[frame="6 80"]
سقط الإنسان عن العرش الذي أجلسه عليه الله، فأصبح عرضة لكلّ شرّ وأذى، وخاصّة لوساوس الشيطان، لكنّ "الله لم يشأ أن يهلك أحد بل أن يبلغ جميع الناس إلى التوبة"[1]، راح يهيء للإنسان كلّ أسباب الرجوع إليه تعالى، واستعادة الشركة مع الله...
لكنّ الإنسان بما أنّ "تفكرات قلبه شريرة منذ حداثته"[2] راح يعمه في طريق الضلال والابتعاد عن الله، اذ قد حبل به بالآثام وبالخطيئة ولدته أمّه[3]، وأخذ الشيطان يقوده في طرقه، ويبعده أكثر فاكثر عن طريق الله، لهذا قال بولس الرسول: "إنّ خطيئة الإنسان الأوّل سرت إلى سائر أعضاء الجنس البشري"[4]، ولكنّ المعموديّة تمحو هذه الخطيئة إذ بهذه المعموديّة بالمسيح نلبس المسيح[5]، وكذلك بالفداء الذي حقّقه يسوع المسيح. فالمعموديّة والإيمان متلازمان شديدًا، إذ إنّنا اعتمدنا في يسوع المسيح في موته لنحيا معه بالمعمودية حياة جديدة[6]...
التوبة، أو الرجوع إلى الله
راحالله، منذ سقوط الإنسان، يرسل الأنبياء لينذروا الناس ويقيموا طقوسًا وأعمالاً تليق بالتوبة وتثمر ثمارًا طيّبة تدلّ على التوبة[7]، والربّ يسوع قد أخبرنا بأنّه يرسل لنا أنبياء وحكماء[8]، وينذرون ويعلّمون الناس ليعودوا عن شرورهم ويتوبوا...
إنّ مجرّد التفكير بالخطيئة يجر معه التفكير بالنتائج التي تنتج عنها، حتّى أنّهم كانوا في العهد القديم، وحتّى في أيام المسيح على الأرض، وينسبون كلّ مرض وكلّ شدّة إلى الخطيئة.
حتّى إنّ تلاميذ الربّ سألوه عن سبب ولادة الأعمى: "يا ربّ، من أخطأ هذا أم أبواه حتّى ولد أعمى؟"[9]، والمسيح نفسه قد أرجع مرض كسيح بيت حسدا إلى الخطيئة، إذ قال له: "ها قد شفيت فلا تعد إلى الخطيئة لئلاّ تصاب بأسوأ"[10]، فالمسيح يشفي الإنسان نفسًا وجسدًا، ويريد منّا الرجوع إلى الله بالتوبة، وقد أعطانا في ذلك، مثل التنينة التي لم تثمر منذ ثلاث سنوات[11]، فلم يقطعها لعلّها تثمر… وهي مثل عنّا، وهم الذين أنذرهم وبشّرهم ثلاث سنوات ولم يثمروا، لذلك قال لهم: "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا"[12]، ومع ذلك لم يرجع الإنسان، بالرغم من أنّ الله أرسل إلى كرمه ليأخذ ثمرًا فلم ينل المرسلون إلاّ الضرب والقتل[13]، ولكن تمادى الإنسان في عمل الشرّ ولم يسمع لأقوال الأنبياء وجلب على نفسه النكبات والضربات[14]. فعمل الخطيئة بقطع الرباط بين الإنسان والله، وقد يعمّ هذا القطع الجنس البشري كلّه "فالجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله"[15]، وقد ذكر هذا القطع بولس أيضًا عند ذكره المتسرى بزوجة أبيه[16]، وكذلك عند ذكره اتصال أعضاء الجسد ببعضها[17]، ويبقى هذا الرباط مقطوعًا بين الله والإنسان حتّى يحصل الرباط ثانية، أمّا عودة المذنب عن الخطيئة أو افتدائه بما يمحو أثار الخطيئة، كما افتدى الله يوناثان من الخطيئة[18]، وكلّ ما ذكر عن الفداء هو رمز إلى الفداء الأعظم والشامل البشرية كلّها فداء يسوع المسيح بدمه على الصليب...
راح الأنبياء وكثيرون من الناس يقومون بأعمال نسكيّة التماسًا لعفو الله ومسامحته وغفرانه، حتّى إنّ الوثنين كانوا يقدّمون لإلهتهم ذبائح بشرية أو حيوانيّة استرضاء لها. وقد يلجأ الناس إلى شفاعة رئيس أو نبي، كما فعل موسى في دعائه لله[19]، وبولس الرسول تمنّى أن يكون محرومًا وملعونًا في سبيل رجوع بني قومه عن الشرّ إلى المسيح[20]. وكانت التنهدات والابتهالات ترفع إلى الله[21]وأناشيد ومبرّات وتضرعات[22]، وإرميا اشترك في إقامة طقوس التوبة[23]...
الأنبياء يدعون الناس إلى التوبة
ما أن أخذ الله يرسل الأنبياء، حتّى راح كّنبي يدعو الشعب إلى التوبة، فموسى كان يحرّض الشعب على التوبة "قد خطئتم خطيئة عظيمة، والآن أصعد إلى الربّ العليّ أكفّر عن خطيئتكم"[24].
ناتان النبي نراه يدعو داود إلى التوبة والاعتراف بخطيئته، وداود يذعن لإنذار النبي ويقيم توبة أصبحت مضرب المثل: "التوبة الداوديّة"[25]. هوشع يطالب بالابتعاد عن الشرّ ويأمر بالتوبة لكي يرضى الله عن الشعب، ولا يرضى هوشع بالتوبة السطحيّة التي لا ثمر لها، بل يطلب التوبة الباطنيّة "عد يا إسرائيل الى الربّ إلهك"[26]، هلمّوا نرجع إلى الربّ... "أريد رحمة لا ذبيحة"[27]. وعاموص يدعوإلى العدالة والبحث عن الخير بدل الشرّ[28]. ومن يقرأ سفر أشعيا يجد التنبيهات والمواعظ "اغتسلوا تطهروا... كفّوا عن الإساءة تعلّموا الاحسان، التمسوا الإنصاف، أغيثوا المظلوم، أنصفوا اليتيم، حاموا عن الأرملة... فلو كانت خطاياكم كالقرمز تصير كالصوف"[29]... وكذا إرميا وحزقيال...
يونان النبي وعظ أهل نبنوى وهدّدهم بغضب الله... فتابوا توبة صادقة بالصوم ولبسوا المسوح وذرّوا الرماد على رؤوسهم (منها اثنين الرماد عند السريان والموارنة) فكفّ عنهم الغضب[30]، والمسيح الإله - الإنسان يدعو اليهود والفريسيّين إلى التوبة ويذكّرهم بتوبة أهل نينوى، في تعنيفه مدن البحيرة[31]...
وما التوبة إلاّ تطهير القلب والنيّة من كلّ الأدران والاعتراف بالخطيئة علنًا أمام الله، وإنّ الإنسان بحاجة إلى رحمة الله "في غضبك لا توبخني وفي سخطك لا تؤدبني، ارحمني يا ربّ..."[32]، وللتعبير المطلق على مشاعر التوبة فالمزمور 50 أو 51 كلّه، فإنّه صلاة ومحادثة مع الله، صوت خاطئ أثيم يخرج من أعماق القلب، إذ يرى هذا الخاطئ الأثيم عظيم جريمته فيصرخ: "نجّني من الدماء يا الله إله خلاصي..."[33] وفي سائر المزامير نرى صلاة الاستغفار والتوبة والاعتراف بالخطيئة...
التوبة في العهد الجديد
ما إن طلّت نجمة صبح العهد الجديد مع يوحنّا حتّى راح يصرخ بأعلى صوته، كالأسد الزائر، الصوت الصارخ في البريّة[34]، قائلاً: "توبوا فقد اقترب ملكوت الله..."[35]، وكان صراخه تهيئة لبزوغ شمس العهد الجديد يسوع المسيح الإله الإنسان...
يوحنّا هو نبي المخضرم، الذي نقل، كالجسر فوق ضفتي نهر متدفق، العهد القديم إلى العهد الجديد، عهد النعمة وعهد الذبيحة الدائمة لغفران الخطايا. راح يوحنّا يعلم ويوعز إلى الجميع أن يعترفوا بأنّهم خطأة ويتوبوا "ليثمروا ثمرًا يليق بالتوبة"[36]، ويسيروا في طريق الفضيلة والتوبة، الطريق الموافق للحياة الجديدة[37]، والطريق الأوّلي هو معموديّة الماء للتوبة لإعداد الناس لمعموديّة النار والروح القدس، المعموديّة التي يمنحها الربّ يسوع[38].
ما إن ظهر الربّ يسوع واختار تلاميذه من الشعب البسيط الساذج[39]، حتّى أرسلهم ليكرزوا بالتوبة ويطردوا الشياطين ويمسحوا بالزيت المرضى[40]، ومسح الزيت علامة القبول في ملكوت الله، وشفاء أمراض النفس والجسد[41]. وبعد صعود الربّ إلى السماء، راح الرسل يعلنون باسم المسيح، الذي علّمنا السير في الطريق الضيّق لنصل منه إلى الفردوس الرحب[42]، يعلنون التوبة وغفران الخطايا[43]، وقد منحهم السيّد المسيح موهبة غفران الخطايا: "من غفرتم خطاياه غفرت له ومن أمسكتم عليه خطاياه أمسكت عليه"[44].
وقد أعطانا الربّ يسوع أمثلة على التوبة وغفران الخطايا: الابن الشاطر[45]، ومنه تعلّمنا شروط الاعتراف وحقيقة التوبة والرجوع إلى الله. ثمّ النازفة التي شدّد المخلّص على معرفة من لمسه، لكي تعترف المرأة بما فعلت وتتوب[46]. والمقعد بإيمان حامليه، لأنّ الإيمان يكمل بالأعمال[47].
فالتوبة، بالاختصار، هي الرجوع عن كلّ خطيئة، إن بالفكر أو بالقول أو بالفعل أو بالإهمال، والإقلاع عنها نهائيًّا، وإظهار علامات الندامة والتوبة. ونوال الحلّة من يدّ الكاهن، نعد الله بأن نتوب ولا نعود إلى الخطيئة، لأنّ الخطيئة تهين الله وتجرح المحبة.
.
[/frame]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات