" في ذلك الزمان أبصر يسوع جمعا كثيرا فتحنّن عليهم وأبرأ مرضاهم" (ع14) استعمل يسوع المسيح الرحمة المتزايدة وشفى الجموع ولم يطلب منهم هنا الأيمان لأنهم أظهروا ارادتهم بتركهم المدن وبمجيئهم اليه بمبالغة وبثباتهم. " ولّما كان المساء دنا اليه تلاميذه وقالوا انّ المكان قفر والساعة قد فاتت فاصرف الجموع ليذهبوا الى القرى ويبتاعوا لهم طعاما" (ع15)فأن قال قائل ولم لم يقصد المسيح واحد من الجموع وطلب منه هذا الطلب؟ فنجيبه: لأنهم كانوا يوقرونه ويهابونه بأفراط , نعم ولا تلاميذه دنوا منه وقالوا اطعمهم لأن حالهم لم تكن كاملة بعد " فقال لهم يسوع لا حاجة لهم الى الذهاب اعطوهم انتم ليأكلوا" (ع16)ان المسيح لا يميل في البداية الى اصطناع المعجزات الا اذا طلب منه ذلك وتأمل في حكمة المعلّم , لأنه لم يقل للوقت أنا أطعمهم , ولم يقل أنا أعطيهم لكنه قال أعطوهم أنتم ليأكلوا " فقالوا له ما عندنا ههنا الا خمسة أرغفة وسمكتان"(ع17) وبعد أن قال المسيح لتلاميذه " اعطوهم أنتم ليأكلوا" , لكنهم لم ينهضوا بل أخذوا يخاطبون انسانا قائلين " ليس عندنا ههنا الاّ خمسة أرغفة وسمكتان". ولنتعلّم درسا من فلسفة التلاميذ التي في الضروريات وكيف أنهم كانوا يتهاونون بالطعام, لأنهم كانوا اثني عشر وكان لهم خمس خبزات فقط وسمكتان, لا غير حتى أنهم ولا بهذا العدد القليل تمسكوا به, لكنهم لما طولبوا به أعطوه , فيجب أن نتعلّم انّه وان كان ما لدينا قليلا فينبغي أن نجود به على الآخرين. " فقال لهم هلمّ بها اليّ الى ههنا " (ع18) حتى وان كان الموضع قفرا الاّ أن الذي يعول المسكونة حاضرا, وان كان الوقت قد عبر فان الذي ليس هو تحت الوقت يخاطبهم. فلمّا أمروا أن يقدموا خمس خبزات وسمكتين ما قالوا من أين يكون لنا نحن المأكول؟ ولا قالوا من أين نسد جوعنا , لكنهم للوقت أطاعوا. " وأمر بجلوس الجموع على العشب . ثمّ أخذ الخمسة الأرغفة والسمكتين ونظر الى السماء وبارك وكسر وأعطى الأرغفة لتلاميذه والتلاميذ للجموع " (ع17) قول متى " فأمر الجموع أن يتكئوا على العشب" معلما بذلك الزهد للجموع, لأنه لم يكن يريد أن يغذي أجسادهم وحدها لكن وأن يؤدب النفس. وقوله " ثم أخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين" اذ أخذ منهم الخبزات والسمكتين لتكون شهودا على ما يحدث وتذكيرا لهم بالمعجزة. فان قال قائل: ولم لم يبدع الطعام من شيء غير موجود؟! فنجيبه: ليسد بذلك فم (ماني) وأتباعه الذين يجعلون الخليقة غريبة عن المسيح , ومضحا لهم بالأعمال أن جميع ما يرى فهو من صنائعه وخلائقه ومبينا أيضا أنه هو الذي يؤتي الثمار وهو الذي قال في البداية:"لتنبت الأرض عشبا وبقلا يبرز بزرا وشجرا ذا ثمر يعمل ثمرا كجنسه بزره فيه على الأرض وكان كذلك" (تك11:1) كما أن الذي صنعه بهذا المقدار ليس من خمس خبزات وسمكتين , بل هذا دليل على أنه مالك الأرض والبحر وماسكهما, وقد قادهم المسيح الى برية لتكون المعجزة بعيدة عن التهمة والشبهة , وحتى لا يظن ظان أن قرية كانت موضوعة بالقرب وحملت شيئا أو أهدت اليه مائدة. وقوله " ورفع نظره نحو السماء وبارك وكسر وأعطى الأرغفة للتلاميذ والتلاميذ للجموع" معلما ايّانا ألا ندنوا من المائدة بدون أن نشكر الذي جاد علينا بهذا الطعام والغذاء " فأكلوا جميعهم وشبعوا ورفعوا ما فضل من الكسر اثنتي عشرة قفة مملوءة" (ع20) ولم يقف المسيح بالمعجزة عند هذا الحدّ , لكنه صنعها بأن تفضل لا أرغفة صحاحا بل كسرا ليبيّن أن هذه الفضلات كانت من تلك الخبزات, ولكي يعرف الغائبون ما جرى, ولئلا يظن ظان أن الذي حدث كان خيالا. " وكان الآكلون خمسة آلاف رجل سوى النساء والصبيان" (ع21) فأي قول يصف كيف درت الخبزات, كيف هطلت في البرية, كيف كفت مثل هؤلاء , كيف صارت الفضلات؟.!! ومن أعظم المديح للحفل أن الرجال والنساء والأولاد كانوا ملازمين. " وللوقت اضطر ّ يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوه الى العبر حتى يصرف الجموع"(ع22) فعل المسيح هذا معلما ايانا به ألا نخالط الناس بأستمرار , ولا نهرب من الجمع دائما , لكن نستعمل الأمرين فيما فيه منفعة.