من عجائب القديس يوحنا الروسي - 9

شفاء النزيف الأنفي
عانى أحد كهنة كنيسة القديس يوحنا من نزيف أنفي متكرر لمدة تتعدى الخمسة عشرة عاماً. فكان الدم ينسكب فجأة من أنفه وأحياناً بشكل خطير.
في أحد الأيام، كان الكاهن في طريقه إلى الكنيسة لإقامة القداس، فبدأ النزيف غزيراً قبل وصوله بقليل، حوالي الساعة الرابعة قبل الفجر. فسال الدم على لحيته وبلل جبته وشَعِر بضعف خفيف فذهب يبحث عن ماء ليغسل الدم. في تلك اللحظة، خطرت في فكره إمكانية أن يكون سبب هذا النزيف مرض قاتل فانتقل عقله إلى عائلته، أبنائه الثلاثة وزوجته، فتوجّه إلى القديس يوحنا قائلاً: "يا قديسي، إذا كان مرضي هذا يؤدّي بي إلى الحياة الأبدية، أنت اهتمْ بعائلتي. وإلا، من فضلك، اشفِني كي أقوم بواجباتي الكهنوتية والعائلية".
ثم غسل الدم ودخل إلى الكنيسة حيث لم تكن الأنوار الكهربائية قد أشعلت وكان الظلام يخيّم. كان هناك ضوء ذهبي خفيف يأتي من القناديل ويقع على الأيقونات فيظهِر وجوه القديسين. وقف الكاهن أمام الباب الملوكي فسجد وقبَّل الأيقونات تحضيراً للمهمة العظمى، أي الاحتفال بالقداس الإلهي. فإقامة القداس مهمة عظيمة ومرهبة يقوم بها الكاهن، حتى أن القوات الملائكية السماوية تتردد في أن تنحني وتشاهده. يُعطى الكاهن عند سيامته نعمة خاصة من الله ليقيم الأسرار المقدسة ويتلو الصلوات، كما يكتب القديس نيقولاس كاباسيلاس: كلمات الصلوات التي يتلوها الكاهن تملك القوة الإلهية، وتلك التي يطلبها شعب الله في القداس الإلهي بفم الكاهن تتم كل مرة.
وبينما كان الكاهن المريض يقف أمام الأيقونات، لاحظ بقربه شاباً طويلاً ذا شعر أشقر يلبس كالجندي. وكان يشير بأنه يريد شيئاً. اختصر الكاهن من ابتهالاته أمام الأيقونات، وعند وصوله إلى الأيقونة الأخيرة لم يعد يفصله أكثر من متر واحد عن الجندي الذي بدا مستعجلاً جداً إذ استدار نحو باب الكنيسة الرئيسي وكأنه لم يعد قادراً على الانتظار ويهمّ بالرحيل. دخل الكاهن إلى الهيكل مسرعاً وقبل أن يقبّل المذبح قال للقندلفت: "أخبر الجندي الواقف أمام باب الهيكل أن ينتظرني إذ قد قاربت أن أنتهي، إذ يبدو على عجل".
خرج القندلفت لدقائق ثم عاد وعيناه دامعتان ونَفَسه متقطع وقال للكاهن بأن ليس هناك أحد في الكنيسة ولم يكن هناك أحد: "لقد ذهبت إلى الخارج، ولكن كل شيء خاوٍ ومظلم. يا أبتي، لا بدّ أنّه كان القديس يوحنا". فأجابه الكاهن: "من الممكن. لا تقل لأحد شيئاً".
روى الكاهن هذه القصة بعد عشر سنوات من حدوثها في ذلك الصباح. وأكّد أن نزف أنفه توقف كلياً من بعدها ولم يعد يعوقه عن القيام بخدمته الكهنوتية، فهو يضمّ أصوات المؤمنين إلى صوته مصلياً من أجل خطاياه وجهالة الشعب بكلام الله والنعمة الإلهية الروحية التي للكهنوت.

مرض تضخم الرأس وتضخم الأجزاء اللينة من اليدين والرجلين (Acromegaly)
رُزقَت إحدى العائلات بطفل مريض. وقد شرح لهم أحد الأطباء عن مرضه، موضحاً بشكل قاطع: "لقد وُلد طفلكم بمرض نادر، لا بل بالحقيقة بشكله الأكثر رداءة. وهو يحتاج لعمليات جراحية معقدة لا بد منها لكنه ضعيف ولا يملك القوة لتحمّل أي علاج نحتاجه للتهيؤ للجراحة. الشيء الوحيد الممكن هو أن ننتظر تطوراً ما في صحته، لكنه أمر غير مؤكد الحدوث".
كان رئيس الأطباء المسئول عن هذه الحالة اختصاصياً معروفاً. رفضت والدة الطفل كلام الأطباء المحليين فحثّت زوجها على بيع كل ما لديهم للذهاب إلى باريس حيث توجد مؤسسة طبية كبرى للعناية بالأطفال من أصحاب هذه الحالة. هناك، وجدوا النتيجة ذاتها، وكانت نصيحة الأطباء الفرنسيين بألاّ يُدخلوا أنفسهم أبداً في أي عملية قاسية ومكلفة.
كانت والدة الطفل تفكّر في كلام يختلف عن كلام الأطباء. فهي، كأمّ، خلقها الله وهي تعاونه وتساعده في عمله. فهي تتألم حقيقة وعلى استعداد لتقديم كل شيء فيما هي تصرخ في قلبها إلى الرب: "خلص طفلي".
أصيب الطفل بحرارة مرتفعة جداً، فأخذته أمه بين ذراعيها وركضت إلى خارج المستشفى. أوقفت سيارة أجرة وسألته أن يأخذها إلى فيشي، وهي مدينة في وسط فرنسا معروفة بنبعها المعدني وفيها دير أرثوذكسي روسي لوالدة الإله كانت قد زارته أيام دراستها. ودخلت الأم الى الدير وذهبت مباشرة إلى أيقونة العذراء مريم وقالت: "أيتها الأم الكلية القداسة لقد استُنْفِدتْ شجاعتي. فإن كان لطفلي أن يموت، فليمُت أمام أيقونتك. أنا أتوسل إليك. أنت أيضاً أمّ وقد رأيتِ ابنك الغالي معلقاً على الصليب والدم يسيل حوله. لقد كنتِ قادرة أن تحتملي ذلك أما أنا فلا أستطيع أن أنظر ما قد جلبتُ إلى هذا العالم".
وكان في كنيسة الدير كاهن روسي اسمه سرجيوس إيفانوفيتس وكان يعرف القليل من اليونانية تعلمها خلال عمله لمدة في أثينا. هذا سمع كلام الأم فاقترب منها وقال لها بيونانيته المحدودة: "أنتم في اليونان عندكم قديس من وطننا، القديس يوحنا الروسي. إنه صانع عجائب عظيم. لقد حملتُ أيقونته لأعوام وكثيراً ما طلبت معونته. سوف أرسم علامة الصليب عليكِ وعلى ولدك بالأيقونة والله سيكون معك".
وعندما لامست الأيقونة جبهة الطفل تلوّى كالسمكة وصار عَرَقه بارداً. انحنت الأم لتضع شفتيها على جبهة الطفل، لا لتقبّله بل لتتحسس حرارته. لقد كان بارداً. من ثمّ أُقيمت سهرانية وصلوات طوال الليل من أجل الطفل.
في الصباح، عادت الأم إلى المستشفى وأُدخِل الطفل. وبعد ثلاثة أشهر، ومن دون إجراء أي جراحة، تأكّد النمو الطبيعي لعظام الطفل، وعاد الساعدان والساقان المشوّهان لينموا بشكل متوازن. أكّد الأطباء الفرنسيون بأنّ الحادثة شاذة علمياً.
وتؤكّد أم الطفل الفرِحة الآن بطفلها الذي يمشي بحيوية تامة، ويرتاد المدرسة: "إنها حادثة شاذة في العلم، لكنها من الإيمان ومن القديسين".

داء السكتة الدماغية (Apoplexy)
أصيبت ابنة السيد والسيدة باباديمتريو الصغيرة بغيبوبة فحملاها بسرعة إلى المستشفى. كانت الصغيرة تعاني من فقر الدم المنجلي وكانت تتقبل نقل الدم بانتظام في مستشفى القديسة صوفيا للأطفال في أثينا، لكن هذه الأزمة الحاضرة ليست بسبب مرضها. بعد تصوير الدماغ، دعا الاختصاصي السيدة باباديمتريو إلى غرفة الأشعة وأراها على الشاشة صورة مرعبة لا تُنسى، وفيها أن الدماغ الصغير قد أصيب بجلطة من الدم. ثم همس في أذن الأم وهو يشير إلى انسداد أوعية الدماغ: "بحسب الأبحاث سوف تموت".
"يا قديس الله، أرجوك أن تخلّص صغيرتي فاسولا". رفعت الأم ابتهالها إلى القديس يوحنا الروسي، فهي تعيش في أثينا حيث يعمل زوجها كشرطي، لكنها تأتي من قرية قريبة من مقام القديس. وفي تلك اللحظة شاهد الطبيب والأم على شاشة آلة التصوير شيئاً يشبه اليد ينزع تجلطات الدم من الدماغ، وسمعا صوت البنت الصغيرة الخافت، وكأنها تصحو من نوم عميق: "ماما أين أنتِ؟".
"هنا"، كانت الكلمة الوحيدة التي حاولت الأم أن تخرجها قبل أن تجهش بالبكاء.
كم أنت عظيم يا إلهي مع قديسيك!
فاسولا اليوم هي أم شابة ذات تسعة عشرة عاماً ولديها صبي صغير جميل بين ذراعيها.

مسيرة المئة كيلومتر
وُلِد في بلدة إستيا في آفيا الشمالية طفل برجلين منحنيتين إلى الوراء وملتصقتين بكتفيه. وقد جاهد الأطباء لمدة ثلاث سنين ونصف لإصلاح هذا التشويه المأساوي إلى أن توصلوا، وبعد عمليات متكررة، إلى فصل رجلَي الطفل عن كتفيه وإرجاعهما إلى وضعهما الصحيح. لكن الأطباء صارحوا والدي الطفل: "لقد قمنا بكل ما بوسعنا فعله لابنكم، ولكنه لن يستطيع أبداً أن يمشي إذ بحكم الواقع لا يوجد أعصاب في رجليه. اذهبوا وليكن الله معكم".
في البيت، جلس الأب يتأمّل ولده المشلول طريحاً في السرير. تذكّر القديس يوحنا الروسي، فصرخ بألم لا يطاق: "يا قديسي يوحنا، من أين لي أن أحتمل رؤية هذا الصبي السيئ الحظ طريح الفراش طوال حياتي؟ كيف أستطيع أن أتعامل مع هذا العبء؟ لقد شفيتَ العديد من الناس في كل أنحاء العالم، اجعل هذا الولد المسكين قادراً على الوقوف على قدميه، اجعله يمشي وأنا سأمشي حافياً إلى مقامك يوم عيدك. ليس عندي ما أقدمه إليك هدية سوى الحَمَل الصغير الذي في حديقتي. هذا سوف أجلبه لك".
وهكذا سار الأب والأم حافيي القدمين يتناوبان على حَمْلِ الولد والحمل. سارا لمدة يومين ونصف في غابات شمالي آفيا ووديانها الضيقة المنحدرة، من إستيا إلى بروكوبي، يدفعهما رجاء داخلي بأن يصغي القديس يوحنا إلى حزنهما ويعطيهما ما يرغبان.
في الكنيسة، صلّى الأهل بحرارة أمام الرفات المقدسة. كان الكاهن يرتل فيما الأب والأم يبكيان. كان الولد ملقى عند قاعدة صندوق الرفات ينظر بصمت. حتّى الحمل المنذور كان يثغو وكأنه يشارك أسياده حزنهم. إنها واحدة من كثرة لا تُحصى من المآسي التي يعيشها إخوتنا البشر وغالباً ما لا ندركها.
تلك الليلة، لم يشأ الأهل النوم في بيت الضيوف التابع للكنيسة، ولا في فندق، ففرشوا لحافاً أمام باب الكنيسة المغلق واستلقوا عليه. في منتصف الليل، أيقظ الأب ابنه المشلول. استفاقت زوجته أيضاً متسائلةً: "أناستاسي، ما هو الوقت؟ لماذا أيقظت الولد؟ ماذا تريد منه؟"
أجاب الأب: "أيتها الزوجة استيقظي، لقد صنع القديس يوحنا عجيبته". ثم قال للولد: "قمْ يا بني، تعال، اجلبْ لي القليل من الماء لأشرب". لقد كان جرة الماء قرب الصبي، لكن في الحقيقة، لم يكن عطش الوالد إلى الماء بل لرؤية العجيبة. وقف الولد وخطا أولى خطوات حياته.
بدأ الوالدان يصرخان في نصف الليل فاستيقظت القرية بكاملها واستيقظ الحجاج الزائرون وشاركوا في الشهادة لقوة الله التي تعمل بقديسيه.
ومنذ ذلك الحين، وفي الوقت نفسه من كل خريف، يأتي إلى زيارة كنيسة القديس يوحنا الروسي رجل قوي يحمل بين ذراعيه حملاً كثير الحركة كنذر رمزي عن حياته يقدمه للقديس. يسجد الرجل للصندوق حيث يستريح جسد القديس ويعانقه ويقبّله ثم يعود ليتابع جهاد الحياة اليومي.


نقلاً عن التراث الأرثوذكسي