ليس الكاهن موظّفاً يتعاطى، بتفويض، لا إلهي ولا بشري، القدسات. الكاهن، أوّلاً، إيقونة الراعي الصالح لخرافه. فطالما معلّمه هو القدّوس فعليه هو أن يكون سالكاً، بصدق وثبات، في القداسة. ما يأخذه من العليّ هذا وحده يعطيه للخراف. يأخذ نعمة فيعطي نعمة. يأخذ بَرَكة فيعطي بَرَكة. يأخذ نوراً فيعطي نوراً. يأخذ إحساساً بالحضرة الإلهيّة فيعطي إحساساً بالحضرة الإلهيّة. وما لا يأخذه من فوق لا طاقة له على إعطائه لأحد. بعض الناس يظنّ أنّ الكاهن يعطي البَرَكة بالنصوص، أو يظنّون أنّ جماعة المؤمنين هي التي تجعل ما يفعله الكاهن قائماً بالروح والحقّ. لا شكّ أنّ جماعة المؤمنين هي الإطار الذي يعمل فيه الكاهن والذي يشرِّع هذا العمل لأنّ الكاهن ليس قائماً في ذاته وليست الكنيسة قائمة فيه بل في الرعيّة وهو فيها. ولكنْ في علاقة الكاهن بالرعيّة هناك إزائيّة تجعله قائماً لا في الرعيّة فقط بل بإزاء الرعيّة أيضاً. هو الراعي في الرعيّة. هو صورة الراعي الصالح في الرعيّة. لذا ليس ممكناً أن يتعاطى الكاهن الرعاية كوظيفة لأنّ الوظيفة أداء، فيما رعاية الكاهن لرعيّته مرتبطة عضوياً بكينونته. الكاهن، أوّلاً، يعطي من قلبه في كلام أو في مواقف أو في حركات، في رعاية بصورة عامة. فإذا كان قلبه لله، إذا كان قلبه مسكناً لنعمة الله، فإنّه إذ ذاك، وفقط إذ ذاك، ينبثّ روح الله ونعمة الله في الكلام الذي يتفوّه به أو في المواقف التي يتّخذها أو في الحركات التي يؤدّيها. وإذا كان قلبه نجساً فلا بدّ لنجاسة قلبه من أن تشقّ طريقها، عبر الكلام والمواقف والحركات إلى خراف الحظيرة لتعثرها وتضربها بقضيب الإثم. الإنسان لا يقف عند حدود الكلام كأداة تواصل فكري. الكلام لا بالمعنى الذي يحمله وحسب بل بالروح التي يبثّها، بالنَفَس الذي ينشره. الكلام ينبع من القلب، من الكيان. والعقل أداة قائمة في هذا الكيان. ثمّ الكلام، أصلاً، في السياق الرعائي، له مرمى واحد: تنقية القلب وصولاً إلى العِشرة الإلهيّة وما يتفرّع عنها من علاقة بالآخرين. فكيف يرعى نجسُ القلب الخراف على نقاوة القلب؟ كيف يبلِّغ الراعي الرعيّة إلى مَن له الخراف إذا لم يكن مقيماً لدى السيّد والسيّد فيه؟ المسألة عملانية بحتة والكلام يأتي من تجسّد ليفضي إلى تجسّد. الكلمة التي يبثّها راعي الخراف هي كلمة نابعة من حياة وتأتي بالناس إلى هذه الحياة. المسألة بريئة من النظريّات والتصوّرات والشكليات. بعدما صار الكلمة جسداً لم يعد بإمكان الراعي، أيِّ راع، بمَن فيه الكاهن، أن يعطي كلمة غريبة عن نفسه وعن قلبه وعن سيرته، بل يعطي نفسَه كلمة. الذي قال "تعلّموا منّي فإنّي وديع ومتواضع القلب"، هذا هو الذي علّم الوداعة وتواضع القلب. والكاهن الذي ليس على وداعة وتواضع قلب، كيف بإمكانه أن يعلّمهما؟ لذا كانت الرعاية وكان التعليم وكانت الكلمة عندنا قدوةً أولاً. فإذا لم تكن الكلمة كذلك فإنّها تفقد قوّتها كطفرة كيانية. سأل تلميذ الأنبا سيصوي: قل لي كلمة! فأجابه: لماذا تطلب كلمة؟ ما تراني أفعله افعله أنت أيضاً". هذا ليس كلاماً للرهبان وحسب. هذا كلام رهبان لكل رعاية على الحقّ في المسيح.
وماذا يحدث حين يكون باطن الراعي أسود؟ مهما فعل لا يمكنه إلاّ أن يبثّ إثماً وموتاً. "مَن ليس معي فهو عليّ. ومَن لا يجمع معي فهو يفرِّق". "الروح هو الذي يحيي". ما لم نأخذ روحاً لا يمكننا أن نبثّ روحاً. "الجسد لا ينفع شيئاً" ولا النفْس ولا الفكر. حتى الصلوات التي يتلوها الراعي الأثيم والأسرار التي يؤدّيها تتعطّل في فمه. بكلام الأسقف يوحنا شاهوفسكوي "الرعاة غير المستأهلين يفقدون قوّة إقامة السرّ الكنسي، فإنّهم يُقَيَّدون، على نحو غير منظور، من يد ملاك هو الذي يدفع للتكريس الهبّة المقدّسة".
الكاهن الذي لا يسلك في مخافة الله والتوبة والصوم والصلاة والفضيلة بأمانة وثبات هذا يتحوّل من خادم للمسيح إلى خادم لضدّ المسيح، من راع للخراف إلى ذئب يبدِّدها ويهلكها.
ليست خطيئة مروِّعة، على الأرض، أكثر من خطيئة الرعاية الفاسدة. هذا ضربٌ للكنيسة من الداخل. "ويل للرعاة الذين يهلكون ويبدِّدون غنم رعيّتي يقول الربّ" (إر 23: 1). الراعي الذي يسلك في اعوجاج كياني، هذا يتحوّل من مطرح لتجلّي نعمة الله المعطاة للعالمين للخلاص إلى مطرح للشرّ الكوني لإفساد عباد الله وتعطيل عمل الله. مثل هؤلاء الرعاة الفاسدين يصحّ فيهم القول الإلهي: "أنتم من أب هو إبليس وأعمال أبيكم تعملون". مثل هؤلاء الرعاة سيُطالَب كل المؤمنين العارفين بهم وغير المبالين بما يعيثونه من فساد، وبخاصة الأساقفة الذين ساموهم ثمّ لمّا يصلحوهم ولمّا يُعتقوا خراف الرعيّة من تسلّطهم عليهم. هؤلاء لا يجوز الإبقاء عليهم رعاة، شهودَ زور، فاسدين مفسِدين، مهما كانت الأسباب البشريّة التي يمكن أن تبرِّر بقاءهم رعاة. الراعي الفاسد، على الكنيسة، بمؤمنيها ورعاتها الأمينين، أن تعمل بالصلاة والصوم والتدبير، على إصلاحه، إذا كان قابلاً للإصلاح وعلى قطعه إذا كان مصرّاً على فساده. مهما كان الثمن باهظاً يبقى بقاء الراعي الفاسد في الرعيّة آلمَ وأدهى! "فقط الذين يعرفون الراعي الواحد بإمكانهم أن يكونوا رعاة على الأرض أو في السماء "(ي. شاهوفسكوي).
وصفات الرعاية الفاسدة عديدة منها حبّ المال وتعاطي الصلوات والخِدَم الإلهيّة كسلع للبيع، ومنها الانتفاخ والمسرحة والسخرية والاستخفاف بالناس، ومنها اللهف للأغنياء وإهمال الفقراء، ومنها الكرازة بفضائل دهريّة عالميّة بديلاً عن ملكوت السموات، ومنها طلب المجد الباطل والإصرار على الكرامات الشخصيّة واستغلال الرعاة، في سبيل ذلك، موقعهم كرعاة ومنها تسييب نفوس الناس لكل مفسدة في موقف لا مبالاة بها، ومنها الخلط بين التعليم القويم والهرطقة وغير ذلك الكثير.
قرأتُ، منذ أيام، ما كتبه الأسقف يوحنا شاهوفسكوي في مؤلَّفه "المرشد إلى اللاهوت الرعائي. الراعي الأرثوذكسي" فلكأ، في نفسي، جراحاً طالما خلّفها بعض ممارساتنا الرعائية الفاسدة، هذه الأيام، ونَسْكُتُ عنها اتّقاء المزيد من العثرة. الأسقف يوحنّا روسي الأصّل، وُلد سنة 1902 وعانى بعض الثورة البولشفية. هاجر وتسقّف على سان فرنسيسكو والغرب الأميركي سنة 1961. رقد بالربّ سنة 1989. له مؤلَّفات عديدة بالروسيّة. "الراعي الأرثوذكسي" كُتب بالروسيّة في الثلاثينات ونُقل إلى الإنكليزيّة سنة 1966 ثمّ أُعيد طبعه عبر منشورات معهد القدّيس فلاديمير في نيويورك سنة 2008. ميزة الكتاب الذي ننقل فصلاً منه، في عدد هذا الأسبوع، على موقعنا، عائلة الثالوث القدّوس، في باب "الدراسات والسِيَر"، أقول ميزة الكتاب عمقه وبساطته وصراحته. عنوان الفصل في الكتاب "الرعاية الآثمة". جعلناه "الرعاة والرعاية الآثمة" ليكون أكثر دلالة على مضمون ما ورد فيه. إثر قراءته شعرتُ بأنّ السكوت والرضوخ للأمر الواقع بإزاء الرعاة المتمادين في غيّهم إثمٌ نُطالَب به في الدينونة. الكنيسة طهريّة الطابع ولا بدّ للمؤمنين من أن يُصلحوا ما اعوجّ فيها وينقّوا ما زغل حتى تبقى فينا عروساً لختنها السماوي. على هذا أحدثتُ هذه المقدّمة لذاك المقال المفيد الذي أرجو القارئ العزيز أن يقرأه بإمعان. وعندي ثقة بالربّ أن له ولنا فيه ذخراً طيِّباً.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
المفضلات