[align=center]
لا سلطان للخطية
</B>![]()
من رسائل
الأب متى المسكين
[/align]
أتعشم في وجه يسوع المسيح أن تكون في ملء عزاء الروح، مستقْبـِلاً بالإيمان القيامة الحقيقية التي أكملها الرب لنا لنحيا في نورها وبهجتها، رافعين على الدوام عيون قلبنا إلى حيث الرب الآن جالس عن يمين القوة وله كل سلطان مما في السماء وعلى الأرض، ليسوس ويدبِّر حياة مختاريه بقدرته الفائقة غافراً لهم كل خطيئة وتعدٍّ بالصليب، الذي أكمل عليه كل ذبائح الإثم والخطيئة لدى الآب الذي اشتمَّ رائحة طاعة موته وقت المساء فرَضِيَ عن الجبلة التي انشقت عنه سابقاً وأطاعت عساكر الملائكة الساقطين.
الآن ونحن أقرباء ومحبوبون، ليتنا نعيش في شُكر دائم وتسبيح، عالمين أن أخطاءنا العفوية غير قادرة أن تقودنا إلى الموت، وبالتالي لا يلزم أن تكون موضع يأس فنجعلها حاجزاً غير شرعي بيننا وبين الله، فنعطيها سلطاناً ليس هو لها لأن سلطان الخطيئة مكسورٌ بالصليب وكشوكة في الجسد الآدمي قام الرب بكسرها: "أين شوكتك يا موت، أين غلبتك يا هاوية؟... أما شوكة الموت فهي الخطية" (1كو 15: 55و56).
إذن، فقد اضمحل سلطان الخطايا إلى الأبد واندحر الشيطان ولم يَعُد له قوة أن يُحدِر إلى الهاوية كل الذين يتمسَّكون بالدم الإلهي.
لذلك، فنحن الآن نحيا في سلطان القيامة، سلطان يسوع الغالب الخطيئة والموت والهاوية. فكما أن الموت نجوزه الآن وليس له سلطان علينا حالياً بالروح ومستقبلاً بالجسد، كذلك الخطيئة التي كانت سابقاً سبباً للموت الأبدي، إذ بعد أن انحلَّ سلطان الموت انحلَّ سلطان الخطيئة بالتبعية أو العكس هو الأصح. ولكن أريد أن أقول: كما انحل سلطان الموت فأصبحنا نجوزه ونقوم منذ الآن بالروح؛ كذلك الخطيئة حينما نقدِّمها للدم الإلهي بالاعتراف، نجوزها ونقوم منها منتصرين وإن كان أثرها يبقى حتماً في الجسد(1).
ولكن الأمر الواحد الذي أريد أن أغرسه في إيمانك، أيها القارئ العزيز، أن الخطيئة ولو أنها فاقدة لسطان الموت وليس لها سلطان أن تقف حاجزاً تمنع اتصالنا بالله، إلاَّ أنها مكروهة ومبغوضة جداً من الله ومن الأتقياء. فالذي يستهين بالخطيئة كأنما يستهين بإحزان قلب الرب، وكمَن يوافق على جرح قلبه وكسره على الصليب؛ كذلك فالذي يستهين بالخطيئة هو كمَن يُصالِح جسده للشيطان. من أجل هذا ينبغي أن تكون الخطيئة مبغوضة جداً، فالعقل الذي يرتضي أن تسكن فيه أفكار الخطيئة وتصوُّراتها، لا يستنير بنور الله؛ والقلب الذي يرتاح لحركة الإثم - إن كان حسداً أو حقداً أو عداوة أو نميمة أو كبرياءً أو غضباً أو بغضةً أو تحايلاً ومكراً ودوراناً أو حب مال أو شهرة - فإن أي حركة داخلية من هذه الحركات تمنع سُكنى الروح القدس؛ والجسد الذي يأخذ السيادة على الروح ويتقدَّم بالإنسان نحو التعدِّي ويجر الروح ويُحدِرها إلى حمأة الطين، لا يصبح مناسباً كهيكل لحلول الله.
لذلك الله نفسه يدعونا أن نسهر على عقلنا وقلبنا وجسدنا حتى يتمكن أن يحلَّ فينا ويهبنا حياة أبدية، بمؤازرة دائمة. فلا يمكن أن يبتدئ أي إنسان مهما كانت خطاياه لكي ينشط ويتوب ويقاوم عمل الخطيئة في العقل والقلب والجسد، إلاَّ ويجد نعمة في حينها. معروف قطعاً لدى الله أن الإنسان غير كفء لأي عمل روحي، لذلك أعطانا الروح القدس ليكون مدبِّراً ومرشداً وهادياً. فالذي يمسك بالروح القدس بكل قوته بالصلاة والتوسُّل واستقامة النية وإعداد القلب فحتماً ينتصر ويغلب، لأن الروح سيكون له مُذكِّراً ومؤنِّباً وموبِّخاً ومعيناً ومُشجِّعاً معاً. وطوبى لِمَن تصادق مع الروح القدس فإنه سيُدرك في الحال تفاهة أعماله وجهاده بجوار قدرة نعمة الروح ومؤازراته. ولكن الروح القدس لا يهب هباته إلاَّ للقلب المتيقظ المصلِّي على الدوام الذي يفتش في عيوب نفسه أولاً بأول ولا يتجاوزها أو يستهين بها أو يدوس عليها بل بدموع يُقدِّمها إلى الله.
القلب المتعالي لا ينال قوة من الله بل يُترك لجهالة عقله، فيسير حسب هوى فكره ويدبِّر نفسه بنفسه، وكل ما تشتهيه ذاته يكون مهماً لديه ومقدساً.
أما القلب المتضع فتسكنه قوة الله ولا تَعُد مشيئة نفسه مقبوله أمامه، بل يكره كل ما يزيد كرامتها. لذلك يطلب دائماً أن يكرم الآخرين ويكرم الله، وفي هذا تكون راحته. ولا يعود يفتش على عيوب الناس، بل مسرته تكون في تفتيش قلبه فقط، ومعرفة خطاياه وفحصها أشهى له من كل الأعمال والمواهب.
وإن كانت أعمال المستعلي القلب كثيرة جداً وعظيمة جداً وناجحة جداً، فهي لا تُحسَب له براً. وإن كانت أعمال المتضع القلب قليلة جداً وضعيفة جداً، ولا صيت لها ولا اسم، إلاَّ أنها تُحسَب له براً، لأن الله لا ينظر إلى الأعمال وإنما ينظر إلى النية التي عُمِلَت بها الأعمال.
وإن كانت حياة المستعلي القلب تظهر من الخارج أنها طاهرة بلا لوم حسب الناموس فهي حسب عين الله حياة مرذولة، وإن كانت حياة المتواضع كلها ضعف وكلها خطيئة حسب الظاهر فهي حسب عين الله مُطهَّرة ومقدسة برحمته، كالعشار وغيره، مثال راحاب، السامرية، مريم المصرية... إلخ، وذلك لأن الله وحده هو الذي يُقدِّس حياة الإنسان، وهو وحده الذي يُطهِّر سلوكه وأعماله. والله لا يُقدِّس ولا يُطهِّر إلاَّ المتضعين، لأنهم يجذبون الله إليهم بمسكنتهم ومذلتهم وفقرهم إليه.
ولذلك يمكنني الآن أن أقول إنه ليس بالإرادة ولا بالأعمال نقترب إلى الله، وإنما بالاتضاع الذي هو إحساس قلبي بالفقر والاحتياج الشديد إلى الله وحده. وإن الخطايا لا تلوِّث الحياة، وإنما الكبرياء القلبي والاستعلاء الذاتي هو الذي يُنجِّس الحياة، لأن الاتضاع يُعطي فرصة دائمة وقوية ومستمرة لغفران الله وتطهير الدم الإلهي: "طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية" (رو 4: 8). فالخطية تُحسَب على المتعظِّم ولا تُحسَب للمنسحق!! وواضح من الآية أن الغفران هبة إلهية، وهبات الله للمنسحقين، وأُذناه مصغيتان دائماً لصوت طلبتهم: "إلى هذا أنظر: إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي" (إش 66: 2).
الأب متى المسكين

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات