تتمة شرح القداس الإلهي
المتروبوليت بولس يازجي

قداس المؤمنين:

ينتهي الجزء الأول من القداس الإلهي المعروف بقداس الموعوظين أوقداس "الكلمة" بالعظة ويبدأ الجزء الثاني أو قداس المؤمنين. في الجزء الأول ظهر لنا يسوع عبر الكلمة الإلهية التي سمعناها في الرسالة والإنجيل والعظة. في القديم كان الموعوظون أو الذين يتهيأون للمعمودية يخرجون من الكنيسة عند هذا الحد من القداس بناءً على دعوة الشماس لهم بأن يخرجوا.
الأنديمنسي:

بداية قداس المؤمنين تكون مع فتح الأنديمنسي لتوضع عليه القرابين المقدسة. والأنديمنسي كلمة يونانية وتعني "عوضاً عن المائدة"، وهو كناية عن قطعة قماش مستطيلة عليها أيقونة المسيح وهو في الرمس، وحول الصورة كُتبت طروبارية الجمعة العظيمة: "إن يوسف المتقي أحدر جسدك الطاهر من العود..." فالذبيحة التي ستوضع على الأنديمنسي ليست سوى صورة لذبيحة الصليب التي قدّم فيها الرب نفسه فداءً عن البشر أجمعين. وغالباً ما يوضع في زاوية الأنديمنسي جزءاً من رفات أحد القديسين. لأنه في القرون الأولى كانت تقام الذبيحة الإلهية على أضرحة القديسين الشهداء الذين قدموا دمهم وحياتهم ثمناً لإيمانهم بالرب يسوع. ويقوم الأسقف عادةً بتكريس الأنديمنسي عبر التوقيع عليه، وذلك للدلالة على التفويض الذي يمنحه الأسقف للكهنة لكي يقيموا بدورهم الخدمة الإلهية، وتوقيع الأسقف كذلك هو علامة طاعة للرب وللأسقف الذي هوصورة للمسيح رئيس الكهنة الأوحد، ورمزاً للشركة التي تجمع الأسقف والكاهن والرعية.
صلاة الكاهن من أجل نفسه:

يقول الكاهن عند فتح الأنديمنسي الاعلان التالي: "حتى إذا كنا محفوظين من عزتك كل حين.."، وبعده يتلو صلاة من أجل نفسه "ليس أحد من المرتبطين بالشهوات..." يعلن فيها عدم استحقاقه لخدمة الأسرار الإلهية المقدسة، ويعترف أمام الرب أنه إنسان خاطئ ويطلب منه أن يطهره ويجعله مستحقاً للوقوف أمامه بالروح القدس المعطى له بسر الكهنوت. يعي الكاهن أن ما سيحمله بيديه البشريتين (الجسد والدم الإلهيين) هو فوق استحقاق البشر، لذلك يطلب عون الرب لأداء هذه الخدمة؛ وأيضاً أن المسيح هو الذي يقرّب الذبيحة التي قرّبها مرة ومازال يقرّبها. يشعر الكاهن هنا بالرعدة في داخله لذا يطلب المعونة من العلاء لكي يكون السر فاعلاً في قلوب المؤمنين وحياتهم.
الشاروبيكون:

أثناء تلاوة الكاهن الصلاة من أجل نفسه ترتل الجوقة ترتيلة التقدمة أو ما يعرف "بالتسبيح الشاروبيمي) "أيها الممثلون الشروبيم سرياً..". غاية هذا التسبيح الشاروبيمي تهيئة المؤمنين للاشتراك في الأسرار المقدسة. إنه دعوة لهم لكي يتشبهوا بالملائكة المحيطين بالعرش الإلهي المسبيحين باستمرار: "قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت" (اشعياء6). وتدعونا هذه الترتيلة إلى التشبه بالشاروبيم (وهم فصيلة من الملائكة) وترنيم تسبيح الملائكة والتجرد والترفع عما هو دنيوي مادي، ووضع الرب دائماً نصب أعيننا كما تفعل الملائكة. إن ملك الكل ورب الجميع سيأتي سرياً ويحضر بيننا على المائدة المقدسة فيجب علينا الاهتمام به فقط "لأن الحاجة إلى واحد" (لو42:10).
الدخول الكبير:

بعد انتهاء ترتيل التسبيح الشاروبيمي، يأخذ الكاهن الكأس والصينية عن المذبح في تطواف داخل الكنيسة ويضعها على المائدة المقدسة. إن هذه القرابين هي قرابيننا التي قدمناها عن أنفسنا وعائلاتنا، ويجب علينا أن نقدم قبل كل قداس إلهي تقدماتنا لكي نرفع صلاتنا جميعاً مشتركين مع بعضنا، كجسد واحد للمسيح، في الصلاة من أجل الجميع. الكاهن يحمل قرابيننا ويرفعها إلى الهيكل السماوي ويدخل معها إلى الملكوت لنجلس إلى مائدة الرب في ملكوته ونشترك جميعاً في ذبيحة المسيح. أثناء التطواف يعلن الكاهن: "جميعكم ليذكر الرب الإله في ملكوته السماوي كل حين.." ثم يرفع رئاسة مطران الأبرشية ويذكر الأحياء والأموات الذين قدمت على اسمهم القرابين المقدسة. نستودع من نذكرهم الله. نذكر الأحياء والأموات معاً لأنه لا شيء يفصل في الكنيسة بين من رقد ومن هو حي. الجميع، أحياءً وأمواتاً، أحياء في المسيح يسوع، لأن المسيح "إله أحياء وليس إله أموات" (متى23:22).
أخيراً عند وصول الكاهن إلى داخل الهيكل يضع القرابين على المائدة ويضع عليها الستر الكبير، إشارة إلى دحرجة الحجر عن باب القبر الذي وضع فيه المسيح.
الطلبات:

بعد الانتهاء من وضع القرابين على المائدة المقدسة يبدأ الكاهن تلاوة سلسلة من الطلبات (لنكمل طلباتنا للرب) التي تسبق الكلام الجوهري. وتقسم إلى قسمين: القسم الأول يجيب عليه الشعب بـ "يارب ارحم" ويطلب فيها الكاهن من أجل القرابين ونجاتنا من الضيقات والضرر والأحزان والشدة. والقسم الثاني يجيب عليه الشعب بـ "استجب يا رب". ويسأل الكاهن من الرب السلام ليومنا وأن يحفظ نفوسنا وأجسادنا من الشرير. وأن نمضي بقية حياتنا بالسلام الذي من الله وأن تكون حياتنا مسيحية لكي يكون وقفنا أمام منبر المسيح في اليوم الأخير بلا عيب.
قانون الشكر أو الكلام الجوهري

بعد انتهاء الطلبات يقف الكاهن في الباب الملوكي ويمنح السلام والبركة للشعب قائلاً: "السلام لجميعكم"، مفتتحاً بذلك قانون الشكر أو ما يعرف بالكلام الجوهري. الكاهن يمنحنا سلام الله، لأنه جيد أن نكون في حالة سلام مع الله ومع الآخرين ومع أنفسنا في هذه اللحظات المقدسة.
ثم يعلن الكاهن "لنحب بعضنا بعضاً لكي نعترف بعزم واحد مقرين، ويجيب الشعب: "بآب وابن وروح قدس، ثالوث متساوٍ في الجوهر وغير منفصل". في القديم كان الشعب عند هذا الإعلان يتبادلون القبلة المقدسة، كما يقول بولس الرسول: "سلّموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة" (رومية16:16)، ويرددون خلالها: المسيح معنا وفيما بيننا كان وكائن ويكون. هذا الترتيب مازال محفوظاً إلى يومنا هذا بين الكهنة في الهيكل. فبسبب محبة المسيح التي فينا لا يسعنا إلا أن نحب الغريب الذي يقف بجانبنا الذي سيشاركنا هذه الكأس الواحدة. الدعوة إلى المحبة بيننا تفتتح الكلام الجوهري الذي نستعد فيه للمناولة، فالمحبة ليست موضوعاً نظرياً، بل عمل يترجم بأفعال محبة نؤكد فيها للعالم أننا فعلاً جسد واحد هو جسد المسيح، وأن المسيح حاضر بالحقيقة معنا وفيما بيننا.
الأمر الثاني المهم في هذا الإعلان هو ارتباط إعلان محبتنا لبعضنا بإقرار إيماننا بالثالوث القدوس. وعت الكنيسة أن الشرط الأساسي للفكر الواحد، الذي يطلبه منا المسيح، هو المحبة التي هي على صورة محبة المسيح لنا، على صورة محبة الثالوث الأقدس الذي نعلن إيماننا به. المحبة والإيمان بالثالوث الأقدس مرتبطان. فكما أن الثالوث هو في وحدة نابعة من محبة سرمدية هكذا يجب أن نكون في محبة بعضنا كما الثالوث لنصير واحداً في المسيح. وكما أن المحبة شرط أساسي لاشتراكنا بالذبيحة الإلهية، كذلك إيماننا المشترك الواحد بالثالوث هو شرط أساسي لهذه المشاركة. الإيمان المشترك الواضح هو الركيزة الأساسية للمناولة المشتركة لذا يأتي تشديدنا على وحدة الإيمان في الكنيسة قبل المناولة المشتركة. المناولة المشتركة مع الآخرين هي تتويج لعملية الوحدة الإيمانية وليست وسيلة للوصول إلى الوحدة.

يتبع،،،