[align=center]
المفاضلة الفاصلة
- كيف كتب السيرة الذاتية؟
[/align]
</B>[SIZE=“4”]
المفاضلة الفاصلة:
+سؤال: تكلَّمتم عن المفاضلة الفاصلة التي بعدها تركتم العالم وذهبتم إلى الدير، أَلاَ يمكن تناول هذا الموضوع بشيء من الوضوح والتفاصيل الملموسة؟[/SIZE]
[SIZE=“4”]- هذا أصعب الأسئلة التي واجهتها، لأن المفاضلة الفاصلة بين إمكانية وجودي في العالم كفرد مواطن فيه يعيش تحت أصوله وواجباته وتقاليده وأعرافه، وبين تَرْكي لكل هذا لأحيا حياة روحية لا تخضع لهذه الحتميات؛ لم تكن داخل الفكر، أي لم تكن عناصر عددية، هذه تفوق تلك؛ كما لم تكن أيضاً مجموع حسنات وسيئات نقارن بينهما في هذا الوجود أو ذاك الوجود. بل هي دوافع ونوازع لا يمكن حصرها تحت شكل معيَّن يمكن توضيحها لفكر القارئ.
فمعروفٌ أن أي سلوك أو فعل يقوم به الإنسان هو نتيجة أو محصلة نوازع وأسباب يستحيل حصرها تحت عدد، لأن بعضها كامن منذ الطفولة أو منذ ألف سنة في اللاَّوعي الإنساني في الإنسان، ويستمد حركته في هذه اللحظات فجأة، كما أنه توجد أسباب خارجة عن محيط الإرادة والإدراك تأتي بنوع من الحَدْس intuition أو الإلهام inspiration. وحتى هذه المعطيات الفائقة لا توجد هكذا فجأة أو بطريقة عشوائية وكأنها نوع من السحر.
فالحدس والإلهام لا يظهران في الإنسان، إلاَّ إذا كان العقل مُهيَّئاً ومناسباً لنوع وحجم وقوة هذا الحدس الذي يقوم به الإنسان، حيث يبدو له أنه أخذ القرار بمحض إرادته؛ بل هذه كانت المزيج أو المحصِّلة لكل النوازع والأسباب.
فأنا خرجت للرهبنة - حسب إحساسي - لأن روحي أو نفسي لم تَطِقْ إطلاقاً أن تحتويها فتمتلكها حتميَّاتُ العالم من عُرف وتقاليد وواجبات ومجاملات وإتيكيت، ومن ضرورة الزواج وتربية الأطفال والتوفُّر الكامل على ذلك، ما يمكن ان يستفرغ هذه الحياة إلى مضمون آخر غير هذه الواجبات التي ينبع منها ويصب فيها.
أحسستُ بأن حياتي أو نفسي أو قلبي أكبر بكثير، أكبر - وبلا قياس - من أن أُدخِل نفسي أو قلبي هذا تحت أية قيود من هذا العالم. فهو لا يُساوي قلبي هذا، ولا يمكنني أن أبيعه إلاَّ لقلب الله نفسه.
لذلك كنتُ أحسُّ، وازداد هذا الإحساس جداً الآن، أن روحي قادرة بل هي فاعلة أن تستوعب أرواح آخرين ونفوس آخرين، ولكن بلا انحصار في شخص واحد لدرجة أن أُسلِّمها وأبيعها لتسكن ذليلة داخل قلب آخر لمشيئة أخرى: زوجة كانت أو حتى الدنيا بأكملها. أَلاَ يقول المُحب لخطيبته أو لزوجته أو صديقته: ”إن قلبي كله لكِ“! ”حياتي بين يديكِ“! أو يقول الرجل الكادح في العالم: ”أنا في دوَّامة“، ”أنا مش حاسس بنفسي“، ”أنا مش عارف رأسي من رجليَّ“!
فلماذا أدخل في هذه الدوَّامة لآخذ في النهاية شهادة مبايعة رسمية أختمها وأبصم عليها أني بإرادتي بِعْتُ نفسي، وليس لي الحق في استردادها، حتى أحصل على لقمة العيش؟
أعود وأقول إنه ليس تمرُّداً على العالم، ولا على الزواج، ولا على العمل والكفاح، اخترتُ أن أترك العالم؛ لكن لأني وجدتُ في الحياة مع الله ما هو أثمن من كل ما هو في العالم، وما هو أفضل من كل غِنى وأمجاد وغرور هذا العالم.[/SIZE]![]()
[SIZE=“4”]ولا أدَّعي أن هذه حالة خاصة، بل من الخطأ والخطر أن يقول هذا أي إنسان عني. فأنا أدرك تماماً أن كل إنسان يحمل هذا الوجود الأعظم في داخله. إنها ”الإنسانية“ بعمقها وهيبتها وعظمتها التي يمتلكها كل إنسان. كل ما هو مطلوب أن يُدرك الإنسان إنسانيته!!
والأمر المُكمِّل لهذا، وهو مدهش حقاً، أن أي ميل أو انحياز لكيان الإنسان كله نحو الله، يُقابله في الحال انحيازٌ من الله نحو الإنسان.
فانحياز الإنسان بكيانه كله نحو الله هو في الحقيقة بَيْعٌ رسمي علني، خصوصاً في التخلِّي عن العالم. إنها شهادة علنية لأفضلية الحياة مع الله، الإنسان يبيع نفسه لله. هذا يُقابله في الحال استلام الثمن، والثمن يفوق ”البِيْعَة“ كلها بلا قياس، لأن محبة الله تنسكب في قلب الإنسان لتملأه بل لتحويه. لذلك فإن بيع الإنسان نفسه لله يُقابله شراء الله لنفس الإنسان لتكون مِلْكَ الله. فالإنسان يدخل في ميراث الله.
والأمر قد يكون في شكله الخارجي نظرياً، ولكن الحقيقة أني شعرتُ يوم أن تركت العالم أني صرتُ فعلاً مِلْكاً لله بكل كياني. هذا بحد ذاته حفظني خاصة من كل ضيقة داخلية في ذاتي أو خارجية من صُنع العالم.
بل هذا جعلني أشعر أنني لم أَعُدْ بعد مِلْكاً لنفسي، فأنا لله وللآخرين، وآخر الكل هي نفسي! أنا كنتُ في العالم ناجحاً في عملي، وناجحاً في معاملاتي مع الناس جميعاً، وكنتُ أعيش في تقوى ومخافة الله وطهارة السيرة، وكانت لي آمال كأي إنسان يسعى للحياة في هذه الدنيا، وكنتُ أعتقد أن أعظم ما يقتنيه إنسان في هذه الدنيا هو أسرة متحابة: زوجة وأولاد، يجلس بينهم بعد عنائه ليجد فيهم ما يُخفف أتعابه. ولكن كانت هناك عناصر أخرى داخلية على نفس القياس: الحرية المطلقة من كل قيود العالم، الاستمتاع الكلِّي بالحياة مع الله، المحبة للكل بدون تفرقة، وخدمتهم بدون مقابل بروح الطفولة العذبة، انفتاح البصيرة للإطلالة على العالم الآخر من خلال الإنجيل.
ولعل أقوى النوازع والدوافع على الإطلاق هو الإحساس القوي بالصوت المُبهم الداخلي الذي كان ولا يزال يدعوني ويشدُّني لاقتحام المجهول وراء نداء المسيح ”اتبعني“. هذان هما حدَّا المفاضلة.
[/SIZE]+++++++
+++++
كيف كتب السيرة الذاتية؟
[SIZE=“4”][align=right]+ مقدمة للسيرة الذاتية كتبها للباحث الذي طلبها من قدس أبينا القمص متى المسكين، قبل أن يشرع في كتابة السيرة الذاتية التي نُشرت أخيراً في كتاب.[/align][/SIZE]
[SIZE=“4”]سأكتب لك على غير ترتيب أو نظام، وكذلك دون أن يكون في ذهني أية خطة أو صورة ما لِمَا أريد أن أُقدِّمه لك. سأترك نفسي على سجيَّتها، مؤكِّداً أنني ما كنتُ أكتب لك أو لغيرك عمَّا في نفسي أو حياتي لولا أني شعرتُ أنك التزمتَ بهذا البحث قبل أن تستأذني. فرأيتُ أن أكون على مستوى هذه المسئولية، ولكن ليس رغماً عني، لأني أشعر دائماً أني حرٌّ فيما أقول أو فيما أكتب.
علماً بأنني لم أكتب في حياتي قط سطراً واحداً عن حياتي - حياة الفرح والحب والمأساة - ولا حتى ألمحت إلى ذلك في أي كتاب من كتبي، أو أية مقالة من مقالاتي، لأنني لا أحسُّ بنفسي بل أخرج عن ذاتي متعمِّداً حينما أكتب في الأمور الوطنية أو في الدين أو القصص؛ حتى أستطيع أن أعيش الواقع مع القارئ في الموضوع، كما أراه أنا من واقع تأثُّري، ولكن دون تأثيرٍ ما من جهتي، وكأني أحيا مع القارئ الحق والحياة لأول مرة في مثل هذا الموضوع. وحتى في عظاتي أكون في الظاهر واقفاً أعظ الناس، والله يعلم أني أكون بكل كياني تحت تأثير الكلمات عينها، وكأنها ليست كلماتي، وكأنما أعظ نفسي. لأنني حينما أنفعل بالروح أرتفع فوق ذاتي ارتفاعاً حقيقياً أحسُّه في أعماقي، وأخاف منه جداً لئلا أسقط منه.
وهكذا أريد أن أقول إني دائماً أعيش ما أقوله وأتغلغل بكل مشاعري فيما أكتبه، وكأني أركب الكلمات لتطير بي لأستمتع بالإنجيل والحقائق الإلهية بـل وحقائق الحياة مع سامعي ومع قارئي.
لذلك سبق وقلتُ لك إني لا أرى ذاتي فيما أكتب وفيما أقول، بل أرى الحقيقة دائماً وهي تُبهرني. وفي هذا الحق تمتد نفسي وتعيش هذا الوجود العظيم وكأنها تتلاشى لتتجمَّع مرة أخرى في صورة غير الصورة التي يراها باقي الناس، فأدخل في خِضمِّ هذا الوجود الهائل، وكأني ممتدٌّ فيه طولاً وعرضاً وعُمقاً وارتفاعاً، فأنذهل وأفرح، وأستريح وأُسبِّح بأقصى كياني، شاكراً الله الذي يُذيقني سر هذا الوجود الهائل الذي يمكن أن يبتلع كل عظمة فكر الإنسان وفلسفته؛ إلاَّ حقيقة واحدة عُظمى لا يستطيع الإنسان أن يفصل نفسه منها.
كذلك لم أفكِّر قط أن أكتب شيئاً عن حياتي، لأني أحيا وجوداً أعظم من حياتي آلاف المرات، ولا أرى لحياتي أية قيمة في حدِّ ذاتها. فإذا حصرتُها في تواريخ وحوادث، تحلَّلت بين أصابعي الحاملة للقلم فلا أجدها إلاَّ أشلاءً ميتة موت الحوادث التي ابتلعها الزمن ودفنها في باطن الماضي. وإذا حاولتُ أن أستجلي فيها عنصر الحق والوجود الإلهي لا أعود أراها، لأن طغيان العنصر الروحي والوجود الإلهي على ذاتي لا يُبقي على شيء فيها يُذكر.
ولكن أعود فأقول إني سأبدأ بالكتابة لعلِّي أُقنعك من وراء كل ما تريد أن تعرفه عني أنني فعلاً كنتُ مُحِقّاً عندما قلتُ إن قصة حياتي هي هذا الحق الطاغي الذي بدونه تبقى نفسي سراباً ليس وراءه شيءٌ ذو قيمة.
(ومن هنا بدأ أبونا القمص متى المسكين في كتابة سيرته الذاتية التي صدرت تحت عنوان: ”أبونا القمص متى المسكين“).
[/SIZE]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
[/align]
رد مع اقتباس
المفضلات