تاريخ كوبا - الفصل الثامن
الأزمة الإقتصادية و المقاومة الشعبية حتى عام 1998
منغمسة فى التنمية و جدت الثورة الكوبية نفسها أمام إنهيار المعسكر الإشتراكى و تفكك الإتحاد السوفيتى ، و هى أحداث أثرت بشكل مأساوى على المجتمع الكوبى و بخاصة أن الإقتصاد الكوبى كان منتميا الى ذلك المجتمع. و نتج هذا التكامل عن حصارا قاسيا و غير شرعيا فرضته الولايات المتحدة على كوبا منذ بداية سنوات الثورة و هو الذى قلص و بشكل غير عادى اماكنية أقامة كوبا علاقات مع العالم الرأسمالى . و فى عام 1989 كان 85% من المعاملات التجارية الكوبية مع الإتحاد السوفيتى و باقى دول المعسكر الإشتراكى ، و وفقا لهذا التبادل أعتمدت التجارة على أسعار عادلة متجنبه بذلك التبادل غير المتساو و الذى يميز المعاملات مع الدول الرأسمالية المتطورة. و فى نفس الوقت كانت تضمن إمدادها بالتكنولوجيا و الحصول على قروض بشروط ميسره و مدد كافية.
و مع إنهيار الإشتراكية فى أوروبا و تفكك الإتحاد السوفيتى فى فترة قصيره للغاية ، قلصت كوبا قدرتها الشرائية من 8 مليار و 139 مليون بيسو فى عام 1989 الى 2 مليار بيسو فى عام 1993.
يمكننا القول أنه منذ يوليو 1989 ، حذر القائد العام فيديل كاسترو من قرب إمكانية إختفاء المعسكر الإشتراكى و كذلك إقتراب إحلال الإتحاد السوفيتى ، وفى اكتوبر 1990 عملت الإدارات على مواجهة الفترة الخاصة وقت السلم ، و هذا كان مفهوم المبدأ العسكـــــرى ل " حرب لكافة افراد الشعب" و المتعلق بإجراءات لمواجهة الحصار الشامل ، الضربات الجوية، الإستنزاف المنظم و كذلك أمكانية حدوث غزو وشيك.
و فى عام 1991 ، أقيم المؤتمر الرابع للحزب الشيوعى الكوبى ، حيث درس الوضع و حدد ضرورة إنقاذ الوطن و الثورة و الإشتراكية ، الإنجاز الذى أريق من أجله الكثير من الدماء و التضحيات و الجهود تكبدها الشعب الكوبى على مدى أكثر من 100 عام من الكفاح.
و فى هذا المؤتمر، إتخذت قرارات هامة ذات صلة بتعديل الدستور و هيكل الحرب و اقاموا القواعد الإستراتيجية للمقاومة و بداية الإسترداد.
فى تلك الإستراتيجية تم تنفيذ سلسلة من الإجراءات التى هدفت رفع الكفاءه الإقتصادية و التنافسية و المالية الداخليه و حلول للديون الداخلية و إعادة الإندماج فى الإقتصاد الدولى و تشجيع إستثمارات رأس المال الخارجي و تقوية الشركات الحكومية الكوبية و هوشرط حيوى بدونه لن تبقى الإشتراكية ، كما درست الحاجة توسيع و إتقان التغيرات الإقتصادية الضرورية بشكل تدريجى و منظم.
و كما هو متوقع فإن الإيمبريالية الأمريكية و الجماعات المنشقة فى ميامى متضايقين من حقيقة المقاومة الكوبية ، شددوا من تصرفاتهم لتشويه الثورة و لزعزعتها و لتشديد الحصار الإقتصادى أكثر فأكثر.
و هكذا فإنه فى منتصف عام 1992، وافقت الحكومة الأمريكية على قانون توريسيلي ، بين إجراءات أخرى تعطى لرئيس الولايات المتحدة السلطة لتطبيق عقوبات إقتصادية على دول لديها علاقات تجارية مع كوبا و تمنع قيام فروع لشركات أمريكية مقيمة بدولة ثالثة من التجارة مع كوبا . و يشكل هذا القانون خطوه فى محاولة لإخضاع الشعب الكوبى من الجوع.
و مع ذلك ، و برغم قانون توريسيلى ، بدأت كوبا فى توسيع تجارتها و الحصول على تمويلات لإقامة أنشطة إقتصادية و بدأت شركات من دول أخرى القيام بإستثمارات و إقامة علاقات إقتصادية مع كوبا.
من جانب أخر، فى فبراير 1993، أكثر الأعوام حده فى فترة الأزمة، أجريت إنتخابات أظهرت نتائجها التى لا تدحض التأييد الشعبى للثورة بمشاركة 99،7% ممن لهم حق الإنتخاب ، 7,3% تركوا بطاقاتهم بيضاء أو ملغاه.
و مع ذلك فإن العصابة المعادية لكوبا بالولايات المتحدة تحاول من جديد تدبير إنقلاب داخلى و القيام بأعمال إرهابية وتخريبية و تسلل لعملاء من وكالة الإستخبارات الأمريكية و تكثيف الحملة الدعائية ضد كوبا. أكثر من ألف ساعة إرسال للراديو موجهة نحو كوبا و شجعوا على الخروج غير الشرعى من البلاد و بخاصة الذى سيتم من خلال سرقة المراكب و كذلك الطائرات.
و أخيرا فى يوليو 1994 نتيجة لزيادة سرقة المراكب من جانب أشخاص مضغوطين من الوضع الإقتصادى و كانت هناك حالات قتل فى تلك الأثناء. و تمت سرقة لنش 13 مارس و على متنه 60 شخصا بهدف السفر الى الولايات المتحدة الأمريكية و بالرغم من التحذير بسؤ حالة المركب ، بدأ الهروب و خرج لتتبعه مراكب أخرى أصطدم أحدهم ب المركب 13 مارس ، وحدث تصادم و حاولت كافة المراكب التى وصلت للمكان إنقاذها ، و لكنهم لم يستطعيوا إنقاذ 30 فردا و منذ تلك الحادثة شنت حملة كبيرة تتهم الحكومة الكوبية بتدبير غرق المركب
و امام تلك التصرفات قررت الحوكمة الكوبية عدم منع الخروج غير الشرعى و هو ما أجبر الإدارة الأمريكية على الجلوس على مائدة المفاوضات و التوقيع فى 9 سبتمبر 1994 على اتفاقية الهجرة مع كوبا. بعد مرور 36 عاما رأت الولايات المتحدة ضرورة وضع حد لعدم تشجيع الخروج غير الشرعى من البلاد.
و فى يوليو 1995 أ عطى الشعب الكوبى دليلا جديدا على وحجته و تأيدة للثورة ، و ذلك فى الإنتخابات التى أجريت لإختيار أعضاء السلطة الشعبية
و برغم الحملة التى أنتشرت للدعاية الرجعية ، بعدم التصويت فى الإنتخابات فإن 97,1% من الناخبين الذين حق لهم التصويت فى الإنتخابات ذهبوا الى صناديق افقتراع ، 7% منهم تم إلغاء تصويتهم و 4،3% تركوا بطاقاتهم بدون إختيار ، أى أن أكثر من 87% من الناخبين أعربوا عن تأيدهم للثورة
الإحباطات التى أصابت العصابة المعادية للثورة بالمنفى و بعض قطاعات الحكومة الأمريكية، بعد السراب الناجم عن إنهيار المعسكر الإشتراكى ، عادوا و هم يحلمون بمشروع قانون لنفس الرجل و هو قانون هيلمس بورتون؟.
و يفرض هذا القانون حصارا إقتصاديا شاملا و مطلقا و ذو طابع دولى . كما يحاول إعاقة إقامة إستثمارات أجنبية فى كوبا و يقطع أى نوع من التمويل الخارجى , و يفرض العديد من العقوبات على شركات و رجال أعمال لديهم علاقات إقتصادية مع كوبا ، بالإضافة الى إعطاءه شرعية لمساندة الولايات المتحدة للمجموعات المعادية للثورة الكوبية ، كما يعطيها الحق فى تقرير أى نوع من الحكومة و المجتمع و العلاقات يجب أن تتخذ كوبا بعد إنهيار الثورة. و فى النهاية فهو ينوى إخضاع الشعب الكوبى من الجوع، و فى الواقع فهو ينوى إدماجه مع الولايات المتحدة
و بعد تصديق الكونجرس الأمريكى على القانون ، أنتهزت الجماعات اليمنية المتطرفة الحادثة التى شجعتها العصابة المعادية للثورة و المقيمة فى ميامى و المسماه " أخوان الإنقاذ" ، عندما فى 24 فبراير 1996 أسقطت طائرتان كانت قامتا فى العديد من المرات بالإعتداء على المجال الجوى الكوبى و هو ما تسبب فى تحذير كوبا لحكومة الولايات المتحدة من توابع ذلك، للضغط على الإدارة الأمريكية للتوقيع على القانون و الذى دخل فى حيز التنفيذ فى أغسطس من نفس العام. و هو ما أثار حفيظة ليس الشعب الكوبى فقط بل كافة شعوب العالم و كذلك المنظمات و المؤسسات الدولية و الدليل على ذلك ، التصويت ضد الحصار الأمريكى على كوبا سنويا فى الأمم المتحدة، و إتفاق منظمة الدول الأمريكية على رفض قانون هيلمس بورتون، بالإضافة الى مواقف دول مثل المكسيك و كندا و الإتحاد الأوروبى و مجموعة ريو.
كوبا بالرغم من الأثار السلبية و خلق وضع أكثر تعقيدا و صعوبه ناجم عن تنفيذ هذا القانون ، إستمرت فى تطبيق إستراتيجيتها ، بالتدريج و بهدؤ و حزم إستطاعت إيقاف التدهور الإقتصادى و تحقيق تقدما متدرجا خلال السنوات التالية.
و من جانب أخر تم الحفاظ على نظام الصحة و التعليم و التأمينات الإجتماعية، فلم يقعد أى كوبى بلا عمل . و فى عام 1997 إنخفضت حالات الوفاة بين الأطفال حديثى الولادة الى 7,3% بين كل ألف طفل و إرتفع متوسط عمر الفرد الى 75عاما
و فى يناير 1998 ، أجريت إنتخابات لإختيار نواب الجمعية الوطنية للسلطة الشعبية ( البرلمان) و أعضاء الجمعيات بالمحافظات. و صوت بها 98,35% من الناخبين و تم إلغاء فقط 1,64% من البطاقات الإنتخابية و 3،36% تركوا بطقاتهم بيضاء و هو ما يعنى صحة 95% من التصويت.
94.39% من نسبة التصويت كانت لصالح القوائم الجماعية أى قوائم المرشحين المقترحين من جانب لجنة الإنتخابات القومية.
و فى النهاية ، فإن كافة التصرفات الإيمبريالية و المعادية للثورة تهمل شيئا حيويا فى تاريخنا و هو قدرة الشعب الكوبى على المقاومة و ذكائه و قدرته على إدارة الثورة و عدالة كفاح هذه الدولة من أجل إستقلالها
المفضلات