القُدُسات للقديسين.
إلى الرّب نطلب.
[line]-[/line]
أما الألم فليسَ من الله. وغير ذلك فرية الشيطان!
الإنسان مصلوب على الألم، كلُّ إنسان.
هذا يقضّ المضاجع ويُعثر الكثيرين.
هذا ظلم!
لا يفهمون لماذا؟
كأنّي بفهم الواقع يخفّ وقعُه.
ربما إذا أصاب الشرّيرَ مكروهٌ تستريح العقول بعضاً لأنّها ترى سبباً لمعاناته،
ولكنْ ماذا عن الصالح إذا تألّم وانظلم؟
هذا فوق إدراك العقول!
المسنّ إذا انوجع تفهم وتسلّم ولو على مضض،
ولكنْ ماذا إذا كان المألوم طفلاً لا يعرف يمينه من يساره؟!
يعتريك الإحباط فتسفّه قَدَراً غاشماً أو تنقم على إله تحسبه ظالماً! ولعلك، خوفاً على نفسك وصوناً لها،
تردّ آلام بعض الناس إلى علّة وراثية أو شطط مسلكي، ثمّ تعفي نفسك من هذه ومن تلك كأنّك غير الناس.
تعليلك، والحال هذه، لا يصمد طويلاً.
فجأة يطالعك الواقع الأليم، مهما احتطتَ، بما لا ترغب ويقمعك.
قد تخال أن التُقى يحميك فإذا بك تكتشف أنّ الأبرار، أيضاً، يتألّمون.
مهما فعلت وكيفما حلّلت الأمور تجدك أمام واقع مفروض عليك ولا طاقة لك على تلافيه.
تهرب منه فتجده في انتظارك، وأحياناً على أعقد وعلى آلَم.
كل شيء يُعيدك إلى سؤال لا مفرّ لك منه:
لماذا؟!
سأل القدّيس أنطونيوس الكبير مرّة:
"يا ربّ لماذا يموت البعض في ريعان الشباب ويبلغ آخرون منتهى الشيخوخة؟...
لماذا يوجد فقراء وأغنياء؟
لماذا نرى أشراراً يثرون وأبراراً يفتقرون؟..."
لم يَتلقَّ القدّيس أنطونيوس جواباً كما توقّع. ما تلقّاه أنكر عليه حقّه في جواب على سؤال هو في أساسه نظري ولا ينفعه في شيء.
الصوت الذي أتاه قال له:
"يا أنطونيوس اهتمّ بنفسك. إنّها أحكام الله ولا تناسبك معرفتها!"
ليس عند الله نظريات ولا هو عقل.
"أما الربّ فهو الروح..." (2 كو 3: 17).
الكل لديه واقع محقّق.
المسافة بين النظرية والواقع، في الناس، هي من تداعيات السقوط. لذلك السؤال:
"لماذا؟"
لا جواب عليه عند الله.
إذا كنتَ في روح الله فأنت لا تسأل لأنّك تكون في النور واليقين،
وإذا لم تكن في روح الله فأنت إن سألت لا تلقى جواباً لأنّك تكون غريباً عن فكر المسيح.
لذا الجواب، إذا كنت خارج سياق ربّك، أن تتخطّى السؤال وتَقْبل، ولو ألحّ عليك،
إلى ما ينفعك ويصلح شأنك إلى الحياة الأبدية.
"وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك..." (يو 17: 3).
معرفة الله ليست معرفة نظريّة عن الله،
بل الدخول في شركة معه حين يصير هو، في المحبّة، فينا ونحن فيه.
"بهذا نعرف أنّنا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه.
مَن قال قد عرفتُه وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب وليس الحقّ فيه.
وأما مَن حفظ كلمته فحقّاً في هذا قد تكمّلت محبّة الله. بهذا نعرف أنّنا فيه" (1 يو 2: 3 – 5).
أما الألم فليس من الله.
الله لا يؤلم أحداً لأنّه محبّة.
لا يتسبّب في أوجاع الناس ولا يُسَرّ بها.
الألم، أساساً، نشأ من الابتعاد عن الله.
آدم في الفردوس، في كنف الله، لم يعرف الألم.
عرف الفرح.
الفرح ثمر المحبّة، ثمر النعمة.
فلمّا سقط آدم من محبّة الله انحرم من نعمة الفرح.
استحال فرحه متعةً لأنّه تعاطى التفّاحة، تعاطى الخليقة، في ذاتها، دون الخالق.
الخليقة تُمتِّع ولا تُفرِّح.
إذا كان الفرح من محبّة الله فالمتعة من استهلاك الإنسان لنفسه والخليقة.
الفرح يدوم ولا ينزعه أحد منا لأنّ المحبة لا تسقط أبداً (1 كو 13: 8)،
أما المتعة فأجرتُها الألم كما أجرة الخطيئة موت (رو 6: 23)
لأنّها تتعاطى الفانيات وما ليس من الطبيعة أصلاً.
المتعة هي ما صار الإنسان يلتمسه، في السقوط، لا الفرح.
ولو تكلّم على المحبّة فلا يعرف إلاّ محبّة الذات.
محبّة الإنسان لذاته هي التي أدخلته في دوّامة المتعة والألم.
لم يذق الربّ يسوع الخطيئة لكنّه ذاق الألم والموت.
هذان لهما في قاموسنا الروحي لفظة واحدة هي "الصليب".
لأنّ يسوع اقتبل الصليب صار الصليب سبيلاً إلى القيامة وحاملاً للقيامة.
لذا أضحى للصليب، أي للألم والموت، مضمون جديد.
"بالصليب أتى الفرح إلى كل العالم".
لاحظ لفظة "فرح".
أي فرح؟
فرح محبّة الله أي فرح الدخول في شركة مع الله من جديد، فرح الحياة الأبدية.
"أن يعرفوك..." كما قلنا.
إذاً هذا، بالضبط، هو الجديد في شأن الألم والموت أن المسيح جعلهما سبيلاً إلى الفرح والحياة.
وطئ الموت بالموت ووطئ الألم بالألم.
أية قوّة فعلت فيه وجعلته يطأ الموت بالموت والألم بالألم؟
قوّة المحبّة!
لأنّه كان يعرف من أين أتى وإلى أين يذهب،
لأنّه كان في الآب والآب فيه، ولأنّه أحبّ خاصته الذين في العالم، أحبّهم إلى المنتهى (يو 13: 1)،
أسلم نفسه للألم والموت طوعاً.
هذا ما حقّقه الربّ يسوع لتلاميذه وعلّمهم أن يُسلموا أنفسهم للألم والموت، طوعاً،
من أجل محبّته كما أسلم هو نفسه للآب السماوي.
السؤال هنا:
إذا كان الأمر ميسوراً ليسوع لأنّه ابن الله أفيكون ميسوراً لنا ونحن لحم ودم؟
بكل تأكيد!
وذلك لسببَين:
لأنّ المحبّة قوّية كالموت (نش 8: 6)
ولأنّ المياه الغزيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبّة..." (نش 8: 7)،
ولأنّ الإيمان بيسوع يمدّنا بالقوّة لا شك في ذلك.
"هذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا" (1 يو 5: 4).
هذا ما نسمّيه، في التراث،
"النعمة المؤازرة"،
ومقابلُه، في جهاد يسوع، قبل أن يُسلَم للصلب،
أن ملاكاً ظهر له من السماء وصار يقوّيه (لو 22: 43).
ولكن، لماذا أبقى يسوع على الألم والموت ولمّا يُلغهما؟
في منطق الخطيئة كنا نهرب من الألم بالمتعة والخيال،
وحين لا نستطيع أن نهرب بالمتعة والخيال نسقط في المرض والاكتئاب.
في منطق المحبّة الإلهية بتنا نعرف ضعفنا بالألم ومحدوديتنا بالألم.
صرنا نتعلّم التواضع بالألم بعد استكبار.
صار الألم يعلّمنا كم نحن بحاجة إلى الله.
صار الألم مجالاً وتعبيراً عن البذل محبةً لله والإخوة.
لم يعد الألم مجرّد معاناة لا معنى لها نتحمّلها تحمّلاً.
صار محكاً للمحبّة حتى إن مَن لا يكون مستعداً لأن يكابد الألم الذي تستدعيه المحبّة،
في الشدائد، لا يكون محبّاً قَطْ.
كيف يكون الإنسان محبّاً ولا يعاني في هذا الدهر،
من أجل مَن يحبّ؟!
يسوع جعل الألم مجالاً لترسيخ المحبّة،
والمحبّة جعلت للألم نكهةً جديدة.
جعلته ألماً مفرحاً.
جعلته حزناً بهياً.
لا علاقة لذلك بمحبّة الألم في ذاته.
هذا مرض نفساني!
ولا نحن نتلذّذ بالألم تمثّلاً بآلام يسوع.
هذا أيضاً مرض نفساني!
نحن نتمثّل بيسوع في محبّته للآب وللعالم
وفي استعداده لأن يحمل الصليب
الذي سمّره حَسَدُ اليهود عليه وقَبِلَه هو، من ذاته.
كلا لم يكن صليب يسوع تمثيلية ألميّة.
كان واقعاً مفروضاً في إطار هذا العالم.
وهو باق كذلك حتى يأتي بنا، بمعاناة المحبّة، إلى الفرح.
لهذا أبقى السيّد على الألم والموت!
لأنّه جعلهما للخلاص!
للفرح والحياة الأبدية.
يوم يصير الألم مشبَعاً بفرح معرفة الله
يومذاك ينسى المألوم ألمه
لأنّ إنساناً جديداً يكون قد وُلد في العالم...
إلى حياة أبدية!
[line]-[/line]
ربّي أسألك نعمة القداسة لأبتي وقرّة عيني
ومهذب جموح أهواء نفسي المُمية,
فارسُ السيّد المدجج بألسنة روح القدس النارية.
ربي احفظه جهبذاً قاطعاً في الرأي المستقيم وأقيمه سيفاً فاصلاً على غزاة كلمة كنيستك وأتباع الشياطين.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
[/align]

.gif)
.gif)

.gif)
.gif)

المفضلات