لا يعرفون أن يعينوا أنفسهم، وإن أعنتهم لا يقبلون ما تعرضه عليهم. ما هم عليه هم عليه. هذا هُم! وهذا حال أكثر الناس اليوم. لهم عن أنفسهم تصوّر مغلوط ويجعلون لذواتهم مقاصد ملتوية. لا يشعرون لا بالرضى ولا بالإشباع، لا إن حقّقوا ما تشتهيه نفوسهم ولا إن فشلوا. ويتوقّعون منك أن تعينهم على ما يرغبون. فإن لم تيسِّره لهم انتابهم القلق واعتورهم الإحباط وشعروا بالمهانة وانصرفوا عنك بحجّة أنك لا تفهمهم. أنت، في عيونهم، إذ ذاك، من يُلام! هذه مأساة الإنسان بإزاء نفسه وغيره في الكثير من الأحيان. لا تصوُّره عن نفسه مطابق لواقعه ولا تصوّره لكيفية علاقة الآخرين به يجعله على علاقة سويّة سليمة بهم. تعطيهم ما يريدون فتخون ضميرك والأمانة وتؤذيهم، تحتجب فينجرحون ويتبرّمون ويحردون. تحتار كيف تعاملهم!"لقد بدأت الآن أفهم"
(مز)
الناس مدمنون أفكاراً ومواقف وتصرّفات يلتقطونها من هنا وهناك، من الأقران، من المدارس، من وسائل الإعلام، من المجتمع بعامة، ويماهون أنفسهم بها، أي يعتبرونها إياهم، أنها هُم. ضنينون بفرادتهم وفردانيتهم، أي بكونهم أفراداً ذوي مزايا خاصة بهم، فيما ينسخون نماذج سلوكية يستمددونها من قوم لهم هالة إعلامية يعتمدون الرفض والتفلّت والغريب أسلوباً لبثّ أفكارهم والتأثير في الآخرين، لا سيم الجيل الطالع. يقطعون ما بين أفراد العائلة الواحدة وما بين الأجيال باسم الحريّات الفردية. تعبيرهم عن حرّيتهم أنهم يطلقون العنان لأنفسهم ليفعلوا ما يخطر ببالهم ولا يرتضون عما تشتهيه نفوسهم بديلاً. لا رادع يردعهم بعدُ ويجاهرون بما كان بالأمس إثماً ووقاحة ويفاخرون، على نحو ما سبق أن قيل في إشعياء: "نَظَرُ وجوههم يشهد عليهم وهم يخبرون بخطيئتهم كسدوم. لا يخفونها. ويل لنفوسهم لأنهم يصنعون لأنفسهم شرّاً" (إش 3).
مسكينة أنت أيتها الحرّية! كم من الموبقات تُرتكَب باسمك!
لا ليست الحرّية، يا قوم، أن تختاروا ما تشاؤون. الحرية في الرديء مدخل إلى العبودية. الحرّية الحق أن تختاروا الصلاح. الناس، بعامة، يختارون ما يغويهم، ما يثير أحشاءهم، وهذا من أهوائهم. لذا الصالح لديهم هو ما يوافق رغباتهم. وهذا يطرح السؤال: كيف تعرف أن الصالح صالح؟ تعرف إن كنت، في عمق قلبك، مستعداً لأن تتخلى عما تشتهيه نفسك ابتغاء ما هو لمنفعتك؟ أكثر ما تشتهيه نفسك لا ينفعك. وكيف تعرف ما هو لمنفعتك؟ حين لا تعود عينك في شيء لا في مال ولا في مجد ولا في كرامة ولا في سلطة ولا في طعام ولا في لباس ولا في سيّارة. حين تتحرّر من تسلّط كل شيء عليك، من داخل نفسك ومن خارجها. حين يصبح سيّان عندك أن تقتني أمراً أو لا تقتنيه. حين تصير مستعداً لأن تتنازل أمام ضميرك، عن كل شيء مقابل معرفة الحق والصلاح، مقابل معرفة الله ويسوع. حين تمسي على هذه الدرجة من الحرّية الداخلية، ساعتذاك تعرف، تلاحظ، تنتبه، تلتقط الصالح والنافع كما تلتقت الآذانُ المرهفةُ السماعَ الأصواتَ الناعمة الدقيقة، أو الأعينُ الصافيةُ الرائعةُ الأنوارَ الخفرة النفّاذة. قبل ذلك تتعلّم من القدّيسين وتطيع ما يقولونه لك. خارج هذا المسرى، كل شيء تقرأه في خلفيّة جيشان أهواء النفس فيك. يقولون: الصالح شيء نسبي، ماهو صالح للواحد قد لا يكون صالحاً للآخر. هذا صحيح. لكن الصالحَ صالحٌ لا باعتبار ما يروي غليل الهوى في النفس بل باعتبار ما يعالج هذا الهوى، باعتبار ما يبعث السلام العميق في النفس، باعتبار ما يحرّك القلب إلى الحب والرحمة والعطف واللطف وكل فضيلة. لذا الصالح، لدى الإنسان الحرّ، بحرّية القلب، هو شعاع من نور الله يلتقي عينك الداخلية وينفذ إليها متى شفّت كما ينفذ نور الشمس إلى كل شفّاف. المهم ألا تكونَ العينُ على كثافة عتمةٍ، ألا تكونَ غيومُ الأهواء ملبّدة في مجال الكيان لديك. إثر ذلك، يصبح، من باب تحصيل الحاصل، للقلب أن يبصر لأن الخليقة، بأسرها بيسوع، يتدفّق فيها نور التجلّي بلا توقّف (القدّيس غريغوريوس بالاماس). ليست المشكلة أن النور لا يُعطى. نحن في النور أبداً. المشكلة أن العين لا تشاء أن تنفتح. "إفّثا". "أتريد أن تبصر؟" "أَبصِرْ!"
بعد ذلك يظنّون أن الله ظالم وكلَّ مآسي الإنسان مردّها هو، لأنه القادر على كل شيء، ولا يفعل شيئاً. هو القادر على كل شيء؟ لا شكّ في ذلك! لكنه لا يقدر أن يفتح العيون إن لم يشاؤوا. هذا حدٌّ جعله الله لما خلق الإنسانَ ولا يتخطّاه أَن يعمل مع الإنسان لا عنه. ولو كان الله ليعتمد على قدرته في تعامله مع الإنسان وحسب لكان يؤذيه ولا ينفعه. اقتدار الله لا ينفع الإنسان إلا أن يشاء. احتجاب الله، متى احتجب، رحمةٌ حتى لا يستشري الإثم وحتى تكون له فرصة أن يتوب. "فرجع إلى نفسه وقال...أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له يا أبي أخطأت إلى السماء وقدّامك، ولست مستحقاً بعد أن أُدعَى لك ابناً. اجعلني كأحد أجراك" (لو 15). الخيرات، في معرض الإثم، تجعل الإثم يتفاقم. إن ترك الرب الإله الإنسان للضيق والحرمان فلأنه يحبّه لا لأنه لا يحبه، طالما القول الإلهي هو: "آثامكم عكست هذه وخطاياكم منعت الخير عنكم" (إر 5). لا يحرم الله إنساناً ولا يمسك خيراته عنه إلا إذا كان له في ذلك خير. المحبة لا تأتي بدفق البركات وحسب بل بالحرمان منها أيضاً وفق الحاجة. هذا يكتمل بذاك والله خير العارفين.
هذه قصّتنا مع الله. يصرخ الإنسان المقيم في خطاياه آلهةً على صورة ما يشتهي ويقبع الإلهُ الحي الحقيقي في الصمت أدنى من الإنسان إلى نفسه إلى أن يخرج الإنسان من وثنياته، من عبادة الآلهة خادمة أهوئه. فإن خرج وصرخ بتوبة: "أغثني يا رب!"، جاءه، للتوّ، صوت يقول له: "هاءنذا." "أيتها البائسة والسكرى وليس بالخمر، اسمعي. هكذا قال سيِّدك الرب وإلهك... هاءنذا قد أخذت من يدك كأسَ الترنّح... لا تعودين تشربينها في ما بعد...قالوا لنفسكِ إنحني لنعبر فوضعتِ كالأرض ظهرَك وكالزقاق للعابرين" (إش 51). "توبوا إليّ أتي إليكم، يقول الرب".
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوماالأحد 16/11/2008عيد القديس الرسول متى الإنجيلي البشير

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


.gif)

المفضلات