ميلاد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بالجسد
إعداد: ميلاد جبارة
" لما حان ملء الزمان أرسلَ الله ابنه مولوداً من امرأة, مولوداً تحت الناموس ليفتدي الذين تحتَ الناموس لننال التبني "
بميلاد الرب يسوع المسيح بالجسد من مريم البتول حلًَّ ملء الزمان فتحقق قصد الله للعالمين وتمت مواعيده وهذا ما تحدث عنه موسى والأنبياء والمزامير وله تشهد الكتب المقدسة (يو 39:5) إليه اشتياق العروس في نشيد الأنشاد " أنا لحبيبي وإليَّ اشتياقه " (نشيد 10:7) واليوم اكتمل الزمان فصار بإمكاننا أن نخاطب بعضنا كما خاطبَ فيليبس نثنائيل: " قد وجدنا الذي كتبَ عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع الذي من الناصرة " (يو 45:1)
الميلاد في الإنجيل
الكلام على ميلاد الرب وردَ في إنجيلين هما إنجيل متى(18:1- 23:2)وإنجيل لوقا (1:20-20).
الرسول متى يجعل ولادة المسيح في أيام هيرودس الملك المعروف بالكبير الذي ملكَ بين 37ق.م و4ق.م هنا يطرح سؤال: كيف يمكن أن يكون هيرودس راقداً قبل ميلاد المسيح إذا كان الرب قد ولدَ في زمانه؟ الجواب هو أن التاريخ على أساس ميلاد الرب بدأ في القرن السادس للميلاد بواسطة راهب يدعى ديونيسيوس وهذا اعتقد أن ولادة السيد كانت في عام 753 لتأسيس روما ولكن هيرودس توفي قبل ذلك ب 4 سنوات أي عام 749 لتأسيس روما أما ولادة السيد فغير معروفة ويرجحها الدارسون بين السنة التاسعة والرابعة قبل الميلاد.
أما لوقا فيجعلها بعد ولادة يوحنا ب6أشهر تقريباً ومع ذلك ربطها بحدث تاريخي من زمن أغسطس قيصر(29ق.م-14م) وهو إحصاء سكان المسكونة (الإمبراطورية الرومانية)_من هنا يؤكد الكثير من الدارسين أن ولادة السيد كانت في الربيع أي بين شهري آذار ونيسان_ وكان الوالي الروماني على سوريا يدعى كيرينيوس الذي ولِّيَ عليها من عام 12ق.م. (وتدعمه قصة الرعاة)*
ولدَ الرب في بيت لحم (جنوب أورشليم) التي منها كان داوود فيدعوها لوقا بمدينة داوود هذا وإن الموقع الذي ولدَ فيه الطفل يسوع في بيت لحم ليسَ محدداً فمتى يذكر فقط بيت لحم ولوقا يذكر أنه قٌمِّط ووضعَ في مذود(مزرب الحيوانات) من دون أن يذكر هل المذود تابع لأحد الخانات أم لأحد بيوت القرية؟ وأي بيت؟!.... هذا وأول من أشار إلى أنَّ ولادة السيد كانت في مغارة هو القديس يوستينيوس الشهيد (القرن2)
ولدَ الرب من مريم البتول بعدما حُبِلَ به من الروح القدس بلا معرفة أي رجل وكانت العذراء مخطوبة لرجل من بيت داوود يدعى يوسف وهو دعيَ رجلها وهي دعيت امرأته(متى 20,19:1)لأن الخطوبة في الشريعة الموسوية هي عقد زواج ملزم ولو نقصه العرس ليكتمل وأن يأخذها إلى خاصته (تثنية 22) تردد يوسف بادئ الأمر وأراد أن يطلقها سراً إذ أراد أن يجنبها فضيحة والموت رجماً لأن الشريعة الموسوية تقضي بالرجم للزوجة وللعذراء المخطوبة إذا تبين أنها عرفت رجلاً غيرَ رجلها (تثنية 22) فتدخل ملاك الرب وكشفَ له حقيقة ما جرى لمريم ودعاه لأخذها غيرَ مرتاب وأن يعطي الصبي اسم يسوع. تسمية المولود الجديد كانت امتيازاً لأب الولد وكانت بمثابة إقرار منه بأنه ابنه الشرعي (عند اليهود كان الابن الشرعي يحسب من نسب أبيه سواء أكان من صلبه أم لا ومن هنا تجدر تسمية يسوع بِ ابن يوسف (متى 55:13 – لوقا 22:4) مع أنه دعيَ ابنَ مريم أيضاً فهو ابن داود. وأكد العديد من الآباء القديسين منذ الأول نسبةَ مريم إلى داود كالقديس إغناطيوس الإنطاكي والقديس يوحنا الذهبي الفم.
كان هم متى من سرده للميلاد التأكيد أن هذا هو المسيح المخلص الموعود به لإبراهيم وداود لذلك ابتدأ بِ :" كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داوود بن إبراهيم " وحرص على بيان أن من تحدثت عنه الكتب المقدسة هو يسوع لذلك أكثر من ذكر التفاصيل وأن ما حدث كانَ إتماماً لقول الرَّب بالنبي فلان.
أما لوقا فكان يريد التأكيد على أنَّ ولادة الرب حدث تاريخي وأنها تمت إلى آدم فبالتالي إلى كل شعوب العالم فالخلاص إذاً لكل المسكونة يهوداً وأمميين.
الاحتفال بالميلاد
بدأ الاحتفال بالميلاد في مصر عام 200م وكانوا يحتفلون به في 20 أيار ثمَّ في منتصف القرن الرابع تحدد السادس من كانون الثاني عيداً لميلاد الرب وظهوره. ولكن من خلال مواعظ القديس غريغوريوس النصيصي بان أن مسيحيّي كبادوكية كانوا يحتفلون به ولكن في 25 كانون الأول . وأهملت كنيسة أورشليم العيد حتى القرن السادس وأدخله الذهبي الفم إلى أنطاكية في 386م وإلى القسطنطينية بين عامي 398-402م أما كنيسة روما فبدأت تحتفل به منذ عام 354م.
لماذا اختير هذا الموعد للاحتفال بعيد ميلاد الرب؟!
يرتبط هذا التحديد بهدف كان للكنيسة وهوَ إفراغ الأعياد الوثنية من مضمونها الوثني وإخراج المهتدين الجدد من الأجواء الوثنية وتنقية عباداتهم وممارساتهم السابقة حتى تتوافق وتعاليم المسيحية . تغيير وجهة هذه الأعياد أيسر وأكثر واقعية من إلغائها لأن ما هو راسخ في أذهان الناس لا يلغى بقرار. يذكر أن العيد الوثني الذي وضِّعَ مكانه عيد ميلاد الرب هو عيد مولد الشمس التي لا تقهر وهذا العيد لا يجد كماله إلا في عيد ميلاد الرب يسوع الذي هو فقط شمس العدل التي لا تقهر.
لاهوت الميلاد
في الميلاد نحتفل بالتجسد الإلهي أي أن ابن الله الوحيد صارَ إنساناً تاماً كما هوَ إله تام . ولكن ما معنى ذلك؟ ما معنى أن ابن الله صار إنساناً ؟ معناه أن ابن الله الوحيد اتخذ طبيعتنا البشرية فصارت له وفيه فكل ما هو بشري فينا اشتركَ هوَ فيه كل شيء اشترك به يسوع معنا إلا الخطيئة فابن الله المتجسد منزه عن الخطيئة ولكن الخطيئة ليست من طبيعة الإنسان بل عمل إرادته فالله منحنا الحرية أي أريد أو لا أريد .
وضعت العذراء ابنها بدون آلام لأنها حبلت به دون هوى (القديس غريغوريوس بالاماس), وإذ تجسد ابن الله الوحيد من مريم البتول حملَ خطايانا وكل ما ترتب عليها في جسده حملها وكأنها خطاياه هو وهذه هي صورة عبد الله التي حددها أشعياء النبي :" حمل آلامنا واحتملَ أوجاعنا...طعنَ بسبب معاصينا وسحقَ بسبب آثامنا" (أشعياء 4:53) والرسول بولس عبَّر عن تدبير الآب بكلمات قوية عندما قال: "جعلَ الذي لم يعرف خطيئة خطيئة لأجلنا لنصيرَ نحن برَّ الله فيه" (2كو 21:5).
ويأتي السؤال لماذا فعل الله ما فعله؟ لأنه محبة, لا نقول لأنه فقط يحب فهوَ الحبيب والمحبوب والمحبة في آن واحد فالمحبة هيَ الله فينا والمحبة تفرض اشتراك الحبيب فيما لحبيبه لهذا الحبيب فيما لحبيبه فلذلك اتخذ ابن الله الوحيد جسدنا واشتركَ في شقائنا وعانى من خطايانا كما تفترض المحبة أن يبادر الحبيب إلى نجدة حبيبه إلى إطلاقه من سر الخطيئة والموت والرب يسوع فعل ذلك مات لأجل الجميع " كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام"(2كو 15:5)
وأوجز الآباء التدبير الإلهي بشأن صيرورة الإنسان إلهاً بنعمة الرب في مقولة واحدة كررها العديد منهم : « صار الله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً » ( القديس أثناسيوس الكبير وآخرون ) ويبقى على الإنسان متى آمن بالرب يسوع أن يحفظ الأمانة حتى الموت " كن أميناً حتى الموت فأعطيك إكليلَ الحياة " (رؤ 10:2) والأمانة تحتاج إلى تعب وجهاد فالجسد ضعيف! فالله لم يلغِ ضعفَ الناس بل سكنَ فيه فالسقوط دائماً وارد والمهم أن نعود وننهضَ من جديد إلى طلبِ وجه السيد وهذا ما نسميه بالتوبة .
كل ما يأتينا من تجارب وآلام يعزز فينا تواضعَ القلب الذي به فقط نماثل الله ونستوعب عطيته " تعلموا مني فإني وديعٌ ومتواضع القلب فتجدوا راحةً لنفوسكم " (متى 29:11) كان التواضع طريق ابن الله إلينا ليصير التواضع طريقنا إليه والتواضع طريق الكاملين.
سجود المجوس
المجوس هم من يعملون بعلم الفلك والتنجيم وتفسير الأحلام والرؤى ويذكر أنهم كانوا كهنة وسحرة . ويختلف الدارسون في تحديد موطنهم فمنهم من يراهم من بلاد فارس والآخرون من العربية أو الصحراء السورية .
النجم الذي رآه المجوس ليسَ بنجمٍ عادي بل كان هادياً مرسلاً من الله فظهرَ في المشرق وتقدمهم إلى حيث كان الصبي فهو كالملاك الذي ظهر لينقل للمجوس رسالة بلغة يفهمونها هذا ومازال عددهم غيرَ محدد فالقدامى منذ القرن الثالث الميلادي يجعلون عددهم اثنين أو ثلاثة أو حتى اثني عشر.
والقول بأن المجوس كانوا ملوكاً من المشرق أخذ يتردد في أوساط المسيحيين منذ القرن الثاني للميلاد ربما بسبب الاعتقاد بأن ما ورد في المزمور 71 قد تم بسجود المجوس للطفل الإلهي. فالآيتان 10 و11 تذكران كيفَ أنَّ " ملوكَ ترسيس والجزائر يحملون إليه الهدايا. ملوك العرب وسبأ يقربون له العطايا وله يسجد جميع الملوك وله تتعبد كل الأمم " هذا ما يدعم القول بأن المجوس كانوا أول الأممين الذين أمنوا بالمسيح وتعبدوا له.
يذكر التاريخ أن الإمبراطور البيزنطي زينون استقدمَ رفاتهم من فارس إلى القسطنطينية عام 490م وانتقلت إلى ميلانو الإيطالية ثم إلى مقاطعة كولونيا حيث لا يزال أكثرها حتى الآن. أما القول بأن هداياهم كانت تعبيراً عن إيمانهم به ملكاً (الذهب) وإلهاً (اللبان) وفادياً متألماً (المرّ) ظهرَ عند القديس ايريناوس الليّوني (القرن 2) ولكن وردت في التراث أقوال أخرى كمثل أن الذهب (الفضيلة) واللبان (الصلاة) والمرّ (الألم)
الرعاة
وردَ ذكرهم في إنجيل لوقا (8:2-20)فقط.
كانوا يحرسون حراسات الليل لقطعانهم قرب بيت لحم بحوالي الميلين لجهة البحر الميت. موسم الرعاية في تلك المناطق يمتد بين آذار وتشرين الثاني مما يدعم القول بأن ولادة السيد كانت بين هذين الحدين. بعض المسيحيين جرى على اعتبار ميلاد الرب كان في العشرين من أيار أما القديس كليمنضوس الإسكندري فيورد العشرين أو الحادي والعشرين من نيسان موعداً لذلك. جاء الملاك وبشر الرعاة في الليل مما ترتكز عليه المقولة بأن ولادة الرب كانت ليلاً كما وردَ في الحكمة :" حينَ شملَ كل شيء هدوء السكوت وانتصفَ مسير الليل هجمت كلمتك القديرة من السماء من العروش الملكية على أرض الخراب" (14:18-15) ارتعب الرعاة من رؤية الملاك فهدأ روعهم وبشرهم بمجيء المخلص لهذا يعتبر الرعاة طليعةَ المبشرين بورود المخلص. هذا وقد نتساءل لماذا رعاة غنمٍ لا سواهم؟! نترك الأمر لحكمة الله ولكن نذكر بأن داوود الملك كان راعي غنم والسيد دعيَ حمل الله وهو راعي الخراف والخراف تعرفه فتتبعه.
+++ مولد مسيحنا لم يكن موضع اهتمام كملوك الدهر ولادته كانت لا في الحرير بل في مذود حقير ليعلمنا التواضع
++لنتذكر أن العيد بسبب السيد وأن ولادته سبب فرحنا بالعيد وطعام العيد فلنتذكر ذلك وكما يقولون في الإنكليزية: Jesus is the reason of the season
+Γερασιμο
المرجع: سير القديسين/ السنكسار/الجزء الثاني –الأرشمندريت توما بيطار 1997
المفضلات