[frame="14 98"]مواجهة مع المحبة
"المحبة لا تطلب ما لذاتها" 1كو5:13
المحبة هي أكثر المواضيع التي يجري الكلام عليها والخلاف حولها.غالبية الناس تصف علاقاتها بأنها محبة بينما يشك الآخرون بهذه المحبة.وأبشع العبارات هي تلك التي تجمع بين نقيضين:بين القلب وبين الكذب أي "المحبة الكاذبة" لأن أجمل ما في المحبة هو الصدق.فكما لا يجتمع النور مع الظلمة لا تجتمع المحبة مع عدم الصدق.إذاً المحبة الكاذبة هي أبشع العلاقات الإنسانية ونحن نرفضها.
هناك ثلاث صدمات تصعقنا عندما نفحص صدق محبتنا في علاقاتنا.ودون أن نمر في هذه الصدمات ونتجاوزها ونغلبها لن نعرف حقيقة المحبة.هذه الصدمات التي علينا أن نواجه ذاتنا بها هي:
1 أننا نطلب في المحبة أن نُحَبّ وليس أن نحب،لذلك العديد من الناس يتشكون دائماً ويعاتبون لقلة محبّة الآخرين لهم.وعديدون هم من يشعرون أنهم يحبون أكثر بكثير مما يُحَبّون.وكثيرة هي الخبرات واللحظات والعلاقات التي حين نقيّمها نستنتج أننا محبّون جداً لكن الآخرين مقصرون جداً في مقابلة هذه المحبة.وهذا يلحقه إما العقاب أو الصراع أو في أحسن الأحوال الصمت على هذا الجرح في القلب،مبررين هذا الصمت بتقوى مزيّفة فريسيّة.
*الشعور:الذي ينتاب المحب بهكذا محبة مرات عديدة هو الوحدة والعزلة.يعيش في الجحيم الذي هو نتيجة هذه المحبة الخاطئة.ولكن الحقيقة أن الجحيم هو"محبّة الذات" (شبه الجحيم بغرفة كلها مرايا أينما التفت الإنسان إليها لايرى إلاّ وجهه وحده).كثيرون يعتقدون أن مشاكلهم ناجمة عن أنهم يحبون الناس ويقدمون الكثير ولكن الآخرين لا يقابلون هذه المحبة بما يجب أو يكفي.ولكن الحقيقة أن المشاكل الناجمة هي بسبب محبتهم لذاتهم وأنانيتهم.أكثر الظواهر برهاناً على الأنانية هو ترداد تلك العبارة
(أنا أحبهم كثيراً لكنهم لا يحبونني)).ولكن إن تفحص الإنسان بدقة وعمق هذا الأمر سوف يكتشف وهو أمر ليس سهل أنه يمارس المحبة بشكل مغشوش وسيكتشف أنه كان مقتنعاً من أعماقه أنه محب جداً! محباً كهذا يحيا في الألم والانتظار،في ألم العزلة والعتب على الآخرين وفي انتظار تبدّل الآخرين وتحولهم إليه بتلك المحبة التي ينتظرها.سوف يطول الانتظار لأن السبب الحقيقي ليس في محبة الآخر لنا ولكن في محبتنا للآخرين.اللقاء هو عكس العزلة واللقاء لا يتم إلا عن طريق المحبة. العزلة هي الشعور بأننا غير محبوبين.إذاً اللقاء مع الآخر والخروج من العزلة لا يتم بالانتظار وإنما بالانطلاق أي بالمبادرة إليهم وهذه المبادرة هي بداية المحبة الحقيقية.المحبة التي تعرف أن تحب دون أن تسأل عن المردود وتعرف أن التطلب لمحبة الآخرين هو أنانية وليس تبادل محبة.ما يتعبنا ليس غياب محبة الآخرين(وقد تكون موجودة لكننا لا نشعر بها)ولكن(روح التطلّب)لمحبتهم لنا.ونسمي ذلك محبة وهو بالحقيقة"حبّ الذات".المحبة هي حبّ الآخرين.لا يستطيع أن يحب حقاً إلا من رفض أنانيته وتفضيله ذاته على الآخرين ليوجه هذا الحب لمن يستحقونه ويحتاجونه وهم الآخرون.وكلما مشى في هذه المسيرة كلما صار قادراً على المحبة أكثر.مثال من الإنجيل:الابن الأكبر.أصلي إلى الله أن يكشف محبتي له"المحبة لا تطلب ما لذاتها"
2 محبة الذات عبر محبة الآخرين:مثلاً أحبت أم ابنها فأسرته.وأحب واحدٌ صديقه فاستأثر بهولم يحررّه.ويخلطالناس بين"إشباع المشاعر"وصفاء المحبة.بولس الرسول يعطي معيار دقيق لتقييم محبتنا:المحبة تتخلى ولا تطلب.المحبة من تخلًًّ عن الذات والرغبات وليس إشباعاً لها.من أمثال هذه المحبة:المحبة من أجل المجد ومن أجل المصلحة ومحبة الأهل للأولاد قد تكون أحياناً من نوع هذه المحبة؟هذه المحبة تحب في الأخر الرابط وليس الآخر.فإن بدل الأخر الرابط.الذي نحبّه تنقلب محبتنا له إلى وبال عليه مثلاً ابنة تركت والدتها أو أخ نسي أخاه؟بالنسبة للمحبة المسيحية فإنها تحفظ له المكانة ذاتها،كما حفظ الأب محبته لابنه الضال.بينما محبة من لون تلك المحبة الطبيعية تنقلب على الآخر بالحقد والانتقام.مثال من الإنجيل:الفريسي،يهوذا والفقراء،الابن الأكبر أيضاً محبة الذات التي تظهر جلياً عندما يتقدم الآخر الذي كان أخيراً علي أنا الذي كنت أولاً.....
3 أن المحبة تحرر.وغياب الحرية دليل على نقص في المحبة."أحبب واصنع ما تشاء"!تمنح المحب الجرأة والحرية.المحب جريء لا يخشى حتى الخطأ والمحبوب كذلك لا أخشى خطأه تجاهي.لأن الخطأ في المحبة(وإن حصل)ليس خطيئة.الجرح في المحبة كالخدش على سطح الماء..المحبة هي التي تحب كل آخر فيه صورة الله،من أجل الله،وتجد هذا الآخر مستحقا للمحبة ومفضلاً عليها،ومن كل القلب بغضّ النظر عما يقدمه لي وإن كان يحبني أولاً،محسناً إليَّ أو مخطئاً معي...كل آخر هو ابن العلي وأخ لي...كل آخر هو حبيب للمسيح مات على الصليب من أجله كما مات من أجلي...كل آخر هو حبيب ينتظره المسيح ويريده كما ينتظرني ويريدني...كل آخر هو فرح يسوع وغيابه حزن وإن كنت أنا موجوداً...من يحب الأب يحب الأبناء...ومن يحب الأب يفرح لفرحه وهو أن يكون كل أولاده معه...مثال من الإنجيل:الأب،قصة الملكوت امتلأ...الآباء الروحيين أيضاً..استفانس،القديسين والشهداء. فقط من منظور هذه المحبة يمكننا أن نفهم نشيد بولس الرسول الشهيد:المحبّة تتأنى وترفق،المحبة لا تحسد،المحبة لا تتفاخر،ولا تقبّح ولا تفرح بأخطاء الآخرين وتحتمل وتصدّق كل شيء وترجو كل خير...نعم هذه"المحبة لا تسقط أبداً".
هذه فرصة لنراجع ذواتنا وصدق محبتنا...فيولد فينا(مع ميلاد المسيح)رغبة جديدة وحب جديد...يليق بالمسيح وأبنائه....المسيح الذي جاء ليجدد فينا كل شيء وأولاً محبتنا. [/frame]
المفضلات