النص الكامل لخطاب غبطة البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، أثناء اللقاء التضامني مع الشعب الفلسطيني استنكاراً للعدوان على قطاع غزة، وذلك في الكاتدرائية المريمية في دمشق. حيث حضر رؤساء وممثلوا كافة الكنائس المسيحية في سوريا.

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد أمين.
أهلا بكم أيها الأحباء لكي نرفع صوتاً واحداً إلى الله سبحانه وتعالى، ونطلب إليه أن يرحم أولئك الذين نسمع كل يوم أخباراً عن قتلهم، نذكرهم أطفالاً كانوا أم نساء أم رجالاً. هؤلاء الذين نسأل الله أن يرحمهم.
ونذكر أيها الأحباء ذلك الشخص الذي رحمه معلمه، لكن هذا الشخص نفسه كان له دين على إنسان قد يكون فقيراً وإمكاناته لاتساعده على تسديد الدين فأخذ صاحبنا يعنفه لا بل يضربه و يهينه، وهنا قال له ربه: يا هذا، لقد طلبت مني الرحمة ونلتها ألا ترحم أنت؟ لا يحق لك بالفعل. أن تُرحم طالما أنت لم تَرحم.
عندما نسمع ما نسمعه في الأخبار وغيرها نتساءل أين هي الرحمة ؟. لقد تعودنا في هذه الفترة، وهي طويلة وليست قصيرة، تعودنا أن نسمع كثيراً عن القتل، ولاسيما للأبرياء. ونحن لا نحبه حتى للمجرمين وغير المؤمنين، أما الأبرياء فما كانوا يعاملون مثل هذه المعاملة التي نحن نراها.
أيها الأحباء أرضنا أرض السلام ، وقد عبر عنه الملاك " المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة". لقد جاء يسوع ليكون إله السلام وأب المراحم. ماذا يحصل الآن في الأراضي المقدسة، لقد كانت الرحمة فيها مسيطرةً سيطرةً تامة عندما أتى واحد وهو ابن الله الوحيد لكي يقول لكل الناس انظروا الرحمة، أنا لكم بكليتي، وكأنه أراد أن يقول لهم أن عندكم جماعة تتكلم عن الأخلاق ولكنها في الواقع لا تحترم الحياة البشرية. فالأطفال يقُتلون، يتذكر الإنسان في الجنازات كل شيء بالنسبة للكبار ولكن عندما يكون المتوفى طفلاً يتساءل لماذا يموت ولماذا يقتل ويتمنى لو أن الموت والقتل انحصر في الكبار الذين يتبادلون مثل هذه اللغة.
الأرض المقدسة أيها الأحباء فيها التوراة وفيها الإنجيل وفيها الإسلام فماذا يرُى فيها الآن؟. أين الرسالة التي أرادها الله لهذه الأرض؟.لم يعد يُعرف أيها الأحباء أنه إذا ماكتب لنا أن يعيش الواحد منا بكرامة، أولم يعطى له ذلك.
كلكم ترون الصور، والبعض لا يمكنهم النظر إلى مثل هذه الصور. خشنٌ هذا الإنسان، إنساننا أصبح خشناً وقاسياً وهذا ما نجده في هذه المنطقة بصورة غير مألوفة، بصورة لا نراها في التوراة، ولا نجدها في الإنجيل أو في الإسلام .
من هو الإنسان؟ أجاب المفكرون الأولون انه حيوان ناطق، حيوان ولكنه ناطق. ما نراه ونشاهده لم نسمع به من قبل. في منطقتنا الإنسان يذبح كالخراف على يد بشر يدعون بشراً، ولا يزال ذلك يُفْعل.
كنت تذكر الوصايا العشر وكنت أقرأها اليوم بصورة خاصة فقلت: أين هم الذين يقرأون الوصايا الإلهية وفيها وصية من أقصر الوصايا "لا تقتل". لم يذكر حالة استثنائية واحدة يتاح فيها القتل. "لا تقتل"، لا تحتاج إلى تفسير ولكنها تتوجه إلى الإنسان الناطق، إلى صورة الله ومثاله فأين نحن من كل هذا؟!!.
أيها الأحباء، يبدو أننا في هذه المنطقة نعرف كيف نقاتل ونعرف كيف نحارب ولكن لا نعرف كيف نصنع السلام. ولا نرى أن الذين يتألمون كثيراً من غياب السلام هو نحن. نعم فاعلو السلام لا يذوقون طعم السلام الذي يوجد في هذه الأرض.
ترى لماذا لا نكون رجال سلام؟! وقد سمعنا مرات عدة في عيد الميلاد ، أن إله السلام قد نزل، وجاء لا ليطلب شيئا أو يقاتل على أرض، أو فكر، أو قومية، أو عرقية. لقد جاء ليقدم نفسه من أجل هؤلاء جميعاً.
اليوم أيها الأحباء لقاؤكم هذا هو بركة وصرخة صامته إلى السماء، نحن لا نريد للإنسان مصيراً كالمصير الذي نحن فيه الآن."لا يفتخرن القوي بقوته. أما الذي يفتخر فليفتخر بالرب" هذا ما قاله بولس الرسول.
أيها الأحباء: قولوا ما سمعتموه. قولوه من كل قلوبكم لكي نطلب إلى الله الرحمة لهؤلاء الذين لم يركتبوا ذنباً ولم يؤذوا أحداً ويسببوا موت أحد. قولوا في قلوبكم: رحمهم الله وجعل لهم في الذكرى مثالاً يتعلم منه الباقون على هذه الأرض: إن السيف لا يحمي والذي يقتل بالسيف فبالسيف يقتل.
نحن نرفع الصوت عالياً لنقول: السلام أقوى، والسلام أنفع ويليق بهؤلاء، ونحن منهم، الذين يقولون إن الله خلقنا على صورته ومثاله وجعلنا وكلاءه على كل خلائقه. وليت الخلائق تتأمل جيداً بالصورة التي هم عليها وتجعل الناس يعرفون أنهم من صُنْع الإله وأنهم ليسوا آلهة. لسنا عباد أوثان، نعم لسنا آلهة فلننظر إلى الإله الحقيقي.
رحمة الله بصلواتكم على الجماعة التي فارقت الحياة دون أي ذنب. رحمة الله عليهم وقوى الله قلوبكم أيها الأحباء لكي لا تجعلوا للسلام بديلاً.

المصدر :مطرانية حلب