اللي عاوزني يجيني ..
أنا ما باروحش لحد

كانت أول معرفتي به وأنا تلميذ بالمدرسة الابتدائية، وكان هو تلميذاً في مدرسة الحياة، برغم أن عمره لم يكن يزيد عني إلا ببضع سنوات قليلة، لا أنني تعودت أن أراه واقفاً أمام مدخل مدرستي يلاعب تلاميذها لعبة "التلات ورقات" ويستولي على قروشهم القليلة وساندوتشاتهم التي يتراهنون ليها.. وللأسف كان التلاميذ من خلاله يحاولون كسب المال بطرق غير تقليدية، تمهيداً لأن يصيروا من زبائن المدعى الاشتراكي فيما بعد!

وعندما اشتكاه ناظر المدرسة للشرطة – قيل إن الناظر فعل ذلك بعد أن خسر نقوده أيضاً في نفس اللعبة – جاء عدد من المخبرين لفحص الشكوى وإلقاء القبض على صاحبنا، ولكنهم بدلاً من ذلك أشفقوا عليه واعتبروا سجنه تعطيل لإحدى الأيدي العاملة. ولأن اليد البطالة نجسة فقد عرضوا على صاحبنا نوعاً من المشاركة في الأرباح وافق عليها مضطراً. وفي النهاية وبعد أن صار صاحبنا لا يحصل إلا على 1 % من الأرباح اعتزل اللعبة.

وفوجئت وأنا في المدرسة الاعدادية بأنه صار لصاً للغسيل.. لا يفرق بين فردة الشراب أو ملاءة السرير!

وذات ليلة أوقع سوء الحظ صاحبنا في سرقة غسيل جارة لنا كانت تزن ما لا يقل عن نصف طن، ولما قبضت عليه متلبساً بالجرم المشهود هوت فوقه بذراعها فلم يفق إلا بعد ثلاثة أيام، ودعاه ذلك الحادث إلى اعتزال المهنة الجديدة بعد أن شاهد الجيران والسكان يجري بالملابس الداخلية، بعد أن استولت الجارة السمينة على ملابس صاحبنا لحساب زوجها!

وبعدها وأنا في الثانوية فوجئت بصاحبنا وقد ارتدى جلباباً أبيض وأمسك بميكروفون ودفتر ايصالات مختومة، واقفاً على ناصية شارعنا يدعو المارة وراكبي الاتوبيسات للتبرع لأعمال الخير وبناء المستشفيات والملاجئ والمساجد. وسعدنا جميعاً لأن الله هدى صاحبنا، فأسرعنا بالتبرع ولكن شاء سوء الحظ أن يطارد صاحبنا في اصرار عجيب، وحدث ذلك عندما ذهبت زوجته الأولى لتشكوه في النيابة لأنه كتب عمارته الجديدة باسم زوجته الثانية، فلما فحصت النيابة البلاغ اكتشفت أن صاحبنا لم يسهم بالتبرعات التي كان يجمعها في أي عمل خيري، بل بنى بيا له هو شخصيا في امبابة!

وعندما دخلت الجامعة كان صاحبنا قد دخل السجن أيضاً، وعندما تخرجت من الجامعة كان هو قد تخرج من السجن. واختفى عن الأنظار بضعة شهور.. فوجئت بعدها بصورته في التلفزيون بعد أن صار من أصحاب شركات توظيف الأموال باعتبار أنه لا فارق كبيرا بين "لعبة الثلاث ورقات" و "توظيف الأموال"!

وصار صاحبنا يوزع ثلث رأس المال أرباحاً في كل عام حلالاً لا شبهة فيها كما تقول اعلاناته، وصار أيضاً يغيّر زوجاته كما يغير جلبابه الأبيض الناصع البياض.. مرة ظهراً ومرة مساء. وقال الطيبون من الناس إن صاحبنا رجل مبروك وإنهم اختاروه لايداع أموالهم لديه بالذات.

ولكنه هذه المرة كان قد تعلم الدرس، فعندما ذهبت زوجته الأخيرة لتكوه للنيابة بأنه لم يكتب لها النصف مليار جنيه التي وعدها بها وأنه قام بتهريب كل أمواله للخارج، أسرعت الشرطة للقبض عليه، ولكنه كان قد سبقها وطار إلى الخارج نحو بلاد بعيدة تتزحلق على الجليد في الشتاء وترتدي نساؤها الفراء في الصيف، وتحتفظ بنوكها بأسرار عملائها الكبار من صنف صاحبنا. و لما طالبه البعض بالعودة إلى مصر في نداء حار وإعادة أموال الغلابة التي هربها للخارج، أخرج صاحبنا لسانه للجميع قائلاً: اللي عاوزني يجيني.. أنا ماباروحش لحد!