[frame="15 70"]
إن شاء أحد أن يعمل مشيئته...
القولة الكاملة التي وردت فيها العبارة المبرَزة أعلاه هي: "إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلّم أنا من نفسي" (يو 7: 17). معرفة التعليم، أيِّ تعليم، ما إذا كان من الله أم لا، تتوقّف على ما إذا كان طالب المعرفة راغباً في أن يعمل مشيئة الله أم لا. "القلب يعرف مضرّة نفسه" (أم 14: 10). القلب القويم يعرف أن يميِّز الملتوي ويمجّه. الموضوع موضوع نيّة في عمق الكيان. ليس الأهمّ أن تقرأ بل "كيف تقرأ؟" (لو 10: 26). القراءة تنفعك إذا عرفت كيف تقرأ أو لا قيمة خلاصية لها أو تؤذيك. إن كنت لِتقرأ كلام الله كأدب من الآداب الإنسانية فستتعاطاه كفكر إنساني. تستمدد منه، إذ ذاك، المعاني بما أُوتيت من قوى نفسية دماغية. تُحلّل. تُركِّب. تقارن. تستخلص نتائج. تتعاطى المعاني باعتبار الأسس المنطقية التي تحكم إعمالَك لعقلك. تحكم فيها، ولا يمكنك إلاّ أن تحكم فيها، وفقاً لما يَظهر لك منها. لا طاقة لك على أن تحكم فيها على أساس ما ليس لديك. إذاً تحكم فيها كما تظهر لعينيك الحسّيتَين أو كما تَمْثُل لقواك النفسية الدماغية. حُكمُك في الإلهيات، إذا اقتصر على المعطيات الإنسانية، باطل سلفاً، لأنّه ليس أحد يقدر، في ذاته، أن يتخطّى ما لذاته. لذا قيل: "الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنّه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنّه إنما يُحكم فيه روحياً" (1 كو 2: 14).
من هنا التحذير في شأن الظاهر للحم والدم، للحسّ والنفس والفكر سواء بسواء: "لا تحكموا حسَبَ الظاهر..." (يو 7: 24). الحكم، في الروحيات، هو للروح، لروح الربّ. لا هو للحواس ولا هو للمشاعر ولا هو للقوى العقلية. إذاً لا طاقة لديك على تمييز الإلهيات إلاّ إذا كان فيك روح الربّ. وهذه ليست تحصيل حاصل في مَن يحسبون أنفسهم مؤمنين.
روح الربّ كائنٌ فيك إذا ما توفّرت فيك سلامة النيّة ونقاوة القلب. إذا كان همُّك، بصدق، إذا كان همُّك بالكامل أن تعمل مشيئته فإنّ إحساساً باليقين، إذ ذاك، يعتمل فيك متى طالعتك الإلهيات فتعرف، عن حقّ، ما هو من الله. تصير مشيئة الله لك بديهيّة. ولكن هذا لا يتيح لك أن تُقنع الناس بالمنطق. لذا تصمت كما صمت معلّمك أمام بيلاطس. إن لم يكن ما فيك فيهم هم أيضاً، فليست لك وإيّاهم، في الإلهيات، أرضيّة واحدة ولا لغة مشتركة.
سألتْني سيّدة، منذ أيّام، نصيحة. قالت: ابنة أخي تواجه قراراً حاسماً في حياتها. كيف بإمكانها أن تعرف ما يشاؤه الربّ الإله منها؟ قلت: لتضع في قلبها أنّها مستعدّة، بصدق، ودونما تردّد، لأن تقبل ما قسمه الربّ الإله لها بغضّ النظر عمّا ترغب هي فيه. بعد ذلك لتَصُم وتُقِم في الصلاة ثم تذهب إلى أبيها الروحي وتسأله. وكل ما يقوله لها لتتّخذه. فإذا ما صدقت يكون لها ما تفعله من الله بكل تأكيد. لا يتكلّم الله إلاّ إذا كنّا مستعدّين لأن نسمع ونطيع. هكذا يكلّم الربّ الإله القلب.
النفس المنقسمة لا تأخذ شيئاً من الله. تخمِّن، مهما توغّلت في العلم الدنيوي. تقدِّر. تنسب إلى الله ما ليس له. ما تطلبه، في العمق، هو أن يضع الربّ الإله ختمه على ما ترغب هي فيه. لهذا تقع في الضلال وتنسب لله ما ليس منه.
ليس فكر الله كفكر الناس. الفكر، بحسب الناس، ليستقيم، بحاجة إلى صوابية في العمليّات العقلية. أما الفكر بحسب الله فالحاجة فيه هي إلى استقامة القلب. لذا الطوبى هي "لأنقياء القلوب، هؤلاء يعاينون الله" أي يعرفونه بيقين شديد. فلكي يكون لنا فكر المسيح ترانا بحاجة لأن يقيم فينا روح الله. ما قال الرسول المصطفى بولس عن نفسه ومَن معه: "أما نحن فلنا فكر المسيح" (1 كو 2: 16) إلاّ بعدما كان قد قال: "ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله" (1 كو 2: 12).
والروح، إذا ما كان فينا، أثمر ثماراً بيّنة. "أما ثمر الروح فهو محبّة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان وداعة تعفّف" (غلا 5: 22). لذا إذا كان أساسياً، متى سمعتَ أو متى قرأتَ، أن تعرف كيف تسمع وكيف تقرأ، إذا كان أساسياً الروحُ الذي به تسمع أو تقرأ، فالأساسي أيضاً، لمَن تكلّم، أن يتكلّم بروح الربّ. لا بدّ لنا من الكلام والكتابة في كل حال. هذا شأن كلِّ آدمي. التركيز هو على ألاّ يكون كلامنا في الإلهيات كلام "الحكمة الإنسانية المقنع" (1 كو 2: 4)، بل أن يكون كلامنا "ببرهان الروح والقوّة". برهان الروح والقوّة ليس، بالضرورة، أن يكون الكلامُ ترافقه الآيات والعجائب المنظورة بل أن يتكلّم المتكلِّم بروح الله إذ نغرف مما "أعلنه الله لنا بروحه" (1 كو 2: 10). المتكلِّم، إذ ذاك، يتكلّم كمَن له سلطان. لا يمدّك بمعانٍ وحسب بل بأفكار قلبه أيضاً وبقوّة الله. فإذا كنتَ أنت راغباً في صنع مشيئة الله فأنت تعاين في الذهن ما يكلّم به مخاطبُك ذهنَك، لكنك، في آن، تلتقط الروح، وهذا الأهم، ما إذا كان يطلب مجد نفسه أم مجد ربّه، ما إذا كان يتكلّم من عقله أو من محبّته. إذا ما تكلّم من نفسه ومن عقله تلقاه منتفخاً، وإذا ما تكلّم من روح الله ومن محبّته تلقاه يبنيك، يحرّك فيك حسّ الإلهيات ويشدّك إلى ربّك. وقد قيل "العلم ينفخ ولكن المحبّة تبني" (1 كو 8: 1).إذا ما أعطاك محدّثك فكراً منظوماً ولم يُعطِك معه سلاماً عميقاً وفرحاً ساكناً ونخس قلب، إذ ذاك يخاطبك كَمِن نفسه ليشدّك إليه هو. مخاطبك، والحال هذه، لا يؤتيك نفعاً بل أذيّة لأنّه وإن قال الإلهيات اختلسها لنفسه من دون الله لغرض غير نقيّ في نفسه. يُدخِلُك، إذ ذاك، دائرة المشاعر الإنسانية والمشاعر المضادة. يحرِّك فيك الخصومات فتَلقى نفسَك منجذباً إلى مدرسة بولس أو أبلّس أو صفا، كأنما انقسم المسيح، أو كأنما الروح يفرِّق. بل الروح يجمع ويوحِّد. لا يقف فيه عند حدود الوجوه بل كلُّها يوحنّا معمداناً تكون، تشير إلى العريس فيما يعاين صديقُ العريس العباد يرتحلون إلى خدر ربّهم ويفرح هو "فرحاً من أجل صوت العريس" (يو 3: 29).
أن يكون المبتغى لمَن يكتب ولمَن يقرأ، لمَن يتكلّم ولمَن يسمع معاً، أن يصنعا مشيئة الله، في كل حال، هذا وحده يعطي الجميع أن يعرفوا الله بيقين شديد. الروح الذي يتكلّم في الواحد، إذ ذاك، يَسمع في الثاني. متى كان المسيح، معنا وفيما بيننا، هو الرابط، إذ ذاك نتخطّى أربطة اللحم والدم والمشاعر والأفكار. نتخاطب في المسيح، نتخاطب في الروح. قد نبدو بلهاء، "منظراً للعالم للملائكة والناس" (1 كور 4: 9)، جهّالاً من أجل المسيح، لا بأس! هذه تكون بركة جنون الحكماء في الله وجهل العارفين بالله. هذا نلتمسه في كل حين وحال "لئلا يتعطّل صليب المسيح" (1 كو 1: 17) قوّة الله وحكمة الله. بلى هذا صليبنا ولكن هذه قيامتنا أيضاً "لأن جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس" (1 كو 1: 25). فليكن الله صادقاً وكل إنسان كاذباً (رو 3: 4). تبارَك اسمه من الآن وإلى الدهر!
[/frame]
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
ليحفظ الرّب الإله الأب توما- شمعدان الأورثوذكسية الحاضر بيننا- وليثبته الروح القدس قاطعاً باستقامة كلمة حقٍ.
الخاطئ والحقير في خَدَم المسيح
سليمان

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
) .. 
.gif)

المفضلات