نحن في غمرة الاحتفالات بعيد ميلاد ربّنا يسوع المسيح، وعلى عتبة عيد الظهور، ظهوره للبشر. نحن أمام بداية جديدة لدخول الربّ يسوع في تاريخ البشريّة. ونحن في بدء العام السنويّ الجديد أيضاً، نحن إذن أمام أحداث جديدة وبالتالي أمام تجديد.
في مستهل هذه البدايات كلّها نقرأ اليوم في الكنيسة بداية إنجيل مرقس، وبدايته "بدء إنجيل يسوع المسيح". ولعلّ أهم الكلمات في هذا النصّ هو "بدء الإنجيل" من جهة؛ وشخص "يوحنا المعمدان" من جهة ثانية، الذي أعدّ الطريق، وطوبى لأقدام المبشريّن بالإنجيل. إن حقيقة الإنجيل (البشارة الجديدة السارّة) وشخصيّة يوحنا المعمدان، تطرحان علينا حكماً سؤالَين هامَّين:
السؤال الأوّل، والتحدّي الحيّ هو، هل يمكن للمسيحيّ أن يقف حيادياً أمام الإنجيل، أم أنّه يتطوّع للبشارة بهِ؟
لقد شاء الله أن يجعل دائماً أمامه من يُعدّ الطريقَ له. "كيف يؤمنون إن لم يسمعوا وكيف يسمعون إن لم نبشّر؟***"، يقول الرسول بولس. والسابق يوحنا المعمدان مهّد الطريق للربّ يسوع، وصورته مع بدء العام وبدء إنجيل يسوع المسيح تضعنا أمام هذا الموقف ولا تقبل منّا حياداً فيه.
إنّ محبّتنا للإنجيل وللكنيسة يجب أن تترجم فعلاً. "مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا". لا يمكن للمسيحيّ أن يلزم الحياد أمام دعوة الربّ لإرسالنا وأمام عطش الناس إلى حقيقة الإنجيل. فمن جهة هناك حبه للسيد ومن جهة أخرى هناك حبه للناس يدفعانه ليكون فعلاً سفيراً للمسيح في العالم. كلّ منّا هو "سابق" للمسيح وللإنجيل في عمله أو في بيئته، أو حيث انتدبته الحكمة الإلهيّة أن يكون. هذا هو تمليح الأرض. هذه غاية وجودنا على الأرض وهذا هو الهدف الأسمى لحياتنا. نحن في النهاية كالمعمدان صوت صارخ "أعدّوا طريق الرب".
في بداية هذا العام ومع ميلاد يسوع تجدّد الكنيسة العهد على إعداد الطريق للبشارة، وما سمعناه اليوم في الإنجيل ليس قصةً بل دعوة! لقد بدأت الكنيسة مسيرةً جديدة اليوم للبشارة أفلا يكون لنا نصيب في هذه الرسالة؟ المسيحيّ الذي يتأمل في إيمانه تحرقه روح البشارة، لأنه أحبّ الله والناس ويصرخ مع بولس الرسول: "الويل لي إن لم أبشّر".
والسؤال الثاني بتحدّيه الأقسى، هو كيف نكون رسل المسيح ومبشريّن بهِ على مثال سابقه المعمدان؟ إن كلمة يوحنا الصارخة أعدّوا طريق الربّ تدفع فينا الحماس والحيوية، لكن صورته أيضاً إلى جانب كلمته ضروريّة.
فالمعمدان أطلق في أيّامه ثورة روحيّة، ثورة على الفساد، ثورة على الجمود الروحي... بالنهاية كانت ثورته من أجل الالتزام والحياة بحسب الإيمان. إنّها ثورة تلحم الإيمان بالعمل. لذلك أرفق صرخته "أعدّوا طريق الرب" بـِ"اجعلوا طرقه مستقيمة".
ثورة المعمدان كانت لإعادة إصلاح المفاهيم حول الإيمان والجمال والغنى. فالإيمان هو الحياة والعمل، والجمال هو وجه الله، والغنى الحقيقيّ هو الفقر بالروح من أجل الله.
إن هيئة المعمدان- المبشر ليست هي المحبّبة، لربّما، لدى غالبيتنا. إنّها هيئة ناسك متجرّد لم يحيَ في القصور ولم يرتح إلى الراحة ولم يلتهِ بالتسليات! لعلّ صورة هذا المبشر تبدو قاسية علينا إذا ما نظرنا إلى لباسه من وبر الإبل وأكله من عسل وطعامٍ برّي. لكنّنا يجب أن نعترف بتواضع أن فقره هذا الخارجي دلّ بالعمق على إيمانه بما يبشر هو بهِ: أن الغنى هو في حمل كنـز الكلمة الإلهيّة والبشارة بها، وأن الجمال والمتعة في لمس قلوب البشر العطشى. هل يمكن للمترفّه أن يُعلَِّم أتعابَ البشارة؟ وهل يمكن لرجل المصلحة أن ينادي بالبذل؟ تحتاج البشارة دائماً إلى علائم على صدق المبشر. الشاهد يجب أن يكون الشهيد لتقوم الشهادة.
إذا ما تولّد لدينا السؤال: وهل علينا أن نكون كالمعمدان في لباسه ومأكله حتّى نصير مسيحيّين مبشّرين بالربّ وإنجيله؟ فالجواب هو السؤال عن عكس ذلك: هل كلّ ما نلبسه ونأكله ضروري لحياتنا وللبشارة؟ والجواب على ذلك هو المرضي لله. في كلّ الأحوال إن عشق البشارة سوف يرسم ويحدد لنا عفوياً ما نحتاجه من مأكل ومشرب وملبس.
إلا أنّ ألوان العالم المترفّه واللا مبالي والأناني هي ألوان ليست للباس المبشريّن. لذلك من هو في غنى يجب أن يكون غناه عصا للبشارة قوي، ومن هو في رفاهية فتحرره من عبودية الحاجة طريقاً ممهدة لأقدام المبشريّن. الربّ يسوع هو الكلّ للكلّ نخدمه في حياتنا في عوزنا وفي بحبوحتنا، نلبس لأجله ونعرى كذلك، ونأكل من أجله لأنّنا بهِ نحيا ومن أجله نتحرك.
نداء المعمدان "أعد*ّوا طريق الربّ" هو صوت الكنيسة الصارخ الذي يحرق قلوبنا في الميلاد ورأس السنة وفي كلّ بداية. "واجعلوا سبله مستقيمة" يحرق فينا كلّ عشق أرضي ويلهب نفوسنا بحب ما هو سامٍ ولائق. الدنيا مقدسة حين نأخذها واسطة بشارة وعكس ذلك ندنّيها. البشارة ليست نشاطاً إضافياً في حياتنا، إنّما هي تعبيرٌ لصدق حياة الإنسان بحسب الإيمان.
سيادة المطران بولس يازجي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
.gif)
رد مع اقتباس
المفضلات