إلى متى يا رب تنساني إلى الانقضاء :
تكررت مرات الضعف ومرات الفتور، وتكررت المحاربات، وبدأ اليأس يتسلل إلى روح الإنسان فصرخ إلى الله قائلاً: إلى متى يا رب تنساني إلى الانقضاء أو إلى متى تنساني كل النسيان... وكأن الرب قد نسيه!!
العجيب أن الله نفسه هو الذي أعطانا هذه الكلمات، إذ أن كل الكلمات قد كُتبت بقيادة الروح القدس. لكن حتى الكلمات التي تعتبر عتاباً لربنا، هو نفسه الذي يعطيها لنا لكي نعاتبه بها! والأعجب أنه حتى الكلمات التي تعتبر وكأنها إيقاظ لله؛ إذا توهمنا أنه يغفل عنا أو قد نسينا... فحتى هذه الكلمات، الله نفسه يعطينا إياها لكي يطمئن قلوبنا، ولأنه يريد أن يدخل الإنسان معه في حوار إنما في حدود الأدب الروحي... لا مانع أن يكون هناك حوار على مستوى العتاب أو الأنين أو الصراخ، أو حتى الإيقاظ، كما أيقظوه إذ كان نائماً في السفينة قائلين: أما تبالي "أما يهمك أننا نهلك؟" (مر4: 38) لم يقولوها بلهجة التذمر أو الانتهار إنما يقولونها بلهجة العتاب أو الصراخ أو الاستنجاد.
إلى متى يا رب تنساني إلى الانقضاء... أنا أشعر أن معونتك قد تخلّت عنى، وهذا ما أعتبره نوعاً من النسيان، أشعر أن نعمتك لم تعد تؤازرني وتسندني... أحس أنني قد أصبحت وحيداً في المعركة، وحينما شعرت أنني وحيدٌ عرفت مرارة السقوط، وعرفت حقيقة ضعفى.
حتى متى تصرف وجهك عنى :
عندما يكون وجه الله متطلعاً إلينا فهذا يعنى أحد أمرين؛ فإما أن عينيه تحرسنا أي أن عنايته تؤازرنا... أو من الجانب الآخر وجه الله يعزينا حينما نبصر مجده أو حينما نشعر بوجوده... الإحساس بوجود الله يعطى الإنسان المخافة، كما يعطيه أيضاً استقامة قلب... فمن عمل النعمة مساندة الإنسان، وأيضاً إحساس الإنسان برؤيته لله، فكلا الأمرين يمثلان جانبين لحقيقة واحدة وهى أن وجه الله يسير أمامنا.
وعندما غضب الرب على شعب إسرائيل تضرع إليه موسى النبي قائلاً: "إن لم يسر وجهك فلا تُصعدنا من ههنا" (خر33: 15)، عندما يغضب الرب من أحد يشعر هذا الإنسان وكأن الله قد أدار وجهه، إذ أنه لا يريد أن ينظر الشر.. لا يريد أن ينظر إلى الخطية.
حتى متى تصرف وجهك عنى... فأنا يا رب حينما تنساني أسقط، وحينما أسقط أشعر أنك لا تريد أن تنظر إلىّ بسبب خطيتي... فإلى متى أشعر أن وجهك ينصرف عنى بسبب خطاياي.
إلى متى أردد هذه المشورات في نفسي :
إلى متى أجعل هموماً في نفسي، وأوجاعاً في قلبي كل يوم... "إلى متى أردد هذه المشورات في نفسي". و المشورات تعنى الهموم، فإلى متى أجعل هموماً في نفسي.. حينما يضعف الإنسان، وحين يسقط، وحين يخطئ إلى الله يشعر بهموم تدهم قلبه وتغمر حياته وتقلقه.
الإحساس بالسلام هو ثمرة المصالحة مع الله، فعندما يشعر الإنسان أنه لا يوجد مصالحة بينه وبين الله يفقد سلامه. وعندما يفقد سلامه تبدأ الهموم والأوجاع والأحزان فيقول "لما سكتُّ بليت عظامي من زفيري اليوم كله. لأن يدك ثقلت علىَّ نهاراً وليلاً" (مز32: 3،4).
"لما سكتُّ"، إذ كيف يمكن للإنسان أن يتكلّم مع الله وهو يشعر أنه في خصومة معه... فعندما يسكت أي يكتم خطيته أو يشعر بهذه الخصومة يقول "لما سكتُّ بليت عظامي من زفيري اليوم كله. لأن يدك ثقلت علىَّ نهاراً وليلاً... أعترف لك بخطيئتي ولا أكتم إثمي. قلت أعترف للرب بذنبي وأنت رفعت آثام خطيتي" (مز32: 3-5).
"إلى متى أردد هذه المشورات في نفسي"... هذه الهموم والأحزان في قلبي كل يوم؛ حزن الهزيمة، حزن الخزي والعار، لأن الخطية تعرّى الإنسان وتفقده كرامته كصورة لله، بل أحياناً كثيرة تفقده إنسانيته، فيحتقر نفسه.
إلى متى يرتفع عدوى علىَّ :
الإنسان الضعيف أمام الخطية يشعر أن الشيطان أعلى منه، أو أن الشيطان يطأه بقدميه... وكأن الشيطان له السلطان والجبروت! إلى متى يا رب يذلني الشيطان بهذه الصورة ؟ إلى متى يرتفع علىَّ ويدوسني بقدميه؟
هنا نلاحظ دائماً في هذا المزمور ومثله الكثير من مزامير داود النبي، أنها تبدأ بروح الحزن والبكاء والأنين والصراخ، وتنتهي بروح الرجاء والفرح... هذه هي قصة الإنسان منذ خلقه الله، ومن بعد سقوطه... بدأت بالسقوط وانتهت بالخلاص والفداء. هذا يجعلنا نعرف قوة الآية التي تقول "لا تشمتي بي يا عدوتى إذا سقطت أقوم. إذا جلست في الظلمة فالرب نورٌ لي" (مى7 :8).
وبعد أن عرض حالته اليائسة وضعفه وسقوطه يعود ليقول:
أنظر واستجب لي يا ربى و إلهي :
الصورة القاتمة للسـقوط والـضعـف تسـاندها صـورة مشرقة لثبات أبوة الله وثبات معونته الإلهية... ذخيرة ورصيد لا ينتهي.
أنا أعرف يا رب أنك وإن نسيتني قليلاً، فلابد أن تأتى وتتراءف أيضاً... كما يقول: "لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك. بفيضان الغضب حجبت وجهي عنك لحظة وبإحسان أبدى أرحمك قال وليك الرب" (أش54: 7،8).
أنر عيني لئلا أنام نوم الموت :
أنا يا رب إن أظلمت عيني عن رؤية بهاء مجدك، سوف أسلك في الظلمة، وسوف تنام نفسي عن الجهاد، وتتوقف عن رؤية إشراقة النعمة الإلهية ومعرفة مقاصدك السامية..كما يقول المرتل "روحك القدوس لا تنزعه منى" (مز51: 11).
ليست المشكلة في أن يضعف الإنسان في بعض المواقف أو يسقط في بعض الخطايا، إنما المشكلة أن يصل إلى حالة لا يشعر في داخله بالتبكيت على الخطية، أو يستسلم لها. أو الأسوأ من ذلك أن يحب الخطية ويسعى وراءها... هذا ما كان يخشاه داود النبي فقال "روحك القدوس لا تنزعه منى" (مز51: 11). لأنه يا رب إن أنت نزعت روحك القدوس كما فعلت مع شاول أصير في حالة الرفض كما يقول الكتاب: "أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رو1: 28).
يوجد من يشعر بكراهية الخطية، ويحارب ويجاهد ضد الخطية، وإذا سقط يسرع ليقوم. وآخر يبرد ضميره حتى يشرب الإثم كالماء، هذا مثل من قال عنهم السيد المسيح "ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين" (مت24: 12).
أنر عيني لئلا أنام نوم الموت... نوم الموت، نوم الغفلة... فالنفس التي تدخل في نوم الموت هي التي تكون الظلمة قد طغت عليها فتصير النفس مظلمة، مقفرة خالية من كل صلاح، هذا ما كان داود النبي يخشى أن يصل إليه، فيصرخ لله قائلاً أنظر وأستجب لي يا ربى وإلهي، أريد يا رب أن روحك القدوس يظل يعمل في داخلي لكي لا تدخل محبة الخطية إلى حياتي.
لئلا يقول عدوى أنى قد قويت عليه :
العدو يحارب وليس في مقاصده أن يسقط الإنسان في الخطية فقط، فليس السقوط في الخطية هو المشكلة، خاصة بعد أن صنع السيد المسيح الفداء والخلاص، فيمكن للإنسان أن يقوم بعد سقوطه في الخطية... ليس هدف الشيطان أن يسقط الإنسان في الخطية، لأنه ماذا يفيد الشيطان من سقوط الإنسان؟! إنما هدف الشيطان هو أن يقوى على هذه النفس حتى تستسلم له وتتعبد له كإله، أو لكي تنفصل عن الله نهائياً إذا سقطت في اليأس وقطع الرجاء... هذا هو الهدف النهائي الذي يريد أن يصل إليه. أما إسقاط الإنسان في الخطية مرة أو مرتين أو أكثر فهذه مجرد وسائل يستخدمها ليصل إلى الهدف الأساسي الذي يريده... لذلك يقول المرتل أنر عيني لئلا أنام نوم الموت... لئلا يقول عدوى إني قد قويت عليه.
ماذا تعنى كلمة "قويت عليه" إلا أنه أصبح تحت سلطاني الكامل... أخاف يا رب من طول مدة الضعف والسقوط أن يقوى علىّ العدو..
الذين يحزنوننى يتهللون إن أنا زللت :
إنه يفـرح كلما زللت وكلما سقطـت، لأن هذا يقـرب من
النهاية التي ينتظرها...كل مرة ينتصر فيها على أحد الأبرار يفرح بمذلته، لأنها خطوة تمهّد لهلاك الإنسان... لنسمع ما قاله داود النبي في مرثاة لشاول الملك: "كيف سقط الجبابرة. لا تخبروا في جت. لا تبشّروا في أسواق أشقلون، لئلا تفرح بنات الفلسطينيين لئلا تشمت بنات الغلف" (2صمو1: 19،20).
بنات الفلسطينيين هؤلاء رمز لمملكة إبليس. في جت وفى أسواق أشقلون كانوا يعبدون آلهة الفلسطينيين مثل داجون، فإن هزموا جبابرة إسرائيل كانوا يقدّمون الذبائح للإله الوثني، ويعتبرون أن إلههم هو الذي أنتصر على يهوه إله إسرائيل... فداود يبكى في حزنٍ قائلاً لا تبشروا ولا تخبروا في جت أو في أشقلون لئلا تفرح بنات الفلسطينيين، لئلا تشمت بنات الغلف.
داود يقول: الذين يحزنوننى يتهللون؛ يهتفون ويفرحون، ويقدمون التهاني والمديح لإلههم بعلزبول من أجل سقوطي.. لذلك لا تنساني يا رب إلى الانقضاء لئلا يفرح هؤلاء الذين يعيرونني، والذين يعيّرونك أنت أيضاً.
أما أنا فعلى رحمتك توكلت :
أنا أعرف أن لي رصيداً كبيراً جداً من الرحمة في قلبك الكبير المحب... لا أقول لي رصيد من الدالة أو رصيد من المقدار أو القيمة، لكن الرصيد الذي عليه أتكل هو رصيد رحمتك.
مساكين هؤلاء الخمسينيون المصابون بضربة الكبرياء. فيعتبرون أنفسهم أبراراً وقديسين، ويقولون: يجب أن تطالب بنصيبك في ربنا، طالب بنصيبك كقديس!!!
أما داود النبي الذي يعلّمنا في مدرسة الحياة الروحية فيقول "أما أنا فعلى رحمتك توكّلت".. ليس لي أي نصيب عندك إلا نصيبي من الرحمة فقط... وهذا النصيب لا آخذه إلا لكوني فقيراً محتاجاً، أنا أتكّل على هذه الرحمة.
يبتهج قلبي بخلاصك :
الجميل في هذا المزمور أنه ينقل الإنسان من مشاعر الضياع والإحساس بالتيهان والضعف، إلى مشاعر الفرح بالخلاص والتنعم بمراحم الرب... يأتي الإنسان وهو حامل كل هموم الخطية وأحزانها، ويقول له "إلى متى أردد هذه الهموم في قلبي كل يوم"... ويخرج من المزمور ليقول "يبتهج قلبي بخلاصك".
أسبح الرب المحسن إلىَّ :
أنا أعرف أن الرب لا يرُّد سائلاً، أنا دخلت إليه أخذت وخرجت ممتلئاً ومحمَّلاً بالخيرات.. إله محسن، طبيعته الإحسان والكرم في معاملته مع كل الطالبين إليه.
أرتل لاسم الرب العالي :
هذا الإله العالي في صفاته، السامي جداً في كمالاته، هو في علوه: عالٍ بمحبته واتساع قلبه واحتماله... فنظرتنا كمسيحيين لله في علوه أنه علو القداسة والسمو، علو درجات الحب والقدرة على احتمال ضعفات الآخرين... إنه منفرد في قداسته... فإذا بحثنا في كل الخليقة وكل الكائنات لن نجد فيها من يستطيع أن يصنع الفداء أو الخلاص، لا يوجد إلا الله القادر على كل شيء وحده.
أراد إبليس أن يصير إلهاً، لكنه يهلك من يتبعونه... أما الله فجاء لكي تكون لنا حياة ولكي يكون لنا أفضل (أنظر يو10: 10)، فمن منهما أحق بالألوهية؟!
قال إبليس إن الله يريد أن ينتزع الألوهية لنفسه، وأنه يحب التسلط والسيطرة، وأثار إبليس ثورة ضد الله قائلاً "أرفع كرسي فوق كواكب الله.. أصير مثل العلى" (أش14: 13،14).
لكن الله الذي لا يحب السيطرة أو السلطة أثبت ذلك لكل الخليقة عندما أخلى نفسه وأخفى مجده، واحتمل العار والهوان من أجل محبته لأولاده وخليقته... من أجل ذلك يقول المرتل سبحوا الرب "... أن الرب ملك على خشبة" (مز96: 10)... كما قال هو نفسه: "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلىَّ الجميع" (يو12: 32)... معنى هذا أن الله قد انتزع الرئاسة عن طريق الحب عندما ملك على قلوب الجميع.
أرتل لاسم الرب العالي... فهو العالي الذي لا يدانيه أحد في درجة محبته، لأن درجة محبته عالية جداً... هذا هو علو الله، ليس معنى عالٍ أنه متسلط أو مسيطر ومتجبّر... كلا، الرب عالٍ لأنه منفرد في قداسته؛ لا يدانيه أحد في القداسة، في البساطة الكاملة، في النقاوة الكاملة، في الشفافية الكاملة، في الإنارة والحب الكامل... في هذه الكمالات غير المتناهية... هذا ما تعنيه الكلمة أن الرب عالٍ.
ولكن الله في علوه هذا، لا يفصله عنا هذا العلو. فهو ينبوع متدفق من النعم والخيرات..كيف ذلك؟
كلما كان خزّان المياه عالياً، تنحدر منه المياه بقوة. لكن إذا كان مستواه منخفضاً، لا يمكن للمياه أن تصعد إلى الأدوار العليا... فعلو الله يعطى قوة متدفقة لا تنقطع من الحب ومن النعمة، لذلك يقول "أسبح الرب المحسن إلىَّ".. هذا الرب العالي الذي خلاصه لا يتوقف ولا ينضب، ومحبته أقوى من الموت.
في هذا المزمور ندخل إلى الصلاة ونحن نشعر بخطايانا، وحينما نردده نشعر أن الله لن ينسانا. وأنه مهما طالت حربنا ضد الخطية، فإن الرب سوف يصنع خلاصاً عظيماً كما يقول "من أجل شقاء المساكين وتنهد البائسين: الآن أقوم يقول الرب أصنع الخلاص علانية" (مز12: 5).
هذا المزمور يعطينا رجاء أن نستمر في الجهاد ولو إلى سنوات طويلة، ولا نيأس من الجهاد
بل لننسَ ما وراء ونمتد إلى ما هو قدام
ولإلهنا المجد دائماً أبدياً آمين.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
.gif)
رد مع اقتباس
المفضلات