أن الله لا يُرى وأن ما نسعى لمعرفته هو وراء كل معرفة ويفصلنا عنه ظلمة عدم الإدراك لدينا". شرح القديس ديونيسيوس المنتحل لاهوت التنزيه في مؤلف نُسب إليه. وقد كان للمؤلف المنسوب إلى القديس ديونيسيوس أثر واضح في الغرب اللاتيني وتردد ذكره 1760 مرة في كتاب الـمُجْمَل Summa لتوما الأكويني. حسب أحد مؤرخي القرن الرابع عشر، انتشرت أفكار ديونيسيوس الصوفية في انكلترا كالظباء الوحشية التي كانت تسرح في طول البلاد وعرضها. كما تبسط فيه القديس مكسيموس المعترف وأمّن له موقعاً دائماً في اللاهوت الأرثوذكسي. ونصل بهذه التوضيحات إلى القديس يوحنا الدمشقي الذي كتب: "الله أبدي وغير قابل لأن يدرك وكل ما يمكننا إدراكه عنه هو أنه أبدي أزلي وغير قابل لأن ندركه . فالله ليس من عداد الأشياء الموجودة ليس لأنه غير موجود وإنما لأنه فوق كل وجود بالذات".
    طريقة الاتحاد
    مع أن المسيحية الشرقية الأرثوذكسية تشددت في تعلقها بفكرة تسامي الله-اللاهوت السلبي- فإن هذا لم يمنع إمكانية الاتحاد الصوفي بالله كما قال القديس غريغوريوس النيصصي والقديس ديونيسيوس والقديس مكسيموس المعترف وغيرهم... وكلهم جمعوا بين طريقة التنزيه وطريقة الاتحاد، الشيء الذي أصبح فيما بعد تقليداً "الهدوئية". وهنا فرض نفسَه سؤالٌ كان لا بدّ من أن يجيب عليه الهدوئيون: كيف ينشد هؤلاء الهدوئيون اتحاداً مع الله، ويقولون في الوقت ذاته بأنه ليس بوسعهم إدراك الله؟ وهذا السؤال خيَّم على المجتمع المسيحي في القرن الرابع عشر، لكن القديس غريغوريوس بالاماس قدّم الإجابة على هذا التساؤل .
    الصلاة
    إذا كان إيفاغريوس ومثله أوريجانس، وبتأثرات أفلاطونية كانت سائدة وقتئذ، قال عن الصلاة بأنها عمل عقلاني أكثر من كونها تتمثل في وضعية معينة للجسد في أثناء الصلاة وليس لها دور في عملية العبادة فقد أتى الجواب على لسان القديس مكاريوس المصري الذي أشار إلى أن الروح والجسد يقومان بعمل مشترك. وبينما كان إيفاغريوس يتكلم عن العقل كان مكاريوس يحكي عن القلب على أساس أن القلب يختصر إنسانية الإنسان التي تشمل الفكر والعاطفة وحتى الجسد. فالقلب هو سيد البنية الجسدية وملكها وهو مستقر النعمة الإلهية التي – بالصلاة – تهيء المؤمنين لاستقبال النعمة ولامتلاك المعرفة الإلهية والوصول إلى الرؤية النورانية التي لن تكون رمزاً أو تخيلاً بل هي ظهور إلهي حقيقي معادل لحقيقة الظهور-التجلي على جبل ثابور.

    [1]راجع النص ودققه الأب د. يوحنا اللاطي مسؤول قسم الليتورجيا والصوفيّة والأخبار الخارجية في هيئة تحرير النشرة البطريركية.

    [2]كلمات شكر إلى سيادة راعي أبرشية اللاذقية وتوابعها المطران يوحنا لتشجيعه إياي منذ سنوات للولوج في باب البحث الديني المسيحي، الأب الارشمندريت ألكسي نصور الذي لم يبخل علي بالمؤلفات التي تبحث في موضوع الهدوئية وأكثر من ذلك ساهم في تصحيح بعض التعابير لكي تنسجم مع العقيدة الأرثوذكسية، الصديق إيلي قطيني لأنه أول من لفت نظري إلى موضوع الهدوئية في الأرثوذكسية وأرسل إلي مقتطفات من الموسوعة الكاثوليكية ومن مؤلف " البلقان في العصر الوسيط " للباحث جون فاين جونيور، الصديق باسيل بيطار الأستاذ في الأدب العربي الذي ذكرني بكتاب أديبنا الكبير الفيلسوف والشاعر المرحوم ميخائيل نعيمة.

    [3]شبه جزيرة إلى الجنوب من سالونيك باليونان.

    [4]ولد القديس غريغوريوس بالاماس العام 1296 في آسيا الصغرى من عائلة نبيلة وثرية اضطرت فيما بعد إلى الانتقال إلى قسطنطينيا للنجاة من زحف الأتراك العثمانيين. وهناك عاش في قصر الإمبراطور اندرونيكوس باليولوغوس الثاني، 1282 – 1325، وكان الأكثر ورعاً بين ملوك تلك الحقبة البيزنطية المتأخرة. التحق بالاماس بالجامعة الإمبراطورية ودرس الفلسفة الكلاسيكية وتعمق بأرسطو واعتبر المنطق الأرسطي تمريناً وطريقة صالحة للتفكير العلمي بخلاف أفلاطون الذي كان مذهبه ما ورائياً. العام 1316، وكان والد بالاماس قد توفي، كان عليه أن يهتم بوالدته وأختيه وأخويه والخدم الذين كانوا يلازمونهم. وبناء على دعوة إلهية وعلى غير انتظار من العائلة قرر فجأة أن يترهب. واقترح أن يدخل الجميع الأديرة وكان نصيب الوالدة وأختيه ومعظم الخدم أحد الأديرة القريبة. أما هو وأخواه فقد سلكوا الطريق الصعبة مشياً على الأقدام إلى آثوس، الجبل المقدس. وعاش هناك حياة رهبانية قاسية لا تزال مُتَّبَعَةً حتى الآن. وتمرس في الأدب الآبائي وعاش الصراع المستحكم بين الرهبنة النسكية أو الهدوئية والرهبنة الشراكتيّة أي بين الرهبان الذين ينزوون في صومعاتهم مصلين ليلاً ونهاراً بصورة متواصلة منقطعين عن العالم (مع بعض الاستثناءات القليلة إذ كان بعضهم يذهبون يومي السبت والأحد للمشاركة في القداديس مع باقي الإخوة) والرهبان الذين يشاركون ويشتركون في العمل والصلاة والليتورجيا وتلقي الأسرار غير معتكفين في مجالس صلاة مستمرة وهادئة. ماتت أمه في قسطنطينيا فذهب خصيصاً لحضور مراسم دفنها ثم اصطحب معه أختيه وأسكنهما في دير قريب منه. عاش مع أخويه في دير فاتوبيدي تحت رعاية راهب هدوئي يدعى نيقوديموس. ثم مات أخوه تيودوسيوس ومن بعده المعلم نيقوديموس. فقرر مع أخيه الثاني مكاريوس التوغل في الجبل المقدس نحو دير "اللافرا الكبير " الذي شكّل ملاذه الأهم طيلة حياته. وبسبب هجمات القراصنة الأتراك على الجبل قرر بالاماس ومعه عدد من الرهبان السفر إلى الأراضي المقدسة وسيناء. ولم يكن الحكم الإسلامي فيها آنئذ معادياً للمسيحيين بل كانت شروط حياتهم هناك ملائمة نسبياً بضمانة المسلمين. وكان الرهبان يرغبون في الانفتاح على بعض مذاهب الإسلام الروحية. وفي الطريق إلى الشرق توقف بالاماس في سالونيك حيث انضم إلى حلقة روحية كان مرشدها الأول ايزيدوروس تلميذ غريغوريوس السينائي، بطريرك قسطنطينيا فيما بعد. وكان الجوّ هناك يوحي بأن الهدوئية لا يجب أن تقتصر على الرهبان بل كان هناك تشجيع لممارسة صلاة يسوع خارج الأديرة. وما لبث غريغوريوس أن أصبح كاهناً في العام 1326 عن عمر 30 سنة. وبقي في منسك مع بعض الرهبان خمس سنوات في زهد قاس وعزلة تامة تدوم خمسة أيام في الأسبوع تملأها الصلوات يتبعها يوما السبت والأحد حيث كانوا يشتركون في القدسات مع الإخوة. وبين عامي 1335 و 1336 عُيّن بالاماس رئيساً لدير كبير يضم حوالي 200 راهب وباشر بحماسة متقدة عملاً إصلاحياً لم يرق للرهبان فاختلف معهم. عاد إلى منسكه. ثمة هموم بانتظاره يحضّرها له الراهب برلعام الكالابري. وفيما بعد عيّن مطراناً في سالونيك وهناك رقد بالرب في 27/11/1359. العام 1368، أعلن قداسته البطريرك المسكوني فيلوثيوس تلميذه وصديقه. يبقى بالاماس الأكثر تكريماً في سالونيك بعد القديس ديمتريوس شفيع المدينة.

    †††التوقيع†††

    "شكراً لله الذي أعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح"

  2. #2
    أخ/ت مشارك/ة الصورة الرمزية الأورثوذكسي السوري
    التسجيل: May 2008
    العضوية: 3384
    الإقامة: سوريا
    هواياتي: الرسم، والقراءة
    الحالة: الأورثوذكسي السوري غير متواجد حالياً
    المشاركات: 156

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي تتمة: الهدوئية

    الهدوئية والقديس غريغوريوس بالاماس وبرلعام كالابريا[1]
    يمكن اختصار أوجه الخلاف بين برلعام والهدوئيين وفي مقدمتهم بالاماس بما يلي:
    - الصلاة.
    - معرفة الله والنور الإلهي.
    وسنأتي بالتتابع على آراء برلعام وعلى رد القديس بالاماس عليها.
    الصلاة
    لقد انتقد برلعام الصلاة التي كان الهدوئيون يعتبرونها عبادة روحية دأبوا عليها غير مهتمين بشيء آخر ومترفعين عن قبول أي كرامة. وقال برلعام إن النعمة الروحية التي تملأ القلب عند الصلاة الهدوئية ليست سوى تخيّل. ويرد بالاماس بأن كل الذين هم أهل للصلاة الروحية يعلمون أن هذه النعمة ليست صورة من فعل التخيل بل هي ينبوع فرح مقدس تجتذبُ الذهنَ إليها وتحرره من التصورات المادية بأشكالها المتعددة ومن كل ما ينجم عنها في أفكارنا من ملذات الجسد التي تبدو لنا مستحبة فتشدنا إلى أسفل. والفرح الروحي الذي يغمر النفس يفعل فعله في الجسد فلا يُفْسدهُ بل يحوله إلى جسد روحي يطرح عنه الشهوات الرديئة ويصبح الإنسان كله روحاً إذ أنه قد ولد من الروح وهذا كله يلمسه الهدوئي في صلاته بالخبرة. ولابد من التنويه بأن الإنسان بروحه وجسده يشكل وحدة متكاملة. وجسد الإنسان ليس بالضرورة عدواً لروحه فهو شريك لها. الرب يسوع المسيح أعاد للجسد قدسيته. فإذا كان الهدوئيون يعتبرون أن لوضعية الجسد أهمية مثل أهمية التركيز الفكري فهم بذلك لا يخطئون خطأ مادياً بل يبقون أمناء لعقيدة الإنجيل التي تعتبر الإنسان وحدة كاملة من روح وجسد. المسيح تجسد لكي ينقذ الجسد وروح الإنسان. وإذا كان برلعام لا يستحب أعمال الجسد ولا يقبل الحالات الروحية البادية على الجسد فإن بالاماس يردّ قائلاً: "إذا كان الأمر كذلك فليرجع برلعام إلى المزمور 2:83 الذي جاء فيه: "قلبي وجسمي ابتهجا بالإله الحي"؛ أو إلى المزمور 7:27 الذي قال فيه داود النبي: "وبه استجار قلبي فاستجارني لذلك ارتاح جسدي"؛ وأيضاً إلى المزمور 103:118 "ما أعذب كلماتك في حلقي فهي أحلى من العسل لفمي". ولعل القديس ذيادوخس أوضح أكثر من ذلك إذ قال: "وهذا الحس لا يمكن أن يعرفه غير الذين يزهدون في خيرات هذه الحياة على رجاء الخيرات المستقبلية وفي هؤلاء فقط يتحرك الذهن بكامل قدرته بفضل انسلاخه نحو تلك الخيرات المستقبلية ويصبح قادراً على الإحساس بالصلاح الإلهي على منوال لا يوصف ومن ثم ينقل فرحه إلى هذا الجسد بمقدار تقدمه".
    ـ برلعام: لا يجب أن يكون عربون الدهر الآتي ذا مصدر إلهي ولا أن يكون مرتبطاً بالصلاة القلبية. والتغيرات الحاصلة في الجسد بفعل قوة الروح لا تصدر عن الله لأنه أفضل للنفس أن تكون فوق الحواس وقت الصلاة من أن تعمل بمقتضى الحواس بأي شكل كان ... فإذا لم تكن هذه التغيرات الأكمل – إذ تفوقها حالة أسمى – ولما كانت عطايا الله هي الأكمل فهي إذاً لا تصدر عن الله.
    ـ بالاماس: لقد قال بولس الرسول في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس (22:1) إن الله يوزع مواهبه المتعددة على المؤمنين. فمنهم من حصل على عطية التكلم بالألسنة ومنهم من منحه عطية التنبؤ أو الشفاء إلخ ... وإذا كانت المحبة هي أفضل العطايا فهل ستكون وحدها، ودون سواها، عطية الله؟ ويعقوب أخو الرب قال في رسالته (17:1) "كل عطية كاملة هي منحدرة من الله". ولم يقل هي الأكمل. لذلك فاعتراض برلعام غير منطقي ولا يستند على أساس.
    ويعترض برلعام معتمداً على وصية القديس ديونيسيوس لتلميذه تيموثيوس إذ قال: "حين تَعْكِفُ كلياً على المعاينات المستيكية أو الصوفية الروحانية فدع الحواس والنشاطات العقلية وكل الحسّيات والمعقولات وامتد قدر الإمكان نحو الاتحاد بما يتجاوز كل جوهر وكل معرفة". ويقول: إذاً إن هذا يؤكد مفهومه بأن هذه النشاطات العقلية والحسّيات والمعقولات تُبطلُ الصلاة كلياً".
    ـ بالاماس: يا أيها الفيلسوف، ألم يقل داود: "القلب المتخشع المتواضع لا يرذله الله" ؟ إن الصلاة المقرونة بالدموع ونخس القلب تجتاح الذهن في صمته عند انشغاله بالله. وقد قال معلمك ذيادوخس: "الصلاة هي أم أفكار حكيمة جداً وصلاة الكاملين هي النشاط العقلي بالذات". لذلك فلا مجال للقول مثلك أن النشاطات العقلية تبطل الصلاة القلبية".
    إن المفهوم الغالب في الروحانية الرهبانية الأرثوذكسية يتلخص في أن الإنسان هو كلٌّ واحدٌ روحاً وجسداً، نفساً وجسداً، فيزيائي وغير متجزئ. والجسد يشارك في كل حركة من حركات النفس سواء أكانت شعوراً أم فكرة مجردة أو إرادة. والقلب هو الجزء المدبّر الذي يتسلط على الجسد بالارتباط مع الرئتين اللتين تتنفسان. إن هدف صلاة الرهبان القلبية المتواصلة هو إظهار خميرة النعمة التي يمتلكها المؤمنون في ذواتهم منذ العماد وتهيء لديهم مجيء الملكوت. ومكان هذه النعمة بامتياز هو القلب سيد البنية الجسدية وملكها وفيه يكمن الحس المرهف والذكاء. وإذا كان برلعام يهزأ من الوضع الجسدي في أثناء الصلاة فإن الوضع الجسدي هو الذي يقود إلى الصلاة. ويدّعي برلعام أن النور الذي يتراءى للقديسين في أثناء الصلاة هو نور حسي. ويرد بالاماس أنه ليس نوراً حسياً فهو نور معقول وليس رمزياً. إنه بهاء إلهي لا هيولي غير مادي. ويضيف، مثل آباء الكنيسة: "إن لكل إنسان حدقتين، الواحدة منها ترى أسرار الطبيعة أي قوة الله وحكمته وعنايته وأما بالأخرى فيعاين مجد طبيعة الله المقدسة. وحين يرتضي الله إدخالنا إلى الأسرار الروحية نعاين النور المقدس".
    معرفة الله والنور الإلهي
    يعتقد برلعام أن الكنز الأكبر الذي اقتناه كان نتيجة ثقافته الهلّينيّة الدنيوية. وهذه الثقافة هي عطية من الله وُهِبتْ للأنبياء والرسل. والفلسفة كالصحة الجيدة هي عطية من الله مجانية للرجال الإلهيين ونحن نأخذها منهم.
    ـ بالاماس: إن الحكمة الناجمة عن العلوم الدنيوية والصحة التي يؤمنها الأطباء تختلف عن حكمة الله اختلاف الأنبياء عن الهلّينيّن أو اختلاف تلاميذ المسيح عن هيبوقراطس. والقول بأن هذه الأمور مماثلة يعني القول بأن الشمس تشابه بصبوص الليل ما دام الاثنان يبديان نورهما عبر الهواء.
    ـ برلعام: إن أعظم المعاينين لا يعرفون الله إلا من خلال الكائنات والمعرفة الناشئة عن الكائنات ليست معرفة الله المتصلة بنا عن طريق نور عقلي.
    ـ بالاماس: الله لا يدع نفسه يُعرف من خلال ما هو موجود فحسب بل أيضاً من خلال ما ليس موجوداً بالتسامي ويعني غير المخلوقات. وأيضاً من خلال نور أزلي يتجاوز الكائنات يُسَلَّم لمن هم أهل له. وهذه المعاينة هي إذاً، بالضرورة، حقيقيةٌ والله هو ينبوع النور.
    ـ برلعام: الفيلسوف الكامل هو من يعرف كل شيء.
    ـ بالاماس: الفيلسوف الحقيقي والإنسان الكامل هو الذي يبحث عن مشيئة الله ويعيش بموجبها.
    وأمام مهاجمة برلعام الهدوئيين لأنهم يكرمون الصلاة فوق كل شيء، قال بالاماس: "إن الصلاة تمهد للإنسان طريقة إعادة علاقته الصحيحة مع الله. وإذا كان برلعام يجاهر بالفكر ليصل إلى الله إلا أنه لن يعرف الله بالفكر فالعقل ليس إطلاقاً القاعدة الأخيرة للحياة. القلب هو المركز المطلق للكائن البشري؛ ومعرفة الله لا تأتي من الفكر فقط بل من الإنسان بأكمله أي من القلب. وسبيل هذا هو الصلاة الهادئة.
    ـ برلعام: المعرفة الناجمة عن الثقافة الدنيوية هي هبة روحية.
    ـ بالاماس: بل إنها هبة الطبيعة التي أنعم الله علينا بها. وإنه إن كنا قادرين على تنميتها بالتدريب فهذا يدل على أنها هبة طبيعية لا روحية بينما الحكمة الإلهية تكون كاملة ويهبها الله بواسطة الروح القدس. وأكثر من ذلك فإن حكمة الله أبدية بينما حكمة الحكماء وألوانها قد تصل إلى بعضٍ من أوجه الحقيقة في زمن معين، إلا أنّ مفاهيمها قد تتبدل بظهور أنوارٍ جديدةٍ. لذا فإن الحكمة الدنيوية، فيما تحويه، قابلة للتطور وإن ما تحويه هذه الحكمة قابل للنقاش بينما لا يستطيع أحد مقاومة وتغيير حكمة الله التي تبدي الحقيقة الخالصة. وهل نستطيع أن نُقْبِلَ بالعلوم الدنيوية إلى معرفة الكائنات التي حبا الله بها الأنبياء والمرسلين؟ فالفيلسوف لم يقو على أن يرى أن الشفاء والحكمة الآتيين من الله يخصان النفس بينما الاكتشافات البشرية لا توجه عنايتها البسيطة إلا للجسد وحده ثم تبطل عندما يبيد الموت موضوع اهتمامها.
    ـ برلعام: إن التنقية من الأهواء وحدها لا تكفي لمعاينة الحقيقة إذ أن "اللاهوى" لا يشفي النفس من الجهل العقلي ولا يقدر على إفادة النفس في معاينة الأمور المعقولة إذا ما بقيت في الجهل العقلي الذي يصور ظلمات النفس بالذات. وعلى الفيلسوف إذاً أن يتوخى طيلة حياته تنقية النفس من الاعتقادات الخاطئة فالإنسان يحتاج إلى التنقية من الجهل العقلي وحفظ الوصايا لا ينقّي إلا من الأهواء. أما التنقية من الجهل يؤتى بها بالدرس لا بدرس الأسفار الإلهية. وإذا أردنا أن نتنقّى علينا أن نفتِّش عن جميع الذين يزعمون معرفة شيء ما. وليس المهم أن يكونوا ممن يجلّون الله أم لا ... ودرس العلوم هو الذي يخلّص وينقي ويكمل.
    ـ بالاماس: إن جميع سليمي العقول يدركون أن هذا التفكير يتعارض مع فكر جميع الآباء وفكر إله الآباء. ألم يقل ديونيسيوس الاريوباجي: "تمثُّلُ الله والاتحاد به يتمان فقط حسب تعليم الكتب الإلهية بمحبة الوصايا الكلي جلالها وبممارستها. والإنسان الكامل هو الذي يجعل نفسه مماثلاً لله قدر استطاعته". إن السعي وراء الحقيقة التي تفوقنا يزيدنا تلهفاً للعلم ويثير في النفوس الشرهة للمعرفة رغبةً لا تستطيع إشباعها ويثير لديها رغبة المساواة مع الله. وهذا لا يقبل به كل من يؤمن بأن الطريق إلى الحقائق الإلهية ليس سوى الكتاب الإلهي والوصايا الإلهية. وهل اكتشف الهلّينيّون وعلماؤهم أسباب الخلود وكمال النفس؟
    ـ برلعام: إن وصايا الله من دون العلوم لا تستطيع أن تنقي الإنسان وتجعله كاملاً.
    ـ بالاماس: إن ثقافة الهلّينيّن تَمُتُّ فعلاً إلى نطاق الحقيقة بصلة. لكن الغبطة الحقيقية تبقى فاعلة في غياب هذا القسم من الحقيقة لأن ثقافة الهلّينيّن قابلة للنقاش حول حقيقة ما وصلت إليه وهي إذاً تعود إلى وجه واحد وهدف واحد وهو وجه الحكمة الموهوبة من الله والتي لا تزول مع الدهر الحاضر والهلّينيّون لم يصلوا إلى هذه النهاية .
    ـ برلعام: الإنسان الكامل والفيلسوف، الإنسان النقي، هو الذي يعرف كل شيء.
    ـ بالاماس: الله وحده هو الذي يعرف كل شيء. أما العلوم الطبيعية والمواد الأرسطية فغير كاملة وتصور الجهل أكثر مما تصور الكمال.
    ـ برلعام: الثقافة الدنيوية تقود إلى الخلاص.
    ـ بالاماس: لقد جعل الله حكمة العالم جهالة فكيف تؤدي إلى الخلاص؟ وعطايا الله المجانية هي طبيعية وهي ممنوحة للجميع بلا فرق. وإحدى عطايا الله الفلسفة والعلوم أي اكتشافات العقل البشري ولكن هذه ليست كل عطايا الله فهي لا تؤدي إلى الإيمان الكامل ولا إلى الفضيلة الكاملة وكثيرون من المتميزين في الفضيلة ليسوا علماء ولا فلاسفة.
    ـ برلعام: إن الإنسان البشري يستطيع اكتشاف الحقيقة بالتمييزات والاستدلالات والتحليلات.
    ـ بالاماس: لا يمكن للإنسان أن يصل إلى كمال الحقيقة عن طريق الاستدلال. فالله يكشف لنا المعرفة الكاملة بواسطة الروح التي تفحص كل شيء حتى أعماق الله (2كو9-10).
    مسلّمتا برلعام
    يرتكز برلعام على مسلّمتين اثنتين اختارهما من الفلسفة اليونانية. الأولى مسلّمة أرسطو القائلة بأن كل معرفة، كذلك معرفة الله، أصلها في إدراك الحواس، خبرة الحواس. الثانية مسلّمة أفلاطونية محدثة مرتكزة على بعض المؤلفين المسيحيين وخاصة على ديونيسيوس المنتحل. وتقول هذه المسلّمة بأن الله بعيد المنال عن التجربة الحسية وبالتالي فهو غير مدرك. ويستنتج برلعام من ذلك أن معرفة الله لن تكون إلا غير مباشرة إذ أنها تعبُر دوماً "بالكائنات" الممكن إدراكها بالحواس ولذلك فإن المعرفة التصوّفية نفسها لا يمكن أن تكون حقيقية إلا رمزياً والذين ليس لهم معارف علمية هم جهال فليتركوا الانجيل وليعكفوا على الدراسات الهلّينيّة ويبتعدوا ساخرين عمّن قال: "إذا كنا في المسيح فنحن كاملون". ومنطق بالاماس حين يقول باستعلاء النعمة على الطبيعة هو منطق ناقص. وفي مطلق الأحوال لا يمكن للجسد البشري أن يكون إناءً للنعمة.
    جواب القديس على هذا أن برلعام عبّر عن نوع من القيمة للفلسفة القديمة ولكن على المستوى الطبيعي فقط. لكن، من هنا إلى أن نقبل فكرته بأن الطبيعة تستبعد كل تدخل مباشر للروح في مجال معرفة الله فإن المسافة طويلة بل ومستحيلة فعطايا الله مُنحتْ للناس قبل الشريعة وفي الشريعة وبعد الشريعة. والبعض الآخر منها فائق للطبيعة روحاني. ثم، إن معرفة الله لا يمكن أن ترتكز على محاولات الفلاسفة لإثباتها. فمعرفة الله نعمة يسبغها الله على الإنسان الذي بهذه النعمة يتدرج في التأله الإلهي ومعرفة الله. واعتبار الجسد إناء للنعمة هو أمر طبيعي بدليل أن المسيح اتخذ جسداً في بطن العذراء مريم بقوة إلهية عجائبية وأسس كنيسة مرئية على الأرض تكون نعمة الأسرار فيها قادرة وملزمة أن تقدس الإنسان. فالمسيح تجسّد لكي يتأله الإنسان. إن ما يميز الله عن الكائنات هو أنه غير مخلوق بينما الوضع الخاص للكائنات هو الطبيعة المخلوقة. والنعمة التي يمنحها الله هي الحياة الإلهية غير المخلوقة، وهي التأله. إذاً معرفة الله بالنعمة ليست معرفة تفترض بالضرورة نوعاً من الخارجية بين الشخص العارف والشيء المعروف فقط بل هي وحدة في النور غير المخلوق، وحدة لا تمنع التمايز. والإنسان لا يملك القدرة على أن يرى الله. وإذا كان هناك من رؤيا فذلك لأن الله في قواه يتحد بالإنسان ويجعله مشاركاً في المعرفة الإلهية بفعل الروح القدس. ورؤية الله لا تعني رؤية الجوهر الإلهي لان الله فائق الجوهر ولا مجال لمماثلته مع أي تصور مخلوق وبشكل خاص مع التصور النسكي للجوهر. والله لما كلّم موسى لم يقل أنا الجوهر بل قال: أنا الذي أكون (خر14:3). ويجب بالتالي التمييز بين العمل الإلهي الكاشف والجوهر غير المدرك.
    ـ برلعام: كيف يستطيع الإنسان أن يرى جوهر الله بعيني جسده؟ فالنور الذي يدّعي الهدوئيون رؤيته ليس نور الله الأبدي بل هو نور مخلوق مؤقت.
    ـ بالاماس: إن بوسع الهدوئيين أن يروا النور الإلهي غير المخلوق تماماً كما شاهده التلاميذ الثلاثة على جبل ثابور عند تجلي المسيح. والأمر ليس من المستحيلات. أفلم تكن العجائب التي اجترحها المسيح معتبرة من المستحيلات أمام الناس؟ ومع ذلك فقد أتى بها. ويجب التمييز بين الجوهر الإلهي والقوى الإلهية. النور موضوع البحث يمثل قوى الله وليس جوهره. بالتالي يستقيم رأي الهدوئيين في أنهم رأوا النور الإلهي غير المخلوق نتيجة صلواتهم المتكررة. إن قوى الله تظهر بطرائق عديدة إحداها هي التي اختبرها التلاميذ على جبل ثابور ويشعر بانبثاقها أولئك الذين تشتعل في قلوبهم نارٌ صوفية متقدة لا تخبو وهكذا توفر الهدوئية إمكانية رؤية هذا النور الذي يشكل جسراً فوق الفجوة الفاصلة بين الله والإنسان.
    ـ برلعام: تمييز القوى عن الجوهر معناه إدخال ثنائية في الله .
    ـ بالاماس: بل إن الله حاضر بالتمام والكمال في الجوهر وفي القوى بسبب بساطة كائنه والأفعال الإلهية ليست مختلفة عن شيء متعال هو جوهر الله والنعمة التي تأتي بها الأفعال هي إظهارٌ لحقيقة وجود الله الحي والمتعالي في الوقت ذاته. ولابأس من تذكير برلعام بما قاله القديس باسيليوس الكبير من أننا نعرف قوى الله ولا ندّعي الوصول إلى جوهره. فقوى الله تظهر لنا بينما لا يمكننا بلوغ جوهره. والله يُظهر قواه للإنسان وهي من الله وغير مستقلة عنه. وليست منحة منه بل هي عمله الظاهر للبشر وتمثل الله. وهي النعمة التي تُدخل الإنسان في علاقة فورية مع الله. وهذه النعمة ليست مجرد هبة من الله أو حاجة يهبها الله للإنسان بل هي التجلي المباشر لله الحي أمام الإنسان. الله نور السموات والأرض لذلك فإن تجربة الإنسان مع قوى الله تظهر بشكل نور والمشهد الذي يراه الهدوئيون لن يكون مخلوقاً بالتالي أو حاجة ملموسة بل هو ظهور لقوى الله.
    في هذه المناقشة الكتابية حسم القديس موضوع التوفيق بين اللاهوت السلبي وطريقة الاتحاد الذي أثير وحفظ بالتالي فكرة تسامي الله وتَجَنّبَ الوقوع في خطأ الجمع بين الله والطبيعة كوحدة وجود PANTHEISM كما قد يتبادر إلى ذهنٍ صوفيٍ موغل في الصوفية. فالله في قواه التي تمثله موجود على الدوام وهو إله التاريخ وإله الإنجيل المتجسد بالمسيح. كما أدخل بالاماس التمييز بين جوهر الله وقواه في صلب العقيدة الأرثوذكسية تمشياً مع منطلقات الآباء الكبادوكيين.

    [1] الراهب برلعام يوناني من كالابريا بإيطاليا. قدم إلى قسطنطينيا عام 1330 أيام حكم الإمبراطور اندرونيكوس الثالث، 1328 – 1341. واشتهر في قسطنطينيا بعلو كعبه في مجال الفلسفة والمنطق وعلم الفلك. ومنح كرسياً في الجامعة الإمبراطورية. وهناك ناقش أمام تلاميذه كتابات ديونيسيوس المنتحل. وكان يجاهر بانتمائه الأرثوذكسي ولذلك غادر إيطاليا حيث كان اليونانيون مضطرين لمسايرة الفكر الغربي. وبعد أن أرسل بمهمة سرية لدى البابا بنديكتوس الثاني عشر لم يلبث أن غيّر اتجاهه الفكري وأصبح ينادي مثل اللاتينيين بانبثاق الروح القدس من الآب والابن معاً ويدعو إلى زعامة بابا روما على سائر العالم المسيحي شرقاً وغرباً. ودخل في نقاش حاد مع الهدوئيين وانتقدهم بشدة ونادى بآراء غريبة عن الإيمان الذي كان سائداً في بيزنطة منذ أيام الآباء الكبادوكيين وطلب وأصرّ على عقد المجامع لدرس خلافه مع الهدوئيين فخذل ثم انتصر ثم خذل ... وأخيراً، العام 1341 غادر قسطنطينيا إلى إيطاليا.


    [2] من وجوه القرن 18 البارزة القديس نيقوديموس الآثوسي (1748 – 1809). كان راهباً في دير ديونيسيوس في جبل آثوس. ويعتبر بحق موسوعة دينية ضخمة إذ أنه بمؤازرة مكاريوس نوتاراس، أسقف كورنثوس، أصدر العام 1782 مؤلفه الشهير الفيلوكاليا الواقع في 1207 صفحات نهل منه كلُّ عالم معرفتَه عن نصوس الهدوئيين، إفاغريوس ومكاريوس ونيكيفورس وغيرهم، في صلاة يسوع، الصلاة القلبية. وقد ترجم رهبان الأديرة في رومانيا موسوعة نيقوديموس الواسعة إلى اللغة المحلية. وأصبحت مولدافيا نقطة الانطلاق لبعثةٍ من الرهبان بدأت رحلتها من الدانوب وجبال الكريات ووصلت إلى شواطئ المحيط الهادي وإلى الدائرة القطبية. كما أن فيلوكاليا نيقوديموس كانت أساس صحوة روسيا القرن 19 على يد معاصر لنيقوديموس بايزيج فليسكوفسكيج الروسي الآثوسي.


    [3]أود أن أذكر مقطعاً من قصيدة للشاعر والفيلسوف والأديب الكبير ميخائيل نعيمة من ديوانه "همس الجنون " ذكرني بها الصديق والأخ الأستاذ باصيل بيطار حيث قال:
    كحِّل أللّهم عينيَّ بشعاع من رضاك
    كي أراك
    وكان المرحوم موريس حداد الأستاذ في ثانوية جول جمّال باللاذقية (التجهيز سابقاً) قد لحّن مقطعين من هذه القصيدة لجوقة حركة الشبيبة الأرثوذكسية في اللاذقية في الأربعينات من القرن الماضي. إني أرى في هذا المقطع نفحة هدوئية لدى أديبنا الكبير ميخائيل نعيمة.

    †††التوقيع†††

    "شكراً لله الذي أعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح"

  3. #3
    أخ/ت مشارك/ة الصورة الرمزية الأورثوذكسي السوري
    التسجيل: May 2008
    العضوية: 3384
    الإقامة: سوريا
    هواياتي: الرسم، والقراءة
    الحالة: الأورثوذكسي السوري غير متواجد حالياً
    المشاركات: 156

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي تتمة: الهدوئية

    الهدوئية عقيدة
    يلاحظ تاريخياً أن موضوع الهدوئية انتقل من مرحلة الخلاف الفكري مع اللاتينيين إلى خلافات سياسية خاصة بعد دخول الراهب برلعام في صراعه العقائدي مع القديس بالاماس والهدوئيين. البطريرك أشعيا، 1323 – 1334، كان هدوئياً ومن مؤيّدي القديس بالاماس وكان في السابق راهباً في جبل آثوس وساعد ذلك في إسكات معارضة البرلعاميين. لكن بدءاً من عام 1330 استقر برلعام في قسطنطينيا وبدأ حملة قوية أحدثت شرخاً في اللاهوت الأرثوذكسي لمدة عشرين عاماً وأصاب قسطنطينيا بأضرار فادحة. واستلم يوحنا الرابع عشر سدة البطريركية في قسطنطينيا بعد البطريرك أشعيا من عام 1334 إلى عام 1347. وطالبه برلعام بالدعوة إلى مجمع مقدس لدرس الخلاف مع الهدوئيين. تردد البطريرك في البداية ولكن بعد أن اشتد الخلاف وافق على دعوة لمجمع عام 1341. كان هذا أول مجمع مقدس خصّص للموضوع وكان برئاسة الإمبراطور اندرونيكوس الثالث، 1328 - 1341. تم في هذا المجمع استعراض سؤالين:
    - هل كان نور التجلي على جبل ثابور مخلوقاً أم لا؟
    - هل يشوب صلاة الهدوئيين وحي ثنائية إلهية تتمثل الأولى في جوهر الله والثانية في قواه؟
    كانت نتيجة المناقشات لصالح الهدوئيين. ثم عقد مجمع ثان عام 1341 وكانت النتيجة أيضاً ضد البرلعاميين. أدين برلعام فغادر قسطنطينيا إلى جراسه في إيطاليا حيث رسم أسقفاً. في نفس العام مات الإمبراطور أندرونيكوس. وريث العرش يوحنا الخامس كان حدثاً فكانت أمه الأمبراطورة حنة من سافوا وصية عليه. عاشت الإمبراطورة تنازعاً بين البطريرك يوحنا الرابع عشر ويوحنا كانتاكوزينوس اليد اليمنى لأندرونيكوس. إثر انقلاب قام به البطريرك في نفس العام تم عزل كانتاكوزينوس. بالاماس أدان الإنقلاب والبطريرك لكنه تضامن مع حنة. عام 1343، أوقف البطريرك بالاماس. عام 1344، حرمه عام 1347، كانتاكوزينوس صار الإمبراطور. وبتعاون مع حنة أُعيدت الكرامة لبالاماس ورسم أسقفاً على سالونيك. العام 1351، عقد مجمع برئاسة كونتاكوزينوس وأُدين الخصمُ الأخير لبالاماس نيكيفوروس غريغوراس وتم إصدار الجواب الشافي والنهائي عن موضوع جوهر الإله وقواه واستعاد بالاماس احترامه وموقعه السامي في الأرثوذكسية. عام 1354، كانتاكوزينوس يستقيل نهائياً ويصير راهباً في جبل آثوس ويكرّس باقي حياته لكتابة تاريخٍ للخلاف حول الهدوئية وضد أعداء البالاماسية جاء في أربعة مجلدات. بعد استقالة كانتاكوزينوس، نجح البرلعاميون في عقد مجمع آخر في أفسس لمعارضة الهدوئيين ولكن البطريرك ومجموع الشعب كانوا جميعاً مقتنعين بأن قضية الهدوئيين أصبحت مطابقة لقضية الأرثوذكسية بالذات وبأن أي دعوى ضدها لن تشكل سوى انحياز مفضوح نحو الأفكار اللاتينية الغربية... وبدءاً من ذلك المجمع تكرّس النصر الحاسم والنهائي للهدوئية. وبعد وفاة بالاماس عام 1359، عقد مجمع في قسطنطينيا عام 1368 ألقي بنتيجته الحرم على الراهب البرلعامي سيدونيوس كما أعلنت قداسة بالاماس واعتبر من آباء الكنيسة. هكذا أصبحت الهدوئية جزءاً من العقيدة الأرثوذكسية تماماً كما ورد في قرار المجمع المقدس TOMOS السادس عام 1351 الذي سبق أن أكّد على صحة آراء بالاماس.
    وعلى الرغم من الجو المدرسي الأرسطي السائد في الغرب فقد تردد صدى الأفكار الهدوئية لدى جيلبرتوس بورّيتانوس ويوحنا فاران ناسك ريمس في فرنسا ولدى يوحنا بريسكاين. ولكن دون أن يشكل ذلك موجة ذات شأن ضد تيار السكولاستيكيين الغربيين وبقيت الهدوئية خارج المجتمع الغربي حتى أيامنا.
    بقية تاريخية
    أصبحت الهدوئية في القرن الرابع عشر مقبولة ومعتمدة في كافة أنحاء العالم الأرثوذكسي كما أسلفنا إذ امتدت الأفكار الهدوئية إلى البلاد السلافية وبلغاريا ورومانيا. بعد سقوط قسطنطينيا وطوال الحقبة العثمانية حين ساد الأتراك على العالم البيزنطي لم تنطفئ شعلة الهدوئية. جبل آثوس كان مرتعها. ولوحظت يقظة روحية مهمة في أواخر القرن الثامن عشر[2] حتى أواسط القرن العشرين.
    ولمعت نجوم عديدة من المؤمنين الذين صاغوا إيمانهم عن قناعة عميقة وشاهدوا النور الإلهي غير المخلوق. ومنهم من نظموا قصائد دينية تعتبر من عيون الشعر الصوفي الروحاني[3] يبتهلون فيها إلى الله ويعلنون له إيمانهم به على الرغم من جهالتهم ويعترفون له بأنهم يشعرون بأنهم أقرب إليه كلما ابتعدوا عنه وذلك بفيض من المحبة التي تتخطى لديهم معارف الفكر في الطريق إلى الإيمان. ولم تنحصر الهدوئية بالرهبان ورجال الدين. فالكمال الروحي يمكن أن يصل إليه الإنسان، مهما كان وضعه، ملكاً كان أو إنساناً بسيطاً، دون الاضطرار إلى ترك العالم. وكان الكثيرون والكثيرون يتلون، عفوياً، الصلاة القلبية وهم سائرون في الشوارع بسكون وهدوء وصمت يشعرون معه بأنهم ليسوا بعيدين عن الله.
    المراجع:
    - ECRITSSURL'HESYCHAMEللكاتبجانايفللوJEAN – IVES LELOUP. منشورات دارALBIN MEHEL. 2006 .
    - ETUDESHESYCHASTESللمطران أتانازجفْتِتْش. منشوراتL'AGED'HOMMEفيلوزانبسويسرا. 1995.
    - L'ANCIENJOSEPHL'HESYCHASTEللأب يوسف من فاتوبيدي. منشورات دارLESEDITIONSDUCERF. باريس. 2002 .
    - LETTRESSPIRITUELLESللأب يوسف الهدوئي. منشورات دارL'AGED'HOMMEفيلوزان بسويسرا. 2005 .
    - ROUMANIE, TRADITION ET CULTUREHESYCHASTESللأب رومول جوانتا. منشورات دارABBAYEDEBELLEFONTAINE. 1987 .
    - THEORTHODOXCHURCHللمطران كاليستوس وير. منشورات دارTHECHAVERPRESSLID.1982 .
    - ثلاثية في الدفاع عن القديسين الهدوئيين للقديس غريغوريوس بالاماس (الثلاثية الثانية). منشورات التراث الآبائي. تعريب رهبنة دير القديس جاورجيوس-الحرف. 1996 .
    - جون فاين جونيور. "البلقان في العصر الوسيط".
    - القديس غريغوريوس بالاماس والتصوف الأرثوذكسي للأب يوحنا مايندورف. ترجمة الشماس د. يوحنا اللاطي. منشورات مطرانية طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس – دار الكلمة. 2001 .
    - الكتاب المقدس.
    - الموسوعة البريطانية.
    - الموسوعة الكاثوليكية.
    - موسوعة لاروس الفرنسية.



    النشرة العددان الثاني والثالث 2008

    †††التوقيع†††

    "شكراً لله الذي أعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح"

  4. #4
    أخ/ت مجتهد/ة
    التسجيل: Nov 2007
    العضوية: 1745
    الإقامة: Aleppo
    الجنس: female
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    الحالة: Dima-h غير متواجد حالياً
    المشاركات: 896

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: الهدوئية

    تأمل رائع أخونا الأرثوذكسي السوري يا ريت تكترلنا هيك شي
    صلواتك

    †††التوقيع†††

    [SIGPIC][/SIGPIC]
    أرثوذكسيتي ليست هويتي التي ورثتها عن أجدادي بل هي مسلكيتي
    سيادة المتروبوليت بولس يازجي
    صلوا لأجلي

  5. #5
    أخ/ت مبارك/ة
    التسجيل: Jan 2008
    العضوية: 2463
    الإقامة: القسطنطينية - 1453
    هواياتي: loving all
    الحالة: Maximos غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,456

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: الهدوئية

    لا أدري كيف أشكرك أخي الحبيب ..

    نسائم عليلة تحركت في صدري ..
    خصوصا ً في القسم الأول من الموضوع (قبل الدراسات ) ..


    ليتذكر هؤلاء المتشدقون كيف ظهر الرب للنبي إيليا الغيور ..

    ما أعظمك أيتها الأرثوذكسية .. فأنت ِ صنع يدي الرب ..
    صلواتك يا قديس اللـه نكتاريوس .. (أيتها الأرثوذكسية) ..

  6. #6
    أخ/ت مشارك/ة الصورة الرمزية الأورثوذكسي السوري
    التسجيل: May 2008
    العضوية: 3384
    الإقامة: سوريا
    هواياتي: الرسم، والقراءة
    الحالة: الأورثوذكسي السوري غير متواجد حالياً
    المشاركات: 156

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: الهدوئية

    شكرا جزيلاً لكم يا إخوتي على ردودكم القيمة.

    قبل أن أقرأ عن الهدوئية عرفت عن النور غير المخلوق نور التجلي في ثابور من سير القديسين (السنكسار) الذي يروي آلاف الإختبارات للقديسين الذين عاينوا نور المسيح حيث ذكرت هذه المعاينات تفصيلاً في كتاب سيرة حياة القديس سيرافيم ساروف الذي سأروي منه مستقبلاً بعضا مما عاينه.

    صلواتكم يا إخوتي في المسيح يسوع.

    †††التوقيع†††

    "شكراً لله الذي أعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح"

المواضيع المتشابهه

  1. الهدوئية في حياتنا اليومية
    بواسطة Gerasimos في المنتدى الأخبار المسيحية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2011-02-26, 11:34 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •