8- قال إنه صاحب كل سلطان في السماء وعلى الأرض:
فلقد قال المسيح لتلاميذه بعد القيامة:
«دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض» (مت28: 18).
من هو هذا الذي له كل السلطان في السماء وعلى الأرض؟ أ يمكن أن يكون مجرد مخلوق محدود، ويُسَلم له كل السلطان لا في الأرض فقط، بل في السماء أيضًا، حيث مسكن الله؟
أ يمكن أن يكون هذا الشخص صاحب السلطان المطلق في الأرض وفي السماء شخص آخر غير الله؟
قال أحد المفسرين: ”أن يُعطى مجرد مخلوق، مهما سما، كل السلطان في السماء وعلى الأرض، هو تعليم أكثر صعوبة بما لا يقاس، من التقرير بأن المسيح هو الله. فإن العبارة الأولى تتضمن فكرين متنافرين ولا يمكن جمعهما معًا على الإطلاق“.
9- المسيح قال إنه واحد مع الآب والروح القدس:
فلقد قال المسيح أيضًا لتلاميذه بعد قيامته من الأموات:
«اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» (متى 28: 20).
وعبارة «عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس» تتضمن تعليمًا عظيمًا، يعتبر قمة الإعلان في الإيمان المسيحي، أعني به وحدانية الله، وثالوث أقانيمه. فالله واحد، لكن وحدانيته ليست مطلقة ولا مجردة بل جامعة مانعة. ولذلك فقد قال لتلاميذه هنا: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآ ب والابن والروح القدس». إنه لا يقول: ”عمدوهم باسم الله“، فهذا هو الإيمان اليهودي غير الكامل، ولا يقول عمدوهم بأسماء الآب والابن والروح القدس، كأن هناك أكثر من إله واحد، فتعدد الآلهة هو مفهوم وثني، وهو مفهوم خاطئ وفاسد، بل يقول: «عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس». هذا هو التعليم العظيم الذي يُميِّز المسيحية عن كل من الوثنية واليهودية؛ فالأولى تعلم بتعدد الآلهة، والثانية تعلم بوحدانية مجردة مطلقة، وأما المسيحية فتعلم بوحدانية جامعة مانعة، تجعل الله الواحد ليس في حاجة إلى خليقته ليمارس معها صفاته الأصيلة. فالله واحد في جوهره، لكنه ثالوث في أقانيمه. لذلك قال المسيح لتلاميذه، عندما يتلمذون الأمم، أن يعمدوهم ”باسم الآب والابن والروح القدس“.
ولقد تم هذا الإعلان عن الله في المسيحية، ففي اليهودية لم يكن قد جاء بعد وقت الإعلان الكامل عن الله، حيث يقول البشير يوحنا: «الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر» (يوحنا1: 18).
لقد أعلن الكتاب المقدس حقيقة الوحدانية والتثليث معًا، فالله واحد في ثالوث وثالوث في واحد. الجوهر واحد، ولكن التعينات (أو الأقانيم) ثلاثة. وهذا الأمر، وإن كان يسمو على العقل، لكنه ليس ضد العقل.
10- قال المسيح إنه الموجود دائما أبدًا
فلقد قال لتلاميذه:
«وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر» (متى 28: 20)
في متى 18: 20 يتحدث المسيح عن وجوده في كل مكان، والآن في متى 28: 20 يشير المسيح إلى وجوده في كل زمان.
من ذا الذي يملأ الزمان والمكان سوى الله كلي التواجد. فأن يعد المسيح تلاميذه بأنه معهم كل الأيام، إلى انقضاء الدهر، فهذا معناه أن «يسوع المسيح هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد» (عبرانيين 13: 8).
ومن هذا فإننا نرى أن الأقوال الختامية لإنجيل متى تحمل لنا أدلة متنوعة على لاهوت المسيح، فيذكر أولاً أنه موضوع سجود الأتقياء، إذ يقول عن تلاميذه إنهم لما رأوه سجدوا له. وثانيًا: أنه كلي السلطان، ليس في السماء فقط ولا على الأرض فحسب، بل في السماء وعلى الأرض، وهذه أيضًا واحدة من خصائص الله. وثالثًا: هو كلي التواجد، لا يخلو منه زمان ولا مكان، إذ قال لتلاميذه: «أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر»، ونعلم أن هذه أيضًا واحدة من الخصائص الإلهية. فليس ملاك ولا إنسان يقال عنه إنه موجود في كل مكان وكل زمان.
ومن الجميل أن إنجيل متى يبدأ بمولد ابن العذراء الذي دُعي «اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا» (متى 1: 23)، ويختم الإنجيل بقول عمانوئيل نفسه إنه مع تلاميذه كل الأيام إلى انقضاء الدهر!
المفضلات