رابعًا: أن يقوم بعمل الفداء.
إن القصد الأهم لتجسد المسيح هو أن يقوم بعمل الفداء. قال الرسول: «إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهماـ لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية» (عبرانيين 2: 14و15).
لو لم يصبح المسيح إنسانًا لاستحال عليه أن يموت، فالله له وحده عدم الموت، ولاستحال أن يمثل الإنسان أمام عدالة الله. ثم لو أنه كان مجرد إنسان لما كانت فديته مقبولة ولا كافية. ليست مقبولة لأن نفسه في تلك الحالة لا تكون ملكه هو، بل ملك الله الذي خلقها، وبالتالي لا يصلح أن يقدمها لله. ولا تكون كافية لأن الإنسان محدود، وأما الخطأ الذي ارتكب في حق الله - غير المحدود - هو أيضًا غير محدود. ولكن نظرًا لأن المسيح هو الله والإنسان في آن، أمكنه – كما رأينا الآن - أن يكون الوسيط، وأمكنه أن يكفر بموته عن خطايا كل المؤمنين، بل وكل العالم أيضًا (1يوحنا2: 2). وهو ما سنركز عليه حديثنا الآن.
المسيح الذبيح
لقد عرف الإنسان منذ القديم أن طريق الاقتراب إلى الله هو بالذبيحة. والكتاب المقدس يعلن ذلك بدءًا من السقوط في الجنة، عندما كسا الرب الإله آدم وامرأته أقمصة من جلد ذبيحة (تكوين 3). ثم مورس تقديم الذبائح بمجرد خروج الإنسان من الجنة، في قصة أول أخوين نقرأ عنهما في الكتاب المقدس، هما قايين وهابيل (تكوين 4).
صحيح انحرف الشيطان بهذا الفكر وشوهه، كما هي عادته، ولكن انتشاره في كل الوثنيات بل وفي أقدم ديانة وهي اليهودية، يؤكد أن مصدره إلهي. ونحن نتذكر قصة إبراهيم الشهيرة مع ابنه، وكيف افتدى الرب هذا الابن بالذبيحة، وكان هذا العمل تأكيدًا لفكرة الكفارة في الذبيحة، باعتباره الطريق الذي ارتآه الله بما يتناسب مع قداسته وعدله.
ويجب أن نلاحظ هذا جيدًا أن الذبائح الحيوانية التي مورست في العهد القديم لم يكن لها في ذاتها أية قيمة تكفيرية، فكيف يمكن للبهائم التي تُباد، والتي ليس لها أرواح خالدة، أن تفدي الإنسان الخالد من الموت الأبدي؟ لهذا ترد كلمات الرسول القاطعة: «لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا» (عبرانيين10: 4).
لكن إذا لم يكن لتلك الذبائح الحيوانية - في ذاتها - أية قيمة تكفيرية عن مقدميها، فليس معنى ذلك أنه لم يكن لها أية قيمة على الإطلاق. فهي بررت من قدّمها بالإيمان (عبرانيين11: 4)، وذلك لقيمتها الرمزية، إذ كانت تشير إلى ذبيحة المسيح المعروف سابقاً قبل تأسيس العالم (1بطرس1: 18). ومن هذه الزاوية فإنها كانت تشبه إلى حد ما بطاقات الائتمان التي نتعامل بها اليوم. إن القيمة الحقيقية لهذه البطاقات ليس في قطعة البلاستيك المصنوعة منها، بل لما لها من رصيد نقدي في البنك الذي أصدر تلك البطاقة. هكذا كانت تلك الذبائح مقبولة عند الله لأن لها رصيدًا في دم المسيح، الذي وإن لم يكن قد مات بعد، لكن الله ليس عنده ماضٍ وحاضر ومستقبل نظير البشر، فهو يرى ما لم يحدث كأنه حدث، بل يرى النهاية من البداية.
إذًا فلم تكن كل ذبائح العهد القديم التي قدمت، سوى رمز باهت لذبيحة ربنا يسوع المسيح العظمى. وما إن ولد المسيح في ملء الزمان، ثم خرج للخدمة، فإن يوحنا المعمدان أشار إليه بالقول: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يوحنا1: 29).
الفادي الذي يصلح للفداء
نرى من هو الفادي الذي يصلح لفداء الإنسان؟
1- هل تنفع ذبيحة حيوانية؟ إذا كانت الكفارة تعني الستر والغطاء، فلا يصلح أن تكون الذبيحة أقل في قيمتها من قيمة الإنسان ليمكنها أن تكفِّر عنه، أي تغطيه وتستره. وعليه فلا تنفع ذبيحة حيوانية (عبرانيين10: 3).
2- هل ينفع إنسان عادي؟ يجب أن يكون الفادي خاليًا من الخطية. فلو كان خاطئًا، لاحتاج هو نفسه لمن يكفِّر عنه وما صَلُح لكي يفدي غيره. وعليه فإن الإنسان العادي، نظراً لأنه مليء بالعيوب، لا يصلح لكي يكفِّر عن البشر.
3- هل ينفع إنسان بار؟ مع أن كل البشر خطاة، وليس بار ولا واحد (رومية3: 10). لكن على فرض وجود الشخص البار فإنه لا يصلح أن يفدي. لأن هذا الفادي مطلوب منه أن يفدي لا إنسانًا واحدًا بل كثيرين، وبالتالي المطلوب أن تكون قيمته أكبر من هؤلاء جميعهم معًا.
4- هل ينفع أن يكون ملاكًا أو مخلوقًا سماويًا عظيمًا؟ هب أننا وجدنا مخلوقًا سماويًا عظيمًا، خاليًا من الخطية، وقيمته أكبر من قيمة الناس، فإنه أيضًا ما كان يصلح ليفدي البشر، ذلك لأن نفسه ليست ملكه هو، بل ملك الله خالقها، وبالتالي فلا يصح أن يقدِّم لله شيئًا هو ملك الله أصلاً.
ومع ذلك فإنه ينبغي ويتحتم أن يكون الفادي إنسانًا لكي يمكنه أن يُمثِّل الإنسان أمام الله. فيا لها من معضلة!
من أين لنا بمثل هذا الشخص العجيب الذي يجمع كل هذه المواصفات معًا: إنسان، وخالٍ من الخطية، غير مخلوق، وقيمته أكبر من كل البشر مجتمعين!!
أحجية وحلها
لكن إن لم يكن عندنا نحن البشر حل لتلك الأحجية، أفلا يوجد عند الله حل؟ وإذا كانت قد غلقت على البشر إلى الدهر (مزمور49: 8)، فهل استغلقت أيضًا على الله؟ (راجع مزمور68: 20). لما تساءل القديسون الأقدمون: «كيف يتبرر الإنسان عند الله، وكيف يزكو مولود المرأة؟» (أيوب9: 2، 3؛ 25: 4)، ولما لم يعرفوا حلاً لهذه الأحجية، تقدم أليهو - وهو واحد من أصحاب أيوب - بهذا الإعلان العجيب: «إن وُجد عنده (عند الله) مرسل، وسيط، واحد من ألف ليعلن للإنسان استقامته (أي استقامة الله أو بر الله)، يتراءف عليه ويقول: أُطلقه عن الهبوط إلى الحفرة. قد وجدتُ فدية» (أيوب33: 23، 24)، وكأن أليهو يريد أن يقول: ”لو أن الله قصد أن يرتب للبشر من يفديهم، وأرسله من عنده، عندئذ فقط يمكن حل الأحجية“.
فهل وُجد مثل هذا الشخص عند الله؟ نعم، يقول الرسول: «عالمين أنكم أفتديتم»، ثم يذكر لنا من هو الفادي: «المسيح، معروفًا سابقًا قبل تأسيس العالم» (1بطرس1: 19، 20).
إن هذا المُصالِح أمكنه أن يضع يده على الله والناس في آن واحد، وذلك لأنه معادل لله ومعادل أيضًا للناس.
لو لم يكن هو الإنسان لما أمكنه أن يكون نائبًا عن البشر، يحمل خطاياهم ويحتمل دينونتها بالنيابة عنهم. ولو لم يكن هو الله، أو كان هو أقل، ولو قيد شعرة من الآب، لما أمكنه قط أن يوفي الله كل حقوقه.
إذًا فلقد تجسد ابن الله، وقَبِلَ أن يموت فوق الصليب نيابة عن الخطاة، ليمكن لله القدوس أن يقدم أساسًا بارًا وعادلاً لتبرير المذنب الأثيم. هذا المذنب الأثيم ليس أحدًا آخر بخلافنا، أنا وأنت، أيها القارئ العزيز!
لقد سبق الرب وأعلن لموسى قائلاً: «الرب إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب، وكثير الإحسان والوفاء. حافظ الإحسان إلى ألوف، غافر الإثم والمعصية والخطية، ولكنه لن يبرئ إبراء» (خروج34: 6و 7). وهذه العبارة تدل على أن غفران الله للبشر لا يمكن أن يكون من دون أساس، فهذا الأمر يتعارض مع عدل الله، وليس بقبول الخاطئ على حاله، فهذا الأمر يتعارض مع قداسة الله!
إن قداسة الله تعتبر الخطية نجاسة يجب تغطيتها من أمام عيني الله. كما أن بر الله يعتبر الخطية تعديًا، وكل تعد يجب أن ينال مجازاة عادلة (عبرانيين2:2)، وبهذا يجب أن تتم ترضية عن التعدي الذي حدث. وهذا هو المدلول المزدوج للكفارة: “تغطية وترضية”، تغطية من أمام عيني الله نظرًا لقداسة طبيعته، وترضية لغضبه العادل نظرًا لبره.
وللأسف، كان الإنسان نتيجة سقوطه وشرِّه، متجَنِّبًا عن الله بسبب ضمير الخطايا الذي كان يشعره بالرعب من الله (عبرانيين 10: 2، 22)، والله كان متجنبًا عن الإنسان بسبب الغضب، غضب الله على جميع فجور الناس وإثمهم (رومية1: 18). وموت المسيح الكفاري والنيابي رفع الخطايا وسكَّن الغضب، فأصبح بإمكان الله أن يتقابل مع الإنسان الخاطئ. في كلمات أخرى، فإنه بناء على كفارة المسيح أمكن لله أن ينظر إلى الإنسان بدون غضب، وأمكن للإنسان أن ينظر إلى الله بدون خوف. إذ إن الخطية تغطت، والله ترضى.! أ يوجد خبر أروع من هذا!
ولقد تكفَّل الله بالعمل كله. فإن كان بر الله وقداسته استلزما الكفارة، فإن محبة الله ونعمته جهزتاها. وكما أن قداسة الله جعلت الصليب حتميًا، فإن محبة الله هي التي جعلته ممكنًا.
المفضلات