" ذاكرة عمرها أكثر من ألفي عام
ذاكرةأناس تذوقوا حلاوة خمرته, أحبوها, فشربوا منها حتى الثمالة...هي خمرة تنعش الذاكرة !
وذاكرة أخرى عمرها أكثر من ألفي عام لم تعترف يوما بتلك الكأس.. فدفنت... وعندما نبشت كانت متحجرة قاسية "
منذ أكثر من ألفي عام والكأس ما تزال دافئة والمائدة ما تزال عامرة ...ولا يزال الجميع مدعواً ...
السامرية
هو الحرُّ؟... أم هو الشوق؟... أم هي ذنوبي التي كنت أتوق لرميها في بئرٍ عميقة لا قرار لها ؟
بئرٌ عميقةٌ, حتى يدُ الزمان لا تستطيع الوصول إليها, فتغيبها ويغطي وجهُ القمر وجهَ البئر فلا يعودُ وجهه أسود بل أبيض...
مشيتُ ... ورأيته جالساً بالقربِ من البئر مسافراً بنظراته نحو السماء...
أذكرُ أنه طلب ماء ليرتوي وكان وقع كلماته السخيةِ كوقعِ قطراتِ المطرِ على الأرضِ الناشفة...
كنتُ أتبعُ كلماته وكانت تتساقط كندف الثلج البيضاء وتحرق ذنوبي وأخطائي...شعرتُ في تلك اللحظة ِ أن شفتاي تتحرقان لتبريد ظمأهما في ثنايا ثوبه...ركضتُ مهللةً وفرحةً ولفرطِ سروري نسيتُ جرتي - الممتلئة ماء من هذا العالم -( قلبي) بالقربِ من بئره كي ترتوي وتملئ من ماء الحياة .
طفلةْ
كانت صامتة ...وكنت أصغي إلى سكون نفسها, ربما كانت تصلي!
قد أسدل الحزن ستاره على قسمات وجهها وفي غروب عينيها رأيت فجراً لم تره الخليقة بعد...احترت كيف أناديها: ...أماه؟ دارت جميع الكلمات والعبارات في رأسي ...كانت لغتي في ذلك الوقت هي الأصدق تعبيرا ..فكيف يعبر الأطفال عن حزنهم ؟
اكتفيت بدمعات حارة, فلقد خشيت أن يعكر بكائي صمتها المقدس وتعلقت عيناي بوجهها ... وحطّت يداي الصغيرتان على حضنها برفق كجناحي عصفور ...فحضنت وجهي بيديها اللتين كانتا تلتهبان حرارة وحباً, قبلّت يديها وغمرت وجهي بكفيها كعصفور صغير يحاول حشر نفسه في عشه الدافئ...وحين هممتُ بالرحيل...همست :
دع ِالباب مفتوحاً...
كانت الظلمة تلفُّ المكان ... أسرعت الخطى إلى حيث كانت النسوة مجتمعات, كان الدمع يلهب أعينهن فخيل إلي أن هذا الدمع الحار سيبيض أثوابهن ! جلست أصغي إلى حديثهن المتقطع :
- لقد ذبح سواد عينيه وحش خطيئتي ...
- كنت أتحرق لتبريد ظمأي في ثنايا ثوبه ...
- كان سخياً, لقد دعاني إلى مائدته بعد أن كنت أقتات من الفتات المتساقط من على الموائد...
- ها هو شبابي أقدمه على طبق من الذهب ..فلا يحتمل قلبي رؤية إله الشباب قتيلا !
- لعمري لم أتذوق خمرة أطيب من تلك التي سقاني إياها ليلة بارك فيها عرسي! ... كان يبدو في بهائه ومجلسه وكأنه هو العريس !
ربما غفوت قليلا ... أثقل النعاس رأسي الصغيرة, لكن إحداهن رفعته بكفها وخاطبتني: وأنت يا صغيرة؟
أجبتها وابتسامته ماثلة أمامي: كان أجمل من ابتسامة الأطفال...!
صورته محفورة في ذاكرتي :كيف كان يلهو مع أترابي ,كيف ارتفعت يده كغمامة صيفية تباركنا,كيف حملني مرةً وأجلسني على ركبتيه وكيف كانت أفئدة الكبار حينها تلتهب غيرة.
قد مضى ذلك اليوم ,إلا أنني مازلت أراه عند كل فجرٍ يحمل قيثارته و يومئ إليَّ بابتسامته العذبة بأن أتبعه ...
لعازر
آآآه من عينيك يا سيد...!
لم أشأ أن تذرف عينيك الدمع ...!
عن ماذا أحدثكم؟...عن الموت؟ ...عن مرارته ؟
أقسِم لو جُمعت جرار العسل بأنواعه كلها من أقاصي الأرض وقدمت لي, فلن تستطع أن تنسيني طعم تلك المرارة التي تجرعتها.
" مؤلم وموجع هو الموت... في صمته وضجيجه... مؤلم!
صامت هو الموت ...يأتيك صامت وتغادر معه بصمت ...رحلة طويلة شاقة تبدو الحياة في صعابها وآلامها أحلى وأجمل من راحة وسكون الموت, الذي يلقي على أكتافك بجعبته الممتلئة ضجيجاً وصراخاً ...لا راحة في الموت ..بماذا أشبهه ؟ يشبه وجها خالياً من الملامح أوالقسمات أو أي تعبير, باهت اللون ولكنك مجبرعلى مجابهته وعلى تأمله طوال الرحلة...."
أذكر كم كان سيدي يحبني ...أذكر كيف نفخ فيّ نسمة الحياة من جديد ...أذكر أنني رأيت وجهه الحلو مرة أخرى ...
أذكر أنني نسيت الابتسام ...نعم!
و أذكر أنني ابتسمت مرة واحدة فقط في “حياتي “! كان ذلك لما رأيتُ رجلا يسرق جرةً!
فابتسمت قائلا :"الطين يسرق أخاه الطين".
المرأة الخاطئة
كنت كالزهرة التي نبتت بين الأشواك, فتمزقت وشحبت ومالت بعنقها نحو الأرض تتأمل المكان حيث ستوارى فيه عندما تلهب أشعة الشمس الحارقة وريقاتها الذابلة فتصير غذاء للأشواك من حولها... بالأمس كنت أرنو إلى السماء وكانت أشعة الصباح تزيد من تألقي فتغري الأيادي لتمتد نحوي وتداعب وريقاتي ويُسكر عبيري الأنفاس المتعطشة للجمال...
أذكر يا سيدي مرة لما مررت بجانبي وعبرت من دون أن ترد علي تحيتي, كانت شفتاي تصيح" يا معلم" ثم ما لبثت أن تبعثرت الكلمات وحملتها الريح بعيدا وغبت أنت بين أشجار الحور..شعرت حينها بالأشواك تمتد إلى عنقي وتخنقني ...وحبس سيل من الشلالات في مقلتاي وأجهش قلبي بالبكاء وشعرت بألسنة من النيران تلتهم جسدي....
أذكر يا سيدي أنهم قرروا أن يقتلعوا تلك الزهرة ويتخلصوا منها لأنها تشوه حديقتهم ,لأنها تغذي أشواكهم, أحبني الرجال لأجل أنفسهم, وهاهم يرجموني كي ينقذوا أنفسهم يرجموني بحجارة اقتلعوها من جدران قلوبهم هم أنفسهم منذ بضعة أيام كانوا يتسابقون كي يحظوا بي هم بالأمس كانوا يرمون وجنتاي بقبلاتهم ....
كانت الحياة تتحدى الموت في تلك اللحظات وشعرت بالأرض تهتزُّ تحت جسدي المتوجع والممتلئ بالجروح...كان وقعُ خطواتك يوقظ الينابيع التي تغفو في جوف الأرض كي تخرج لتعلن بدء الحياة, ثم انطلق صوتك كالرعد في السماء فتفتت حجارتهم وأفكارهم... كنت قد سمعتَ نداء قلبي, رغم أنك كنت بعيداً, كان يصرخ متألما "يا معلم"...
أمطر ظلك محبة فانتعشت روحي ..
خاطبتني هكذا "أحبك لأجل نفسك".
وكنت أنا لا أبصر سوى نورا إلهيا يخرج من وجهك الجميل الذي طالما حلمت بتأمله طويلا, هي لحظات يا سيدي وحبي ارتفعت بها إلى السماء, ارتفعت الزهرة ثانية نحو السماء بعد أن سرى في عروقها نسغ الحياة وهاهي جذوري قد نبتت في قلب حقل آخر... لطالما حلمت يا سيدي بأننا نكسر الخبز سوية ونشرب الخمر معاً ...
يتبع.....

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات