مشاركة الأرمن في المجمع الخلقيدونيّ
مجمع خلقيدونيا وأثره على الكنيسة والشعب الأرمنيين(6)
3ـ2. مشاركة الأرمن في المجمع الخلقيدونيّ
في ذلك العهد، كانت أرمينيا منقسمة إلى قسمين: الأول تحت تأثير السيطرة البيزنطية، وكان السلام عاماً فيها، أما الثاني فكان تحت السيطرة الفارسية – الساسانية. وحين انعقاد مجمع خلقيدونيا سنة 451، كان الأرمن يخوضون حرباً ضد الفرس، دفاعاً عن إيمانهم المسيحيّ، كما ذكرت سابقاً. حيث أنهم لم ينسحبوا من هذه المعركة، بل ضحوا بحياتهم من خلالها دفاعاً عن إيمانهم. كانت هذه السيطرة شديدة لدرجة أن الكاثوليكوس هوفسيب، خليفة الكاثوليكوس ساهاك، لم يستطع الذهاب إلى القسطنطينية من أجل ترقيته إلى درجة الأسقفية، فبقي من دونها .
يعتبر بعض الباحثين أنه بعد انتهاء حرب "أفاراير" أُسر بعض الأساقفة الأرمن في بلاد فارس وسيقوا منها إلى اليونان واشتركوا في مجمع خلقيدونيا. إلا أن هذا الرأي لم يلق الصدى الكبير لدى بقية الباحثين . وخاصة أن هذه المشاركة لا تعني أن الأرمن كانوا يقبلون بهذا المجمع مجمعاً مسكونيّاً. لأنه بعد هذا المجمع على الفور أصبح هناك صراع بين تيار خلقيدونيّ وآخر غير خلقيدونيّ، وليس فقط في أرمينيا بل في سوريا، ومصر، وأثيوبيا وحتى داخل حدود القسطنطينية. وخاصة أن أتباع أوطيخا وديوسقورس اتحدوا مع أتباع كيرلس، وتصارعوا مع أصحاب الطبيعتين ومع أصحاب المذهب النسطوريّ. وهذان الأخيران يعتبران بأنهما "انتصرا في مجمع خلقيدونيا". لكن في نفس الوقت أتت رسالة البابا لاون إلى فلابيانوس المُصاغة عقائديّاً وبأسلوب دقيق لتحل كل المشاكل دون التحزب لأي تيار لاهوتيّ. «لو كان القديس كيرلس على قيد الحياة، كان سيركع أمام هذا الفكر اللامع، وسيفرح بالقرار المُتخذ في المجمع الخلقيدونيّ، عندما صرخ الأساقفة بصوت واحد: "هذا هو إيماننا، فقد تكلم القديس بطرس بفم البابا لاون"» .
من الذين كانو قد أسروا خلال الحرب كان الكاثوليكوس يوسف ، والأسقف يريزا "بابا الأرمن" والأسقف ماناسي وبعض الأساقفة الآخرين الذي كانوا ينتمون إلى القسم المضطرب. وهؤلاء بالتأكيد لم يستطيعوا أن يشاركوا في المجمع بالرغم من تلقيهم دعوة، هذه الدعوة التي تدل على طيبة العلاقات الأرمنية البيزنطية، التي بدأت منذ أيام مسروب والكاثوليكوس ساهاك، والتي تتابعت من خلال الامبراطور مرقيانوس رئيس المجمع. فبالتالي إن غياب هؤلاء الثلاثة، وخاصة أن الكنيسة كانت تحت تصرفهم، يؤكد أن رئاسة الكنيسة الأرمنية لم تشارك في المجمع.
ولا بدّ من التذكير بأنه لم يكن لدى الأرمن مدرسة لاهوتيّة مستقلة، بل كانوا متأثرين بالمدارس اللاهوتية المحيطة بهم، فقد كان الأرمن يأخذون من كل مدرسة الشيء الذي يتوافق مع الإيمان الذي يمثل إيمان الكنيسة الجامعة ويعملون على "أرمنة" هذا الفكر اللاهوتي. وهذا دليل على خضوع هذه الكنيسة بشكل كامل للإيمان المسيحيّ في ذلك الوقت، لكنها كانت ضحية العديد من التيارات الفكريّة الهرطوقيّة. وبسبب العلاقة الشديدة بين الأرمن والسريان . استفاد السريان من غياب الأرمن عن المجمع بسبب الحرب مع الفرس وقاموا بكسبهم إلى جانبهم.
لكن هل تعتبر الكنيسة الأرمنية المجمع الخلقيدوني مجمعمسكونياً؟
«لقد اعترف اليونان واللاتين في القرون اللاحقة بمجمع خلقدونيا على أنه مجمع مسكونيّ. بينما الكنيسة الأرمنية لم تساوم ولم تعترف بهذا المجمع على أنه مسكونيّ، بل لم تقبل تعاليمه، وبقيت أمينة لقرارها الأول، وقد وضعت قانون أن كل ما يُضاف إلى عقيدة التجسد هو مرفوض» .
كانت هذه إحدى وجهات النظر التي لا تعترف بمسكونيّة المجمع، وقد وضعها الأب أورمانيان، حيث أنه يعتقد بأن الحجة الرئيسية التي يمكن الاعتماد عليها لبرهان مسكونية أية مجمع هي عدد الأساقفة المشاركين فيه وليس الحكم الصادر عليه من قبل الكنائس ، فبالتالي إن غياب الأرمن وبعض الكنائس عن هذا المجمع يعدّ نقصاً بالغاً حتى ولو حضر المجمع ممثلي 56 إقليم. كما أن مجمع خلقيدونيا لم يُضف شيئاً على عقيدة التجسد ولم يسئ لقرارات المجامع السابقة بل شرح ماهية هذا التجسد. لكن هناك رأي آخر مناقض لهذا الفكر يعترف بمسكونيّة المجمع ويُثبت ذلك كما يلي: إن عدم الاعتراف بمسكونيّة المجمع يدل على أنه كان مجمعاً إقليميّاً، يضم جزءاً من ممثلي الكنيسة. لكنه ومن خلال الإطلاع على الرسائل التي أرسلها الإمبراطور مرقيانوس وزوجته بلخيريا، نجد أنهما كانا يتطلعان إلى عقد مجمع مسكونيّ، لهذا السبب أرسلا دعوة إلى جميع أقاليم المسيحية وحتى إلى البابا لاون من أجل حضوره. وهذا دليل قاطع على مشاركة الكنيسة جمعاء فيه. ولهذا فإنه من الطبيعي أن ينتقد بعض الرهبان هذا المجمع ويعتبروه غير مسكونيّ. ومن الطبيعيّ أيضاً أن تستمر بدعتهم، لكن كل هذا لا يلغي قوة وطابع المجمع . لكن هذا ليس بدليل كاف لإثبات قبول مسكونية هذا المجمع، فهل تكفي رسالة يُعتقد بأنها وُجهت لكنيسة لكي تعتبر قبولها به أو عدمه؟ فبالتالي تبقى هذه الحجة أيضاً ضعيفة. لكن في حوالي منتصف القرن السابق، ظهر باحث أرمني، درس هذه الأحداث وحللها بطريقة منهجية عقلية ، كما يلي:
• من خلال الأحداث التي سبقت عقد هذا المجمع، تبين أنه مجمع عُقد من أجل إقليم القسطنطينية ومن أجل الطروحات اللاهوتية المعاصرة له، وإذا كان هذا المجمع إقليمي فكيف صدّق على قرارات مجمع نيقيا وجعلها رسمية وأقرّ بمسكونيتها، فبالتالي إن مجمع خلقيدونيا هو مجمع رسمي حدث بمشاركة الرؤساء الروحييّن الرئيسييّن في ذلك الوقت.
• في ذلك الوقت لم تكن الكنيسة مقسّمة، أي كانت شاملة تضمّ كل من يعترف بالإيمان الأورثوذكسي القويم. وكانت كل كنيسة محلية تعترف مباشرة بقرارات أية مجمع مسكونيّ لأنها كانت في شركة مع الكنيسة الجامعة، ولم تكن بحاجة لعقد مجمع محلي لقبول قرارات المجمع المسكونيّ. فالأرمن لم يعقدوا أية مجامع محلية لقبول قرارات المجامع المسكونية الثلاث التي سبقت خلقيدونيا، بل صدقت عليها مباشرة لأنها صادرة عن إيمان الكنيسة الجامعة حتى منتصف القرن السادس.
يبقى الصراع بين هذان الفكران مستمراً حتى اليوم، بعض الأرمن يقبلون بمسكونية هذا المجمع أما البعض الآخر فيرفضها

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات