نقرأ في التاريخ الكنسي, وحتى في التاريخ بشكل عام, أنه كانت هنالك عصور ذهبية لمعت فيها الكنيسة برجالها ورهبانها, وعصور خبت فيها هذه الشعلة المضيئةالانحطاط الكنسيميلاد جبارة
الانحطاط, له أسبابه ففي كنيستنا الأرثوذكسية الأنطاكية التي وقعت تحت نير الإحتلال التركي لأربعمئة عام, وقعت أسيرة الجهل والتخلف الذين أرادهما الأتراك لها
ولكن ما هو الانحطاط الكنسي؟ هل يتحدد بندرة أو عدم الموارد المالية؟ أو قلة الأوقاف الكنسية؟ أهو عدم نيل الإكليروس للشهادات العليا الجامعية واللاهوتية؟
لا يا أعزائي, الانحطاط هو الابتعاد عن الحياة المسيحية الأرثوذكسية, وكما تعلمنا فإن الأرثوذكسية حياة, فاعتبار الديانة مجرد شكلية وواجهة هو انحطاط في القيم الأخلاقية والتربوية
تأسست حركة الشبيبة الأرثوذكسية في 16/3/1942 لتدفع الطائفة الأرثوذكسية نحو نهضة بعد فترة الانحطاط, وبينت الحركة منذ نشأتها أن الانحطاط هو انحطاط الأبناء لا الكنيسة الثابتة إلى الدهر[1] فالأزمة أو الإنحطاط ليست إلا أزمة في العنصر البشري للكنيسة فنحن مصدر الإنحطاط
اليوم وبعد 66 عاماً من نهضتنا بالمسيح, هل نحن حققنا نهضة للأرثوذكسية في هذه الديار؟ نعم, لقد صارت النهضة تلك التي كانت حلماً للرعيل الأول, صارت واقعاً للرعيل الجديد
ولكن هل نحن أهل لتلك الثقة التي أولانا إياها المؤسسون؟ ومنهم من صاروا مطارنة ورؤساء أديرة ورهبان وراهبات وكهنة وأرباب عائلات أرثوذكسية
هل خبت الشعلة في قلوب أبناء الحركة القدماء قبل الجدد؟ هل صار آخر همهم "الأرثوذكسية"؟ واتجهوا لتصييرها نادياً إجتماعياً ليس إلا....
نعم, لقد صار آخر هم بعض أبناءنا الأرثوذكسية لجهلهم إياها في ظروف الحياة المعيشية القاسية وندرة وجود والدين صالحين تقييَّن كما مر في تاريخنا الكنسي على مر العصور
ولكن من المخطئ؟ أهو الجيل القديم أو الجيل الجديد المحدث؟
نخطئ يا أحبتي إذا ظننا أننا نعرف الصواب من عدمه إذا كان عمرنا كبيراً وذوي مناصب حركية وكنسية, نخطئ إذا كنا نرى أنفسنا ملوكاً بأفكارنا والآخرين عبيد لأفكارنا, نخطئ أيضاً حين نحتفظ لأنفسنا بالمناصب كنسيةً كانت أم حركية ولا نسمح للجيل الشاب بأن يبرز مواهبه[2]
الحركة والكنيسة بحاجة إلى خبرة أولئك, ولكن هل نخسر الشباب, عنصر النشاط والحيوية, عنصر الإصلاح والبناء, عمال التغيير الذين تلقي عليهم الأرثوذكسية همها لنرضي أشخاصاً لا هم لهم سوى إملاء المقررات
نحن المخطئون, نحن لا نحمل مشعل الأرثوذكسية لتنير العالم بوجهها الحقيقي, تنادينا الأرثوذكسية لنحمل النير, نحمل صليبنا ونتبع المسيح, الذي أتى لينير كل إنسان ويخلص كل إنسان, لنرى الوثنية التي قالت للرب يسوع أن الكلاب تأكل من فتات موائد أربابها[3], ولنتسائل كما قال لنا المثلث الرحمات المطران بولس بندلي(+2008): هل نزدري بالآخرين كأن الله لم يخلقهم على صورته ومثاله كما نحن؟ هل نحن مغرورون بأنفسنا لدرجة أننا نتعبر الآخرين كلاباً لا تستحق الخبز؟
لننهض مجدداً, علينا بالإزدهار الشخصي الروحي[4], الذي لا يهتم بالمدراس والكنائس إلا لينفخ فيها روح الله, لنمتلئ من المحبة لله وللآخرين لنصير قوالباً ونعماً يستظل بها الكثيرون
البشارة الداخلية, هي الحالة الأولى والأهم التي يجب أن نركز عليها كحركيين وأبناء لمدارس الأحد, فلينهض كل شخص منا بحياته الروحية هو لا سواه – إلا إذا إعطاه الله النعمة ليرشد سواه – لنصرخ كما صرخ آباء الحركة الأوائل, إننا نريد أن تحيا الأرثوذكسية, وإحياء الأرثوذكسية يكون بمطالعة الإنجيل فهو الكلام الصحي والمغذي, وأن لا نعود نفكر ولا نعمل ولا ندرس ولا نشعر بشيء أو حول شيء ما إلا بروح الأرثوذكسية, أي بالمحبة وبالتمسك بالتقاليد والعقائد التي لا يعرف أغلبنا أي شيء عنها
ليس صحيحاً أن الشخص المرشح للكهنوت, ينبغي عليه إلزامياً أن يحمل شهادة جامعية ولاهوتية, هذه ضرورية ولكن ليست شرطاً اساسياً إنها شرط لازم ولكنه غير كافٍ, فالشرط الأساسي تمتعه بحياة روحية سليمة ورسوخه في الأرثوذكسية, يقول لنا المطران جورج خضر: "الشهادة عندنا هي إشارة على الاستعداد, ولا ترغم المطران على السيامة.."[5]
نحن جاهلون للأرثوذكسية تاريخاً وعقيدةً وروحانيةً ومسلكاً وحتى حياةً خارجيةً, فلنخلع عنا ثوب الانحطاط ولنتعرف إلى وجه الأرثوذكسية الأزلية, لنقرأ الكتاب المقدس وسير آباءنا القديسين ومؤلفاتهم الرائعة, لننهج النهج الذي سار عليه مؤسسو الحركة في اجتماعاتهم الأولى, لنتخلَّ عن أنانيتنا وأهواءنا ولنتنازل عن كبريائنا المتربع على عرش قلبنا ولنجلس عليه ذاك الجليلي الفقير الذي تخلى عن عرشه الذي لا يزول وأتى ليخلصنا ولنذكر أن من رذله البناؤون صار رأساً للزاوية
[1] راجع كتاب: أنطاكية تتجدد ص 31
[2] تكرار وجود بعد الأشخاص, رغم اعترافنا بقدرتهم واستحقاقهم في مناصب حركية, أو عدم تقاعد الرعاة في الكنيسة من مطارنة وكهنة عند بلوغهم سناً معينةً هو في نظرنا أمر خاطئ
[3] (مت 26: 15-27)
[4]راجع كتاب: أنطاكية تتجدد ص35
[5]راجع كتاب: الحياة الجديدة للمطران خضر ص 66

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات