يجب أن نرى النصف الملئان من الكأس
ولكن دوم إهمال النصف الفارغ
واقعة ليتورجية
ربيع نصور
لقد طُرح على طاولة النقاش، في الفترة الأخيرة، موضوع الإصلاح الليتورجي. وهذا الموضوع لهو من أهم المواضيع التي يجب عدم إهمالها بل على العكس يجب بذل الجهود لانجاز هذا الإصلاح على كافة صعده اللغوية والتاريخية والمناطقية والتعبيرية والترتيبية والإيمانية، وبالطبع لأهل الليتورجيا رأيهم في كل هذه الأمور ولهم نظرتهم الإصلاحية، و لهذا أدع لهم العمل والإصلاح، ولكن لي حادثة صغيرة لا بدّ لي من أن أرويها:
ذات مساء قصدت إحدى كنائس مدينتي، هذه الكنيسة التي عمرها من عمر أجدادي، واسمها على اسم أمنا العذراء مريم وذكرى رقادها، هذه الكنيسة التي كثيراً ما كانت ملاذاً للمتألمين و الحزانى وينبوعاً للعجائب. شاركت في صلاة النوم الصغرى التي يقيمها يومياً كاهن وراعي الكنيسة ولكن ما إن انتهت صلاة النوم و بدأت صلاة البراكليسي الابتهالية للعذراء مريم حتى دخل الكنيسة امرأتان وشاب وفي يدهم رضيع ووقفوا في المقعد أمامي ، واللافت للنظر أن إحدى النساء وهي على ما تبدو أم الرضيع وقربها وقف الشاب الذي على ما أعتقد أنه زوجها لم يكونا مسيحيين، ففكّرت ملياً و كان الاستنتاج الأول أن على هؤلاء نذر وسببه ذاك الطفل الرضيع، وليس غريباً على صانعة العجائب مريم أن تستجيب لمن يطلب إليها، استرجعت ذاتي واستجمعت أفكاري للعودة للصلاة إلا أن هذا التركيز لم يدم طويلاً إذ ما إن وصل المرتلون إلى المقطع الذي يقول " لتصمت شفاه المنافقين الذين لا يسجدون لأيقونتك الموقرة التي صورت من لوقا الإنجيلي الكلي الطهر والتي بها اهتدينا" حتى تشتت أفكاري أكثر، فهذا المقطع كثيراً ما كان يربكني وكنت في كل مرة أسمعه أتساءل هل أمنا الحبيبة العذراء مريم تقبل بهذا الكلام، فهي من تتشفع لابنها وإلهها وإلهنا أن يفتح قلوبنا وعيوننا وأفواهنا وأن يشفينا من كل مرض؟ كيف لأمنا المعطية التي علّمتنا أن نحبّ حتى أعدائنا لنكون على صورة ربنا وسيدنا أن تقبل بمثل هذه الكلمات؟ وفي كلّ مرة لا أجد إلا جواباً واحداً ألا وهو "كلا" مع إدراكي أن هذه الكلمات ليست بالمعنى السلبي بل على العكس لها البعد الايجابي وهذا البعد هو في أن يصمت المنافقون عن كل أمر باطل وناكر للحقيقة ليتعلموا النطق الحقيقي، نطق التمجيد لمن يستحق التمجيد، و لكن هذا المعنى لا يمكن أن يفهم إلا في أدبياتنا الكنسية وقصص قديسينا، وعدم الفهم هذا بدا واضحاً على وجه تلك العائلة غير المسيحية في الكنيسة وذلك لأنه عند ترتيل هذا المقطع انحنى الجميع تقريباً في الكنيسة راسمين إشارة الصليب، فبدأت العائلة بالالتفات يميناً و يساراً في استغراب وخجل وربما بعض الاستهجان، على كل حال هذا لا ينطبق على من هم خارج الإيمان المسيحي وحسب بل على الكثير من المسيحيين وذلك لعدم تماسّهم المباشر مع أدبيات إيمانهم، لذلك فلنعطي المعنى الذي نقصده مباشرة والتي تريده صاحبة هذا الابتهال ونصلي جميعاً للعالم أجمع قائلين:" لتفتح أفواه الجميع تمجيداً، ولتسجد الخلائق إكراماً لوالدة الإله، ولتكرم أيقونتها التي صورت من لوقا الانجيلي الكلي الطهر".
في النهاية ودون الدخول بتعقيدات المشاكل الليتورجية وكثرة الأبواب التي يجب فتحها، لا بد من الإدراك أن لغة التعبير والمعنى يرتبطان ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاُ ولكن هذا الارتباط لا يجعلهما وحدة مستقلة عن الزمان والمكان من جهة ولا عن الأسلوب الأدبي الخاص بكل ايديولوجيا من جهة أخرى بل على العكس يشدّهما أكثر ويخضعهما لتغيرات هذين العاملين، لذلك يجب مراعاة هذه العوامل مجتمعة للتأقلم ضمن لغة الزمان والمكان ولو قضت الحاجة لإعادة قراءة كامل كتبنا الليتورجية بما يخدم صلاتنا وحياتنا ومعنى إيماننا وغايته.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
عظمي يانفسي الإله الذي ولد بالجسد من البتول


رفقاتي و أخوتي ) عن الفرق بين الإيقونسطاس الخشبي و الحجري .. 
المفضلات