ميلاد مجيد و أتضاع فريد وتهليل جديد" ...عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد .." ( 1تي 3 : 16 )
عندما تأمل القديس أثناسيوس الرسولي فى قصة تجسد وميلاد الكلمة كتب قائلاً : "إن تلطخت الصورة المنقوشة على الخشب بالأدران من الخارج وأزيلت، فلابد من حضور صاحب الصورة نفسه ثانية لكي يساعد الرسام على تجديد الصورة على نفس اللوحة الخشبية لأنه إكراما لصورته يعز عليه أن يلقي بتلك اللوحة وهي مجرد قطعة خشب بل يجدد عليها الرسم وعلى هذا المثال عينه أتى إلى عالمنا ابن الآب الكلي القداسة لكي يجدد خلقة الإنسان الذي خلق على صورته."
هذا ما فعلة الله مع الإنسان الذى قد أفسد الصورة التى أخذها من الله ، فجاء الله متجسداً لكى يصلح هذة الصورة ويجدد طبيعة الإنسان فخلع منه الإنسان العتيق حتى يلبسه الإنسان المخلوق حسب الله فى البر وقداسة الحق (اف 4 : 24)، وهذا ما عبر عنه القديس اغريغوريوس الناطق بالإلهيات فى قداسة الغريغورى بمصطلح ( خدمة الخلاص ) عندما قال " أنت الذى خدمت لى الخلاص لما خالفت ناموسك .."...
ولكى يتم هذا الخلاص كان لابد من شروط أهمها أن يأخذ الله جسداً ويولد من عذراء ، لذا فقد كان ميلاده مجيد مصحوباً باتضاع فريد وتهليل جديد كما سنرى ...
1- ميلاد مجيد :-
" الرب يعرف أفكار الإنسان إنها باطلة... ولكن ... عند الرب السيد للموت مخارج " (مز 94 : 11 ، مز 68 : 20) ؛
فعندما فشل الإنسان فى النجاة من حكم الموت الصادر ضده من محكمة العدل الإلهية ولم تكن أمامه طريقه أو وسيلة للخلاص من هذا الحكم ، ومن ثم الرجوع ثانية إلى الوجود فى الحضرة الإلهية، وحيث لا سبيل للحصول على الغفران أو التمتع باللّه إلا إذا تم أولاً إيفاء مطالب عدالتهوقداسته بوسيلة ما، كان لابد أن يظهر الله محبته لهذا المخلوق الذى خلقة لذاته (ام 8 : 31) ، بل ويظهر أيضاً حكمته فى تدبيره ، فحاشا لله ، تبارك اسمه ، أن يكون خلقه لهذا الإنسان مجرد فكرة طائشة ندم عليها بعد سقوط هذا الإنسان فى الخطية والتعدى ، وإلا لما كان قد خلقة من بداية الأمر ، وحاشا لله أيضاً ، وهو كلى القدرة والحكمة ، أن يعجز عن تدبير هذا المخلوق الذى خلقه بكلمه من فيه ( تك 1 : 27 ) ، لذا كان خلاص الإنسان عمل الهي ولا يستطيع أى إنسان أيا كان أن يؤتى بهذا العمل .
وعندما أظهر الله محبته لهذا المخلوق الضعيف ،كان تعبيره عن هذه المحبه تعبيرا صادقاً وقوياً وعميقاً فى مدلولاته ، فنجد ميلاده كان من عذراء وفى مذود من البقر ، ونجده يهرب من هيرودس وأعوانه ويظهر بسببه نجم غريب فى شكله وفى مواعيد وهيئة ظهوره ، بالإضافة إلى مجيء مجوس من المشرق يبحثون عن الصبى يسوع ويسجدون له ، وظهور جمهور من الجند السماوي مسبحين الله– رغم أنه منذ زمن طويل لم تشهد الأرض ظهور سماوى ...الخ
+ حتى فى العهد القديم نجد أن هذا الميلاد له مدلولاته التى كانت تنبىء عن عظمته ، فنجد أشعياء النبى يكتب موضحاً مجىء هذا الابن ومدى عظمة ميلاده فيقول : " لأنه يولد لنا ولد و نعطى ابنا و تكون الرياسة على كتفه و يدعى اسمه عجيبا مشيرا الها قديرا ابا ابديا رئيس السلام (اش 9 : 6)... ويكتب أيضاً النبى نفسه عن عذراوية هذا الميلاد وعن أسم المولود منها ويقول "ها العذراء تحبل و تلد ابنا و تدعو اسمه عمانوئيل (اش 7 : 14) ..
ونجد أيضاً حزقيال النبى يكتب عن دوام بتولية العذراء رغم هذا الميلاد فيقول : "فقال لي الرب هذا الباب يكون مغلقا لا يفتح و لا يدخل منه انسان لان الرب اله اسرائيل دخل منه فيكون مغلقا " (حز 44 : 2).
أما ميخا النبى فتنبأ عن مكان ميلاد السيد ، فى بيت لحم أحدى مدن يهوذا ، فقال : " أما أنت يا بيت لحم افراتة و أنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على إسرائيل و مخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل" (مي 5 : 2) و تلكم هى أهم النبوات التى تخص مولد السيد ، وجدير بالإشارة إلى أنه ما من ميلاد قد حدث فى تاريخ البشرية وكان له هذا الشأن والاهتمام، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أنه ميلاد مجيد، كما أسلفنا .
2- أتضاع فريد : -
ما أروع تلك العبارة التى قالها القديس أثناسيوس الرسولي وهو يصف أتضاع السيد المسيح حينما قال : " لقد صار الله إنسانا، لكي يجعل الإنسان إلها" أي ليتمتع بالطبيعة الإلهية.
فلا يحسب على الإنسان الذى يمارس أعمالاً بسيطة ويسلك بلا تكبر أو تشامخ أنه قد أصــبح أنساناً قد فعل كل الـبـر " كذلك انتم أيضا متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا اننا عبيد بطالون لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا "( لو 17 : 10) ، ولا يقال على الإنسان الذى يتنازل إلى أقل من مستواه ومركزه أنه أنساناً متضعاً وذلك لان الإنسان بطبيعتة مخلوق ترابى (1كو 15 : 47) ومن ثم فأي عمل صغير يقوم به هذا الإنسان لا يعتبر تنازل واتضاع منه ، وان كان عمله هذا يسمى سيرا فى دروب الفضيلة والكمال ومعرفة النفس لحقيقتها ، ولكن حينما يأخذ الله كلى المجد والكرامة جسداً ويولد فى مذود من أجل عبيده الذين تعدوا وصاياه وحقوقة ، فهذا هو الإتضاع بالحقيقة.
وحينما تأمل القديس ساويرس الأنطاكي عن ميلاد السيد قال: (إذا أراد ملك أن يذهب إلى مدينة صغيرة غير معروفة وعاجزة تماما عن احتمال مجيئه، فإنه يجعل نفسه متخفيا ويزيل عظمة ظهره ومجده الذي يحيط به لكي يصير محتملا من هذه المدينة، ولكنه رغم ذلك لا يستطيع إلا أن يدخل كملك متنازلا بصفة عامة عن مظاهر رتبته، هكذا أيضا ابن الله، كلمة الآب الغير مدرك، الأبدي أراد أن يأتي في صورة بشرية في هذا العالم، تواضع من مجده الأبدي وجاء إلى الإهانة (البشرية) ففي ذلك فعلا أخلى ذاته وأصبح ممكنا الوصول إليه وبأسلوب لا مثيل له وبطريقة فائقة خاصة تسمو على كل الطرق الأخرى دخل إلى عالمنا من باب إلهي ملكي يعني من البتولية، بميلاده في الجسد من الروح القدس ومن العذراء والدة الإله).
وهكذا أثمر اتضاع السيد فى أن يأتى بأبناء كثيرين إلى المجد (عب 2 : 10) ونجح أعظم ما يكون النجاح فى أن يرفع إليه من كانوا فى قاع الجحيم ... سلك بإتضاع فكان سبباً فى أن تنال كل الخليقة الوعد بالدخول إلى المجد" من أجل هذا نحن أغنياء بالخيرات الكاملة و بإيمان نرتل قائلين هلليلويا هلليلويا هلليلويا هلليلويا يسوع المسيح ولد فى بيت لحم "( من ذكصولوجيات عيد الميلاد المجيد ).
3- تهليل جديد :-
لقد شك بنى إسرائيل قديماً فى محبة الرب وقدرتة على تدبيرهم فى وسط صحراء لا زرع فيها ولا ماء " فوقعوا في الله قالوا هل يقدر الله ان يرتب مائدة في البرية. (مز 78 : 19) ، ولكن الله " .. أمطر عليهم لحما مثل التراب و كرمل البحر طيورا ذوات أجنحة. و أسقطها في وسط محلتهم حوالي مساكنهم." (مز 78 : 27 ، 28) ، وكان هذا إعلان الهي لهم عن وجود الله وحكمته وقدرته على التدبير والخلاص، وهاهو الله يعلن لنا أيضاً بميلاد ابنة عن قدرته العظيمة التى يستطيع بها أن يدبر سائر أمور الإنسان وكل حياته ، مهما كانت خطايا وظروف هذا الإنسان ونجاسته ، وحتى لو كلف أمر تدبيره أن يتنازل الله ويعطى ويتضع ويبذل.. الم يفعل هذا بميلاده العجيب ؛
الم يتنازل الله لكى يعطى للإنسان مكنة الارتفاع والوجود فى الحضرة الإلهية ثانية ؟!
الم يتضع الله فى ميلاده كى يرفع الإنسان من الآبار المشققة التى حفرها لنفسه ، وهى لا تضبط ماء ؟!
الم يتجسد الله لكى يعود الإنسان ثانية شريكاً للطبيعة الإلهية ؟!
الم يكن فى ميلاد المسيح بذل وتضحية وإخلاء وإنكارا للذات ، أقصى ما يكون البذل والتضحية والإخلاء وإنكار الذات ؟!
إن " يسوع المسيح هو هو أمسا و اليوم و إلى الأبد " (عب 13 : 8) ، ولكن " متى جاء ابن الإنسان العله يجد الإيمان على الأرض " (لو 18 : 8)..
لذا ففى هذه المناسبة دعوة للاقتراب إلى الله " الذي يريد أن جميع الناس يخلصون و إلى معرفة الحق يقبلون (1تي 2 : 4)، حقاً فى هذا اليوم ستفرح السماء (لو 15 : 7) وتسطيع ملائكتها أنتنشد ثانيةً " المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة " (لو 2: 14) .
و إن يسوع ينتظر أن يقبل إليه كل أحد لكى يتمتعوا معه بشركة مجده ، فهذه هى شهوته التى أوضحتها جليا صلاته الشفاعية مع ألاب ، الم يقول فيها " أيها الاب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم" (يو 17 : 24) .
فليت كل إنسان فى بداية عام جديد يكون هذا العيد سبباً فى تغير خطواته وميوله وأفكاره من الباطل والظلم والظلمة إلى السير والميل والتفكير فى " كل ما هو حق كل ما هو جليل كل ما هو عادل كل ما هو طاهر كل ما هو مسر كل ما صيته حسن ان كانت فضيلة و إن كان مدح .. " (في 4 : 8) وذلك حتى يتثنى لكل إنسان أيضاً أن يقف "... بلا لوم في يوم ربنا يسوع المسيح " (1كو 1 : 8) لأنه "مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي "(عب 10 : 31)" لإلهنا كل كرامة ومجد إلى الأبد أمين.
كل عام وانتم بخير

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
.gif)

المفضلات