مجمع خلقيدونيا وأثره على الكنيسة والشعب الأرمنيين (2)

ـ2. مجمع القسطنطينيّة 381
استمر النزاع الآريوسيّ بعد وفاة آريوس سنة 336 حيث ظهرت في الكنيسة تيارات متعدّدة تستند في عقيدتها إلى الآريوسيّة ولكنّها تختلف معها في بعض الوجوه. فعرف النيقاويون أيام صعّبة، وكان على كل من الفئتين أن تسعى لكسب أكبر عدد ممكن من الأساقفة والشخصيّات في فريقها. وهذا ما يفسّر تحوّل قسطنطين بعد فترة قصيرة من انعقاد مجمع نيقيا . إذ كان هذا الأخير ينشد السلام في امبراطوريته وحين لمس أن قرارات نيقيا لم تعط الثمار المتوقعة، أصدر عدداً من القرارات بعزل أو بجلب الأساقفة المواليين أو المعرضين بغية الهدف المنشود ألا وهو توطيد أركان حكمه في المملكة. وأتى بعد قسطنطين أولاده حيث كان كل منهم يميل إلى أحد الطرفين . وعقد في أيامهم عدة مجامع محلية كان أبرزهما مجمع الإسكندرية (362) ، مجمع إنطاكية (363).
كما ظل الصراع مستمراً في خطوطه العريضة بين النيقاوييّن وخلفاء الآريوسيين. وظهرت هرطقات جديدة، كان ورائها هراطقة جدد، في منحى الآريوسية أو نتيجة لتعاليمها. كما برزت مشاكل إدارية استوجبت التدّخل السريع والحازم، كقضية الإنشقاق الواقع في كرسي إنطاكيا، وقضية اغتصاب كرسي القسطنطينية على يد مكسيموس الكلبيّ. وقد وُصفت المعضلات التي أدت إلى عقد المجمع بالشائكة، والتي لم يكن لها مثيل في تاريخ الكنيسة .
أما على الصعيد السياسيّ فعندما تسلّم ثيودوسيوس العرش كانت الآريوسيّة منتشرة بقوّة في الشرق، وكان أسقف القسطنطينيّة ديموفيل آريوسيّاً. وكانت الكنيسة في حالة تضعضع وصراع بين النيقاويّين وعلى رأسهم اثناسيوس وغريغوريوس اللاهوتيّ وبين الآريوسيّين بمذاهبهم المختلفة. وكان الأرثوذكس في القسطنطينيّة يمارسون شعائرهم في بيوت خاصّة لأنّ الآريوسيّين سيطروا على كلّ الكنائس. وقد نال الإمبراطور ثيودوسيوس سرّ المعموديّة على يد أسقف تسالونيكيّ الأرثوذكسيّ، وأعلن، بعد تسلّمه العرش، أنّه لا يقبل الجدل العقائديّ الحاصل بين المسيحيّين في الساحات والأماكن العامّة المختلفة، لأنّ ذلك يحطّ من قدر المسيحيّة. فأصدر مرسوماً سنة 380 فرض فيه قانون الإيمان النيقاويّ على رعاياه، فأصبحت الأرثوذكسيّة دين الدولة الرسميّ، وألحقه بمرسوم في 10 ك2 381 حرم فيه كلّ من لا يؤمن بقانون نيقيا. وليثبّت ذلك دعا إلى مجمع مسكونيّ في القسطنطينيّة أمل في عقده سنة 378، لكن ظروف الحرب مع القوط حالت دون ذلك، وتأجّل عقده إلى سنة 381 .
1ـ2ـ1. أسباب الدعوة إلى عقد هذا المجمع
كما ذكرت سابقاً فقد ظهر للآريوسية أبطال جدد، جددوا إيمان معلمهم آريوس.كان أبرزهم افنوميوس الذي صاغ لاهوته بمنطق عقلانيّ – علميّ الطابع، حيث أخضع الإيمان لمقتضيات العقل. اقتنع بوجود ثالوث لكنه غير متساو في الجوهر حيث يوجد تراتبيّة في الدرجة والمنزلة والجوهر. دعى الله باللامولود جوهراً، وصنف الابن بباكورة خلائق الآب، كذلك وصف الروح بأنه أول أعمال الابن، فهو أدنى منه مرتبة وخاضع له. حيث أن الروح يأتي ثالثاً في الرتبة والمرتبة والكرامة أي في الطبيعة ، وبالتالي يكون أفنوميوس قد حقق فكرته في الوحدانية والتثليث على قاعدة اللامساواة في الجوهر بين الأقانيم. لجأ أفنوميوس إلى فقه اللغة مفسّراً آيات الكتاب المقدس وتعابيره. فتارة كان يعتمد على نظرية تطابق الأسماء وتارة أخرى على قلب الآيات مدخلاً نظرّية لغوّية أخرى، تستند إلى اساس المغايرة التامة بين التكلّم الإلهّي واللغة البشرّية مستنتجاً أن الكلمات عينها ليس لها المعنى نفسه في كل الحالات .
فرض أفنوميوس على الذين يريدون الانضمام إلى مذهبه إعادة معموديتهم، وكان يعمدهم مغطّساً إياهم مرّة واحدة، ومنكّساً رؤوسهم إلى أسفل وأرجلهم إلى أعلى . وقد توصل إلى رفض عقيدة نيقيا نتيجة تفكيره المنطقيّ وقال أن القرارات غير منطقيّة، فما كان من القديس باسيليوس الكبير إلا أن هبّ للدفاع عن الإيمان القويم، فكتب ثلاثة كتب ضد أفنوميوس يهدم فيها آراءه.
كانت هرطقة أفنوميوس، من جهة، أحد الأسباب الجوهريّة التي أدّت إلى عقد مجمع تناقش فيه آراءه، إلا أنها لم تكن السبب الوحيد لعقد هذا المجمع. فمن جهة أخرى، كانت مناقشات النزاع الآريوسيّ دائرة حول هوّية الابن ومنزلته في الثالوث، ولم يتطرق أحد لموضوع الروح القدس. ولكن ما لبثت أن خرجت هذه المسألة إلى الوجود، وأبرزت معها تساؤلات عن شخص الروح القدس وماهيته وعلاقته بالآب والابن. مما أدى إلى ظهور هرطقة ضد الروح القدس بين سنتين 359 و 360. عرفت بـ "خصوم أومحاربو الروح القدس" . راجت تعاليمهم وانتشرت في الشرق، ووصلت إلى مصر حيث كانت في قلب التيار الآريوسي. كان مؤسسها الحقيقي إفستاثيوس أسقف سبسطيا، أما زعيمهم فكان باسيليوس أسقف أنقيرة. ومن أشهر اتباعهم مكدونيوس أسقف القسطنطينية الذي شكّل جماعة كبيرة وإفستاثيوس أسقف سبسطيا وإلفسيوس أسقف كيزيكو وماراثونيوس أسقف نيقوميدية وآخرون.
تركزت تعاليم المكدونييّن على إنكار لاهوت الروح القدس ، مستندين إلى تعاليم الكتاب المقدس في ذلك. ولاقوا مشلكة في تصنيفه، فمن جهة اعتبروه خليقة كسائر المخلوقات، ومن جهة أخرى أرادو وضعه مع الأقنومين الآخرين. فصار الروح في معتقدهم نصف إله ونصف مخلوق .
ومن الهراطقة الآخرين كان أبوليناريوس أسقف اللاذقية، الذي أسّس مدرسة لاهوتيّة متأثرة بنسق مدرسة الإسكندريّة. لم يلحظ أحد بادئ الأمر أخطاء أبوليناريوس اللاهوتيّة، لكن عندما انتشرت تعاليمه هبّ الكثيرون لمواجهتها ومن بينهم أثناسيوس الذي كان صديقه في الدفاع ضدّ الآريوسيّين. فقام بدحض آراء الآريوسيين في الثالوث، لكنه ما لبث أن استرجع مبادئهم في الكريستولوجيا . ويعود خطأ أبوليناريوس «إلى عدم وضوح في الرؤيا، وإلى تشابك الأفكار، وإلى نظرة جدّ مادّية داخل اللاهوت، وإلى اختيار اعتباطي لنظريات من مدارس فلسفية متنوعة» . حيث أنكر أبوليناريوس على الكلمة المتأنس ناسوته التام، معتبراً أنه اتخذ الطبيعة البشرية، لكن دون نفس عاقلة .
من الأسباب الأخرى التي أدت إلى عقد هذا المجمع كان الصراع على الأسقفيات، لمَ له من أهمية حيوية في حياة الكنيسة واستمراريتها، سعياً من الجميع إلى مكتسبات تؤمن لهم ربح المعركة والسيطرة على الأوضاع. وخاصة مع تدخل السلطات المدنية التي كانت غالباً ما توزع الكراسي على المواليين لها وتنفي من لا يروق لها. بالتأكيد كانت المتروبوليتيات والمدن الكبرى محطّ أنظار الجميع. وهذا ما حدث في كرسي القسطنطينية بعد أن أصبحت هذه مقر الإمبراطور، فأضحت محط أنظار الجميع، لأن الملك يكون مع الذي يكون على رأسها. أما كرسي إنطاكيا الذي بقي لفترة طويلة عاصمة الشرق فقد مرّ بأزمتين: فمن ناحية كان الصراع بين الهراطقة والأرثوذكسيون؛ ولكن الصراع الأخطر كان بين الأرثوذكسيّين الذين انقسموا على أنفسهم لتُصبح إنطاكيا رعية براعيّين. وما أزمة هذين الكرسيين إلا نموذجاً وانعكاساً لما حدث في غالبية الكراسي الأسقفية في الشرق، وقد كانت هذه الأزمة أحد أسباب الدعوة إلى عقد المجمع المسكونيّ الثاني ومدار البحث فيه .
1ـ2ـ2. تحديده الإيمانيّ
أراد الامبراطور ثيودوسيوس عقد مجمع لحل المشاكل وخصوصاً في الشرق. فعقد في مطلع العام 381، مجمعاً في القسطنطينية . كان هذا المجمع معدّاً لأن يكون مجمعاً إقليميّاً ليحل مشاكل القسم الشرقي من الامبراطورية. حضره 150 أسقفاً من الشرق أبرزهم غريغوريوس اللاهوتيّ وتيموثاوس الإسكندريّ وملاتيوس الإنطاكيّ وكيرلس الأورشليميّ وغريغوريوس النيصيّ وبيلاجيوس اللاذقيّ . ولم يحضر أحدٌ من أساقفة الغرب حتى ولا مندوبون من قبل بابا روما .
كان من المفترض أن يترأس المجمع تيموثاوس أسقف الاسكندرية، باعتباره الكرسيّ المتقدّم، لكن بسبب تأخره ترأس المجمع ملاتيوس أسقف أنطاكية في بدايته ، لكنه توفي فجأة، في أوائل المجمع. عندها ترأس غريغوريوس النزينزيّ المجمع، بصفته رئيس أساقفة القسطنطينية، حتى وصول أسقف الاسكندرية تيموثاوس. وبعده انتخب نكتاريوس أسقفاً مكانه فترأس المجمع حتى نهايته .
كما ذكرت سابقاً، كانت الغاية الأساسيّة للدعوة هي دحض بدعة مكدونيوس وتعاليم أبوليناريوس والأفنوميين والأفدوكسيين والصالبيين والمركليين والفوتينيانيين ، وإكمال ما بدأه مجمع نيقيا ، ويمكن تلخيص قرارات المجمع بالنقاط الآتية: ثالوثيّة وكريستولوجيّة وبنمفاتولوجيّة . أدت المناقشات اللاهوتية إلى قانون إيمان ، وإلى نص عقائدي وإلى أربعة قوانين كنسية. حدد قانون الإيمان مساواة الأقانيم الإلهية الثلاثة في الجوهر، وتجسّد الابن الكامل، وألوهيّة الروح القدس. مرّ هذا القانون بمراحل متعددة فكان أولاً بسيطاً جداً وتوسع بحسب النزاعات العقائدية حتى وصل إلى الحالة التي أقره به المجمع الثاني. ينقسم هذا القانون إلى «قسمين رئيسين، وإلى سبعة أجزاء فرعية في ثماني عشر مقولة: في القسم الأول، وهو القسم الأساسي، نجد الإيمان بالإله الواحد المثلث الأقانيم، وعلاقته بالخليقة وبخاصة الإنسان، وتدبيره الخلاصي. وفي القسم الثاني المؤلف من جزئين: يقدم، في جزئه الأول، الإطار الصحيح الذي تتم فيه عملية الإيمان هذا وحياة الإيمان التطبيقية، أي في الكنيسة. وأما جزئه الثاني، فيقوم أصلاً على فضيلة الرجاء، أي مجيء المسيح الثاني في آخر الأزمنة، والدينونة والحياة الأبدية، أو كل ما يختص بـ"الباروسيّا"» . كما أنه قام آباء المجمع بإضافة «الذي لا فناء لملكه» للتأكيد على ألوهية الروح القدس. كما عمدوا إلى شرح الجزء المتعلق بالروح القدس وعلى التأكيد بأنه «الربّ». كما أنهم أكدوا على أن الروح القدس "ينبثق من الآب" فكما أن الابن مولود من الآب، كذلك الروحينبثق من الآب. كما يعلن أن الروح القدس "معبود وممجد مع الآب والابن". فالروح القدس ليس مخلوقاً بل هو بمرتبة الإله، وليس أدنى أو أقل رتبة من الآب والابن. وآخر إضافة عن الروح القدس كانت "هو الذي نطق بالأنبياء" وكانت هذه الإضافة إجابة على تعاليم مرقيون الخاطئة التي رفضت تعاليم العهد القديم. فالروح القدس هونفسه الذي تكلم في العهدين .
أما بالنسبة إلى مشاكل كرسي إنطاكيا، فلم يستطيع آباء المجمع التوصل إلى حلّ مسألة الشقاق الحاصل فيها، بل ساهموا في تفاقمها وازديادها. إذ لم تشكل وفاة ملاتيوس نهاية الانشقاق الفعلية، حيث أن النزينزي دعم اعتراف بولينوس أسقفاً لإنطاكيا، لكن مساعيه باءت بالفشل حيث أن انفعالات عدد كبير من الأساقفة حالت دون القبول. فهدد النزينزي بالاستقالة، لكن تهديده لم ينفع. فسخط من تصرفات الأساقفة واستقال. وكذلك الأمر بالنسبة إلى كرسي القسطنطينية .
إن تحديد المجمع المسكونيّ الثاني، الذي أضيف إلى قانون الإيمان النيقاويّ، قد أكّد ألوهيّة الروح القدس، بيد أنّه لم يوضح علاقات الروح القدس بالآب والابن، ولم يقل إنّ الروح القدس هو من ذات جوهر الآب. وهذا النقص في الوضوح سيكون سبباً للخلافات التي ستنشأ في مرحلة لاحقة بين الشرق والغرب، ولا سيما في موضوع انبثاق الروح القدس. ففي حين اكتفى المجمع بالقول إن الروح القدس "منبثق من الآب"، سيضيف الغرب المسيحيّ أنّه "منبثق من الآب والابن" .
ختم المجمع أعماله في 9 تموز عام 381. وسلم الآباء قرارات المجمع إلى الإمبراطور لكي يوافق عليها وبالتالي لتصبح نافذة بقوة القانون .