[frame="12 95"]
د- الخاتمة (آ 32- 33)
تبدو الخاتمة تتويجاً للمقطع كلّه. تبدأ بتأكيد احتفالّي يدخل من جديد إحدى الكلمات الخاصّة بالرسالة: السّر. لفظة ترتبط بوحي نتقبّله. يرتبط السّر بالزواج، بل بتدبير الخلاص كما في بداية أف. إنه يلامس كشفاً عن بُعد العمل الخلاّق حسب تك 2: 24 وهو يعني مدلول النصّ البيبلي. هذا ما يدلّ عليه ولْي آ 32: أنا أؤكد أن النص يتعلّق بالمسيح وبالكنيسة. حين كشف بولس أهمية تك 2: 24 ككلمة تختم علاقة المسيح بالكنيسة في جسد واحد، سار في خط الاستعارة. حين يتكلّم تك عن الرجل والمرأة، فهو يتكلّم عن السّر الذي يوحّد المسيح بالكنيسة
"هذا السّر عظيم". هنا نتذكّر 1 تم 3: 16 "إن سّر التقوى عظيم") الذي يبدأ مديحاً للمسيح. أما لفظة "عظيم" فتعني "حاسم". "أنا أقول". يرى بولس أنه أمام تفسير جديد، ولهذا أراد أن يستند إلى سلطته الرسوليّة. هنا نتذكّر كلمات يسوع في خطبة الجبل في إنجيل متّى "قيل لكم... أما أنا فأقول لكم".
فليحبّ كل واحد منكم امرأته" (آ 33). وهكذا تعود النهاية إلى الارشاد بشكل تعاكس مع آ 22، 25: النساء، الرجال. ثمّ الرجال، النساء. ويعود الرسول إلى اللهجة الشخصيّة: كل واحد هو مدعوّ. على الرجال أن يحبّوا. وما يسند هذا الأمر ليس ذكر حبّ المسيح لكنيسته، بل ذكر وصية حبّ القريب حيث تتمّ الشريعة كلّها (غل 5: 14؛ لا 19: 18: مثل نفسه). هناك مقابلة بين "كما يحبّ نفسه" و"كما أحبّ المسيح الكنيسة" في آ 25.
والكلمة الأخيرة تتوجّه إلى النساء. تحريض تصير يدمج آ 21 مع آ 22: خضوع متبادل في مخافة المسيح. خضوع النساء لأزواجهن كما للربّ. وننتهي في: لتخف، لتهب المرأة زوجها. فمن خاف الربّ أحبّه كما يجب أن يحب كإله يُعبد. والمرأة التي تهاب زوجها تحبّه كما يجب أن يحب الزوج.
3- المسيح والكنيسة، الرجلوالمرأة
أ*- المسيح والكنيسة
خلال هذا المقطع (5: 21- 33) نظر بولس إلى المسيح والكنيسة في إطار الزوج والزوجة. في الواقع، نقل إلى العهد الجديد موضوعاً معروفاً في العهد القديم: تضمنّته فكرة عهد الله مع شعبه، وأوضحه للمرّة الأولى هوشع ففسّره عهداً زواجياً (هو 2: 18- 22). وسيرى هذا النبي عينه في حبّ الله لشعبه نموذجاً يُقتدى به في الحياة الزوجيّة (هو 3: 1).
إستعمل بولس هذا الموضوع، ولكنه لم يقل هنا بوضوح، كما قال في 2 كور 11: 2، إن المسيح هو الزوج والكنيسة هي الزوجة. غير أنه سمّى المسيح "الرأس" والكنيسة "الجسد". وإذ نعل هذا، طبّق رسمة لا نجدها في العهد القديم، ولا تظهر في العهد الجديد إلاّ في كو وفي أف. فالفكرة القائلة بأن الكنيسة هي جسد، هي جسد المسيح، نجدها في الرسائل السابقة (روم 12: 5؛ 1 كور 13: 27) حيث يطبّق بولس على الكنيسة صورة عرفها العالم اليوناني وهي أن المجموعة البشريّة هي "جسد". ومجموعة "الكنيسة" تتميّز بتأثير المسيح فيها، وبانتمائها إلى المسيح: في هذا المعنى هي تستحقّ بكل جدارة أن تُدعى جسد المسيح. وبما أن المسيح هو الربّ ورئيس الكنيسة، فمن الطبيعيّ أن ندعوه رأس الكنيسة. وهكذا نصل إلى رسمة أف التي تتوافق مع رسمة العروس والعريس. ففي العقلية البيبلية، العروس هي جسد العريس كما يقول تك 3: 23- 24. وبما أن الكنيسة هي عروس المسيح، نستطيع أن نعتبرها جسد المسيح.
وإذ أراد بولس أن يسند اعتباراته هذه، أورد آية من تك وزاد: "إن لهذا السّر بُعداً عظيماً. أريد أن أقول أنه ينطبق على المسيح والكنيسة" (آ 32). يبدو أنه يرى في الزوجين "الأولين" نموذج كل زواج بشري وصورة نبويّة مسبقة لوحدة المسيح والكنيسة. أما لفظة "سّر" فتدلّ عند القديس بولس على واقع خفيّ يكشفه الوحي وحده. في الواقع، نحن مع "السّر" أمام واقع ينتمي إلى مخطّط الله الأزلي، وهذا الواقع يعرّفنا به الله. أما هنا فالسّر يدل على المعنى الرمزي لاتحاد آدم بحواء. ففي مخطّط الله، رمزَ الزوجان الأولان (وهيّأ بشكل تاريخي) إلى اتحاد المسيح بالكنيسة، الذي يحقّق، في ملء حقيقة الله، اتحاد الرجل الأول بالمرأة الأولى. حين خلق الله الزوجين الأولين بدأ يحقّق مخطّطه الذي كان معناه الأخير مخفياً في هذين الزوجين. ولكنه لا يتحقّق بشكل نهائي ولا يدلّ على معناه الكامل إلاّ في المسيح والكنيسة.
وأوضح بولس وضع المسيح والكنيسة، فاستعان برسمتين اثنتين: الزوج والزوجة. الرأس والجسد. وعرض في هذا الإطار على التوالي موقف هذا وذاك. ففي ما يتعلّق بالمسيح، صوّر حبّه وعطاء ذاته نحو الكنيسة مستنيراً بهذه العبارة "مخلّص الجسد". وذكر الوجهات الأساسيّة في نشاطه من أجل الكنيسة: التطهير والتقديس، العناية الدائمة. من جهة، أراد المسيح لنفسه عروساً (جسداً) مقدّسة، لا عيب فيها. من أجل هذا طهّرها في اغتسال فاعل وبذل ذاته لأجلها. نكتشف عبر هذه اللغة الرمزيّة التعليم عن الفداء والتقديس. هنا يستعيد بولس ما سبق وأعلنه في بداية الرسالة: إن الله اختارنا في المسيح "لنكون قدّيسين بلا عيب في حضرته بالمحبة" (1: 4). والمسيح نفسه هو الذي يقدّسنا حين ينقذنا بدمه من خطايانا (1: 7). واغتسال الماء الذي ترافقه كلمة يمثّل بكل وضوح سّر المعمودية
.
لا يفسّر النصّ علاقة المعمودية بموت المسيح، كما لا يشير إلى طريقة عمله فينا. هنا يجب العودة إلى نصوص أخرى. تقول لنا روم 6: 3- 4، إننا بالمعمودية نشارك في موت المسيح لنقوم معه: نموت للخطيئة، وندخل في حياة جديدة من القداسة. وتفهمنا تي 3: 5 أن هذا التجديد الذي يتمّ بالمعمودية هو عمل الروح القدس. وتوضح 1 كور 12: 13 أننا أمام العماد في الروح. وهذا الروح يوحّدنا بيسوع المائت والقائم، لأنه روح يسوع، روح القداسة الذي فيه يهب يسوع حياته ويدخل في القيامة والحياة الأبديّة. لأنه الروح الإلهي الذي به يملك يسوع على البشر، ويقدّسهم، ويدخلهم في جسده، ويجعلهم شبيهين به.
ونشاط يسوع تجاه الكنيسة لا ينتهي بالمعمودية التي هي بداية هذا النشاط وأساسه. فهو لا يزال يحيطها بعناية تتحدّث عنها أف بالتفصيل: إن المسيح يجعل من الكنيسة ملئه (1: 23). أي: يملأها بحياته الروحيّة وبغنى الخيرات الإلهيّة. والمسيح يسهر على نموّ جسده فيحرّك مختلف الخدم. ويؤمّن التوافق والتماسك بين مختلف الأعضاء. ويغذّي الكنيسة بالمحبة فيقودها إلى كمال القامة التي تليق بمثله (4: 11- 16).
أما الكنيسة فتخضع لرأسها ورئيسها. وبما أن موقف المسيح تجاهها هو ما هو، نفهم أن خضوعها ليس خضوع العبيد، لأن الكنيسة تعرف أنها محبوبة رئيسها، أنه يحبّها أكثر مما تحبّ هي نفسها. إذن، خضوعها هو استسلام واثق من قبل الحبيبة، وكأنه حبّها تجاه من تحبّ. فليس في علاقة السلطة ما يحطّ من قدرها فيبدو قاسياً. إن الكنيسة تعيش ارتباطها بعريسها في طواعيّة وحرّية تميّزان الحب. هو أحبّها وبذل نفسه من أجلها. وهي تبادله الحبّ بالحبّ وتدلّ على حبّها له بخضوعها وطاعتها.
ب- الرجل والمرأة
حين أورد بولس نص تك، أخرجه من نطاق التاريخ والزمن. فهذا النصّ يعلن جوهر الزواج كعلاقة الرجل والمرأة في العالم البشريّ. ويرى الرسول أن الحقيقة العميقة لهذه العلاقة نجدها في اتحاد المسيح بالكنيسة، إتحاداً يكون نموذجاً يُقتدى به. وقد ألهمت هذه الفكرة هنا كل تحريضات الرسول، لأنه يطلب من الرجل أن يحبّ امرأته كما أحبّ المسيح كنيسته. ويطلب من المرأة أن تخضع لزوجها كما تخضع الكنيسة للمسيح. لا نريد أن نشدّد على هذه الواجبات. بل نودّ أن نفهم نظرة القديس بولس.
يبدو أن الرسول يمتلك نظرية أخلاقيّة عن الزواج تتأسّس خارج نظريّته عن علاقات المسيح بالكنيسة. فهو يعلم، بمعزل عن معرفته للمسيح، أن الزوج هو رأس المرأة، وأن على المرأة أن تخضع لزوجها، وأن على الزوج أن يحبّ امرأته كما يحب جسده. لا يقدّم بولس الأسباب. ولا يحاول أن يكوّن خلقيّة زواج. كما لا يدلّنا على الطريقة التي بها تتكوّن قواعد هذه الحالة. بل يهمّ بالافصاح عن البواعث التي تدفعنا إلى ممارسة هذه القواعد والعمل بهذه الواجبات. والمقابلة مع سّر المسيح والكنيسة، تقدّم باعثاً دينياً يدفع المسيحي لكي يقوم بواجباته الزوجية. وبعبارة أخرى، لا يقدّم لنا بولس مقالاً في الأخلاق، بل يتوسّع في روحانيّة مسيحيّة للحياة الزوجيّة.
هذه الروحانية تتأسّس على مبدأ: هو علاقة المسيح بالكنيسة. هذه العلاقة هي القاعدة، لأن الوجود المسيحيّ هو "حياة في المسيح"، هو حياة تستلهم المسيح. والزواج هو أيضاً يُعاش في المسيح. ولكن بما أن المسيح هو في "وضع زواج" مع الكنيسة، يبدو من الطبيعي أن المسيح المتّحد بالكنيسة هو القاعدة المسيحيّة لكل حياة زواجيّة.
[/frame]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات