عصب التربية المسيحيّة ومدرستها
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
التربية المسيحيّة غير التعليم المسيحي. في التعليم تنقل أفكاراً أما في التربية فتزرع اتجاهات. التعليم ينفع ويُعين ويكمِّل إذا ما كانت التربية ناجعة، إذا ما تركّز الجهد على تكوين الوجدان المسيحي الأساسي بشكل قويم.
ثلاثة مقوِّمات للتربية المسيحيّة فيها الأهلُ، بخاصة، يساعدون ويقدِّمون:
يساعدون في تنشئة أولادهم على ضبط النفس وعلى التماس التعب سبيلاً لكل خير.
ويقدِّمون أنفسهم لأولادهم قدوة في كل شيء.
لا حياة روحيّة، لا في الصغر ولا في الكِبَر، من غير ضبط النفس. هذا ينبغي أن يكون اتجاهاً في النفس في كل حال ولكل الأعمار. هذا ينزرع في الأطفال منذ الرضاعة. أن يتروَّضوا على الانتظار وعلى ناموس النظام. ضمن حدود الطاقة طبعاً. بوعي وفَهْم من جانب الأهل. بعد فترة الانتظام الأولى لعادات الطفل، بعد حوالي الأربعين من الولادة، لا ترضعيه ولا تجعلي مصّاصة أو سائلاً حلواً في فِيه لحظة يبكي لتتخلّصي من بكائه. هذا يضرّ بنفسه وإن كان يخفِّف عنكِ قليلاً. دعيه ينتظر. لِيَبْكِ! اصبري عليه! بعد فترة يقتني عادة جميلة. لو كنتِ لتجعلي شيئاً في فمه كلّما "نأنأ" لفعلتِ شرَّين، وأنتِ لا تعلمين: لَدَفعتيه إلى الشراهة ولأَسَّست فيه أسلوباً مُسيئاً أن حلّ المشكلات يكون بالهروب إلى الأكل. هذا، روحياً، مؤذٍ. ثمّ لا تحمليه ولا تدعي الآخَرين يحملونه ساعة ترغبون، استئناساً. فقط في أوقات محدّدة، حتى يحسّ بالدفء الإنساني وابتغاء حسن التفاعل الاجتماعي. لا حاجة لحمله أو لهدهدته ساعة يرغب وساعة يعبِّر، عن رغبته، بالنأنأة أو بالبكاء، وأحياناً بالبكاء الشديد. هذه تنشئ فيه نزوة مُفْسِدَة. سيدرك، في قرارة نفسه، أنّ الصراخ سلاح فعّال يستطيع به أن يحصل على ما يشاء ساعة يشاء. يتعلّم، في الكِبَر، أن يتمسّك برأيه، بمشيئته الذاتيّة. يضيّع فرصة التنازل أمام الآخَرين، فرصة التفاعل مع الآخَرين. أنتِ، في وجدانه المتكوِّن، رمز للعالم. الاتجاه الذي ترسّخينه في نفسه، في تعامله معك، سوف يكون اتّجاهَه الأساسي في تعامله مع العالم.
ما سيتأتّى عن ضبط النفس، في الصِغَر، عن التروّض على الانتظار، على الانتظام، لن يكون قليلاً. سوف يقتني، قليلاً قليلاً، عادةَ تَحَمُّل المكاره والإزعاجات وعادةَ الصبر على الضيقات. هذا سيساعده في غصب النفس على إتمام عمل الله. كلُّ مَن اعتاد، في الصِغَر، الحصول على شهوة نفسه ساعة يشاء وبالطريقة التي يرغب فيها، تعذّر عليه، متى تقدّمت به الأيّام، على هذه الحال، أن يغصب نفسه ويضبطها في أي شيء لا تشتهيه نفسُه ولو كانت له منه منفعة. هذا يجعله أسير أهوائه. تَهِنُ إرادته وتضعف نفسه ولا يملك، من بعد، ما يساعده على التقدّم في مدارج الحياة الروحيّة. هذا، روحيّاً، يدمّر لأنّ الحياة الروحيّة تعاون: نعمةٌ من الله وعزمٌ من الإنسان في آن. فإذا ما انفقد العزمُ تعذّر على النعمة أن تفعل في الكيان.
وإلى ضبط النفس ثمّة حاجة ماسة، عبر كلّ مراحل الحياة، إلى اعتماد التعب أسلوباً في الحياة لنوال كل خير.
الجسد، هنا، للتعب لا للراحة. بعدما سقط آدم جاءته الكلمة: "ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك" (تك 3: 17). ناموس جديد انوضع: تعب الجسد أساس لراحة النفس. إذا لم يتعب الجسد تسقم النفس. لذا ورد في سفر الأمثال: "في كل تعب منفعة" (أم 14: 23). والتعب نوعان لا نوع واحد: أن تتعب من أجل نفسك. "بعرق وجهك تأكل خبزاً" (تك 3: 19). وأن تتعب من أجل الله والإخوة. لا تستقيم علاقتك بغيرك ما لم تتعب، ما لم تبذل من أجلهم. تَتعب لتُريح، ليصير للآخَر مكان عندك. لا تخرج إليهم ما لم تخرج من نفسك. إذ ذاك تصير إنساناً، في الحركة في اتجاههم. الحركة تَعَب ولكنْ مريح. التعب تنشأ عليه، تتعلّمه طريقَ حياة منذ الصِغَر. تتربّى وتُربّي عليه.
مَفْسَدةٌ لولدك أو لأخيك أن تعمل له ما هو قادر على القيام به بنفسه، لأنّك تريد أن تكرمه أو تقصد أن لا تُتعبه ظنّاً منك أنّ في ذلك محبّة. تحكم عليه، إذ ذاك، بالكسل. تقتل فيه التوثّب. تحرمه المبادرة، في شأن ما لنفسه وفي شأن ما للآخَرين سواء بسواء. ارحمه ودعه يتعب ولو قليلاً. أحبَّه في ما هو لخيره لا في ما هو لأذيّته. نفس الذي لا يتعب تتبلّد. والتبلّد يأتيها بالتقاعس. والتقاعس يأتيها بالتراخي. والتراخي يأتيها بالتخلّع. نفْس مَن لا يتعب تبطر. تتكثّف أنانيّتها. تمسي غضوبة مزاجية رعناء. تغزوها الخيالات. تتغذّى بالأوهام. نفْس مَن لا يتعب تنبعث منها، أبداً، رائحة الأنانية والتفكّك والموت. أنت تعين الآخَرين في ما لا طاقة لهم على إعانة أنفسهم فيه. إعانة القادرين إفساد. فقط إعانة العاجزين محبّة. ثمّ التعب من أجل النفس مقدمة للتعب من أجل الله والإخوة. مستحيل على مَن لا يأكل خبزه بعرق جبينه أن يتعب من أجل الآخَرين. قد يعطي ولكن من فضلاته ولأنّ ذلك يدغدغ شعوره بأنه حسن. إن أتعبت جسدك من أجل نفسك أرحتَ نفسك، وإن أتعبت جسدك من أجل الإخوة أرحت نفسك على نحو أعمق. فرحتَ. أخذتَ روحاً. لذا قيل "أعطِ دماً وخذ روحاً".
والاتجاهات الحسان في النفس لا تتولّد من المعرفة النظريّة بل بالقدوات. أعظم آلامنا، في الكنيسة، ناشئ من كوننا نطلب من الآخَرين ما لسنا مستعدّين لأن نكلِّف أنفسنا مشقّة السلوك فيه. "احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي..." (مت 11: 29). "... لكي نعطيكم أنفسنا قدوة" (2 تس 3: 19). الكلام لتيموثاوس هو: "كنْ قدوة للمؤمنين" (1 تي 4: 12). وهذا ما قاله الشيخ لتلميذه: "كل ما تراني أفْعَلُه افعلْه أنت أيضاً". كلامك ينفع إذا ما كان دعماً لسلوكك. كلامك حياة إذا ما أكّدَتْه سيرتُك. لما قال يسوع عن كلامه إنّه روح وحياة جعله صورة عن روحه وحياته. بغير ذلك تكون الكلمة لغواً. لا تعود فيها قوّة الحياة. قد تُقنع لكنّها لا تعود تبني. لا تحيي! متى نضبت الكلمة من الحياة قد تبقى كأثر بعد عين في مستوى الحكمة البشريّة الباهتة. لذا جاء كلام الرسول بولس لأهل كورنثوس واضحاً وقويّاً لما قال: "وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة (الإنسانيّة) المقنع بل ببرهان الروح والقوّة لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوّة الله" (1 كو 2: 4 – 5). لذا كانت التربية فرصة لأن تعلّم نفسك أولاً. "أنت الذي تعلِّم غيرك ألست تعلِّم نفسك. الذي تكرز أن لا يُسرَق أتسرق. الذي تقول أن لا يُزنى أتزني..." (رو 2: 21).
ضبط النفس وتَعَبُ المسرى هما، بشريّاً، عصب التربية المسيحيّة. أما مدرسة الحياة الجديدة، في المسيح، فهي القدوة.
بغير ذلك نخبط خبط عشواء!</SPAN>

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
يساعدون في تنشئة أولادهم على ضبط النفس وعلى التماس التعب سبيلاً لكل خير.
رد مع اقتباس

المفضلات