الموسيقى حين تستعبد الشباب
أدير محرك سيارتي, يرافقني أربعة شبان. اغتنم دائماً فرصة التنقل في السيارة لأتحاور مع من يرافقني. إلا أن الحوار لا يخلو من النزاع… وغالباً ما تكون الموسيقى موضوع النزاع. فما إن تنطلق السيارة حتى تصدح النغمات العنيفة والعدوانية من شريط الكاسيت الذي أدخل خلسة في الجهاز, موسيقى معاصرة خاصة بزمننا الحاضر, ربما كنت لأستطيع احتمالها لو كانت تفرض علي بدرجات خفيفة, إلا أن يداً خفيفة أخرى ترفع الصوت إلى أقصى الدرجات فأخفضه بدوري.
أشعر أحياناً بالانزعاج يفوق الاحتمال فأستبدل الشريط بآخر من اختياري، احتفظ به في السيارة. تراتيل غريغورية أحببتها واعتدت سماعها, عندما تعلو أصوات الرهبان من المكبرات الخلفية، يسد الشبان آذانهم, فأجيب بلهجة المربي وبشيء من التهكم: "كلٌ بدوره, لكلٍ منا موسيقاه, أنا أحتمل موسيقاكم، فتقبلوا موسيقاي".
يصعب على شخص راشد بعمري العيش على إيقاع المراهقين, إلا أن اختلاف العمر بيننا لا دخل له إطلاقاً بالاحترام المتبادل الذي يجب أن يكون قائماً كأساس لأية حياة مشتركة. أحب كافة أنواع الموسيقى. إلا أنني أبقى حذراً ومتيقظاً إزاء بعض أنواع الموسيقى التي يولع بها الشباب الغير ملائمة لتوازنهم، أذكر بشكل خاص بعض أنواع موسيقى الروك. عندما يرقص الشباب على أنغامها أرى أجسادهم تتخلع بعنف غريب. فتأثير هذه الموسيقى يبعث على إيحاءات و تخيلات جنسية ،… وهي تدل على عمق الفراغ العاطفي الذي يعيشه العديد من الشبان. لا يكمن الحل في تملق الشباب و اكتساب رضاهم من خلال مجاراتهم فيها.
تحتل الموسيقى حيزاً بالغ الأهمية من حياتهم. المسجلات و أجهزة الستيريو المتطورة، آخر الاسطوانات الصادرة لمغنيهم المفضل…إنها أمورهم الخاصة التي تعنيهم هم مباشرة ولا يجدر بأحد الاستخفاف بها. لكن علينا مساعدتهم على التنبه إلى وجود أنواع أخرى من الموسيقى (وليس فقط موسيقاهم)، ومنعهم من فرض هذه الأخيرة علينا.
أذكر مرة كنت أقود الشاحنة في رحلة طويلة مع بعض الشباب, كنت أخفض صوت الموسيقى كل خمس دقائق. تعبت في النهاية وأمرتهم بإطفاء الجهاز, لبوا طلبي معبرين عن سخطهم وتذمرهم, والنتيجة: بعد مرور عشرة دقائق، كان الشبان يتحدثون بدون انقطاع. فما إن توقفت الموسيقى حتى اكتشف هؤلاء الشبان أن لديهم الكثير من الأحاديث ليتبادلوها، وبدوا كأنهم قد ارتاحوا من ذلك الحاجز الموسيقي الذي كان يعزلهم الواحد عن الآخر....
إن نهر الشباب ونعتهم هم وموسيقاهم بالهمجية هو الوسيلة المضمونة لعزلهم أكثر في وحدتهم وصخبهم. إن موسيقاهم هي أشبه بصرخة مدوية (لو حاولنا التعمق فيها) وهي تترجم تساؤلاتهم العميقة وحاجتهم إلى من يصغي إليهم، وتوقهم إلى من يفهمهم و يحبهم.
للأسف استطاع تجار الموت التقاط هذه النداءات وتحليل هذه الحاجات. فهم يستغلون الفراغ العاطفي والجنسي الذي يعيشونه بالإضافة إلى خوفهم وقلقهم إزاء عالم اليوم المتأجج ليبيعوهم في المقابل اليأس في كلمات مشوهة: الأغاني مشبعة بجمل غريبة مثل: "الموت هو سبيلك الوحيد"، "لا جدوى من الحياة"، "استمتعوا طالما الفرصة سانحة"، "الأمل هو أكبر خدعة"، "المخدرات هي أفضل وسيلة للهروب"…
تتوالى هذه الحلول البائسة على مسامع الشبان طوال اليوم، مقرونة بألحان يعشقونها, والنتيجة: مزيج خطير قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. يتوقع الشبان المساعدة من الأشخاص الراشدين المحيطين بهم. إلا أن هؤلاء يرفضون تخصيص الوقت لهم ويتململون إزاء تساؤلاتهم الكثيرة، ويدينونهم من دون أي نقاش مساهمين بذلك في لجوء الشباب إلى مزيد من الضجيج وترسيخ عزلتهم وانغلاقهم ومخاوفهم.
عن كتاب احمل رجاءك وامشِ- ل"غي غلبير" -منشورات النور-

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات