تأملات' لما رأي إيمانهم'
شفاء المخلع ( مرقس 1/1 - 12 )
يأتي تأملنا في صباح هذا الأحد المبارك من إنجيل القديس مرقس الفصل الثاني ويضعنا الإنجيلي أمام مشهد مخلع يحمله أربعة أشخاص والأربعة هنا هم رمزا إلي الجماعة والجماعة قد تكون العائلة , الكنيسة , المجتمع وهناك جرح والجرح يخص الأربعة وهم يحملون الجريح لأنهم يعتبرون جرحه جرحهم. وفي واقع الأمر أن كلا من هؤلاء الخمسة أخذ جرح الآخر علي عاتقه: إنه شعور بوحدة الجرح البشري.
وقد يكون الجرح هو الخطيئة فالخطيئة هي نصيب مشترك وكل من البشر يشارك في خطيئة كل من الآخرين . لذلك يحمل بعضهم خطايا البعض ومعا يسعون ويسيرون نحو الخلاص بيسوع المسيح.
لكن الأربعة يحملون مريضا مشلولا , وهذا المريض لا يمثل عبئا ثقيلا لا رجاء فيه , وإلا تعبوا ووقعوا في اليأس. إن ما يحركهم باتجاه يسوع الشافي هو الإيمان بأن هذا الرجل يمتلك قدرة علي الشفاء شفاء الذات وشفاء الآخر وقوة الرجاء التي بداخل كل منهم دفعته للسير نحو المخلص .
إن ما يجمعهم و يحركهم هو إيمانهم بشخص يسوع المسيح الشافي وإيمانهم ببعضهم البعض , ومحبتهم لبعضهم البعض ورغبة كل منهم في الحصول علي خلاصه وخلاص الآخر.
اخترقوا جميع الحواجز وتخطوا جميع الصعوبات لأنهم جماعة , اتحدوا في وحدة الهدف والمصير , ونال كل منهم الخلاص والشفاء لأن كلا منهم يحمل الآخر, كما يحمل نفسه في الوقت ذاته فأنا عندما أخذ الآخر إلي يسوع آخذ نفسي أيضا وأقدمه له ليلمسه أو بكلمة يشفيه.
ربما يأتينا السؤال الغريب حول هؤلاء الأربعة الذين يحملون المريض أليسوا هم المرضي الحقيقيين؟
وقد حملوا المخلع كذريعة , يختبئون وراءها لكي يذهبوا إلي يسوع ويشاهدوه ويسمعوا كلامه , وينالوا هم أيضا الشفاء.
ويحصلون علي كلمة من يسوع ,وتكون هذه الكلمة ,كلمة مخلصة وشافية ' كان يخاطبهم بالكلمة ' لقد اخترقت كلمة يسوع نفس المخلع ' مغفورة لك خطاياك ' فحررته من الخطيئة كما شفت جسده من العجز. واخترق الشفاء المشلول وذهب إلي الأربعة ليشفيهم هم أيضا و هكذا جميع الحاضرين , فآمنوا ومجدوا الله. فالإيمان هو الشفاء الأعظم به تنال كل نفس الخلاص. لذلك لكي يحدث لنا هذا الخلاص, علينا أن نعترف بواقعنا المريض المشلول أن نقر بخطيئتنا وضعفنا, ونتحد مع إخوتنا في العائلة البشرية الجريحة. و نسير معا نحو يسوع حاملين بعضنا البعض لننال منه الشفاء. مغفورة لك خطاياك. أقف أمام الآخر و علي أن أنظر إليه و كأنه هو يسوع المجروح أمامي , و أن أحمله وأذهب معه إلي يسوع وبالأخص أن أؤمن بأن الآخر قابل للشفاء و التغير بقدرة يسوع المغير والشافي . فعلي أنا أن أؤمن بأن يسوع قادر علي أن يشفيه و يحرره.
إن مشكلة الإنسان المعاصر أنه شخص مجروح , و يعاني بصمت فجرحه جعله يشك بالآخرين و خوفه أن يتكرر الجرح جعله ينغلق , وهذا ما يزيد ألمه. الإنسان المعاصر هو دائما شخص مهدد بالمعاناة من الجرح والعزلة.
وهو بحاجة إلي من يتبناه و يسعي لشفائه أما الاكتفاء بالذات والانفصال عن الآخرين يجعل الفرد ينغلق علي جرحه و ضعف خطيئته , فيستمر مكانه و لا يستطيع التقدم باتجاه يسوع لينال الشفاء. هذا الانفصال يجعل الإنسان عاجزا.
إنها خبرة المخلع مع جرحه يكتشف الفرق بين الجموع و الجماعة. الجموع هو تجمع عشوائي لا يجمعهم شيء سوي وجودهم في مكان واحد . بعضهم وجدوا هناك عن حب استطلاع أو تطفل أو لغاية خبيثة, أو حتي صدفة. أما الجماعة فيجمعهم التفاهم و التميز و الرأي المشترك, ووحدة الهدف .
فموقف الجماعة هنا هو موقف إيمان ' ولما رأي يسوع إيمانهم ...' يسوع لا يتحدث عن إيمانهم به ربا ومخلصا فقط بل يتحدث أيضا عن إيمانهم بالشخص الجريح و إيمانهم بإمكانية شفائه .
الإيمان الذي يفعل المستحيل الذي يخترق الحواجز , ليبلغ بالجريح إلي الشفاء ليشاركوا هم بأنفسهم في صنع المعجزة.' أعطوهم أنتم ليأكلوا '
أما فيما يخص الخطيئة, من نظرة مسيحية عملية, هي رفض الله كأب, رفض الحب الأبوي, أي رفض النعمة الإلهية, والعيش في عزلة عقلانية. ما أحزن الأب في مثل 'الابن الضال ' هو رحيل ابنه. لقد أهان الابن أباه بحرمانه من وجوده كابن, لذلك فإن هذه الخطيئة لا تغتفر إلا بالعودة. إن الحب الإلهي المنسكب جعل الله, إذا جاز التعبير, ' قابلا للتجريح '. خطيئة هي أن نرفض النور ونحب الظلام حين جاء النور إلينا. أكبر إهانة للأب هي أن نتجاهل حبه. الخطيئة في النهاية هي في أن نحيا مدعين أننا أبناء, بينما محبة الآب فينا غير موجودة .
الحياة مع الله لا تعني أبدا مجرد أننا نعترف بوجوده, الحياة مع الله تعني أن نسعد بحياتنا معه, وبكلمة أخري أن يكون الله سعادتنا.
و في نهاية تأملنا اليوم للنظر إلي الآخر, الآخر هو يسوع الذي أمامي , هو محتاج إلي بقدر ما أنا محتاج إليه فلنقترب منه, ونحمل جرحه, وأوحد ضعفه بضعفي, وعندما نسير معا باتجاه يسوع مخترقين الحواجز و السدود و نتقبل كلمته , هي قادرة أن تحررنا وتشفينا.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
.gif)

المفضلات