وصلنا فى المشاركة الأخيرة أن المشكلة هى فى الخلط بين مفهوم "الجوهر الإلهى" و الطاقة الإلهية" و بالتالى كان من الأساسى توضيح الفرق.....
و للأمانة المرجع الذى استخدمته هو كتاب "الإيمان بالثالوث" ل"توماس ف. تورانس" .
ما هو" الفعل" أو" الطاقة" أو "القدرة الإلهية"؟
* كل هذه التعبيرات تعبر عن حقيقة أساسبة فى الإيمان المسيحى و هى أن جوهر الله هو جوهر فعَال (ديناميكى) فى ذاته (و ذلك عكس الفكر اللأرسطوطالى القديم الذى يعتقد أن الله يتسم "بالفعل الثابت غير المتحرك") .
*كل من الجوهر الإلهى و الطاقة الإلهية كائن كل منهما فى الآخر بغير إنفصال و لكنهما ليسا نفس الشىء. فبينما الجوهر الإلهى هو الله فى طبيعته الشخصية و هو غير مقترب إليه و غير مدرك فالطاقة الإلهية هى المجال الذى يتفاعل فيه الله مع الخليقة.
* نجد الحديث عن الطاقة أو الفعل أو القدرة الإلهية فى عدة مواضع كتابية:
1- "لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات ، قدرته السرمدية و لاهوته حتى أنهم بلا عذر" (رو 20:1)
2- "الذى له وحده عدم الموت ساكناً فى نور لا يدنى منه ، الذى لم يرده أحد من الناس و لا يقدر أن يراه، الذى له الكرامة و القدرة الأبدية. آمين" (1تى16:6)
نلاحظ من الآيات السابقة التمييز بين الجوهر الإلهى "الذى لا يدنى منه" و بين "قدرته السرمدية" التى بها نرى "أموره غير المنظورة"
3- "كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى ، بمعرفة الذي دعانا بالمجد و الفضيلة الذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى و الثمينة لكى تصيروا بهما شركاء الطبيعة الإلهية" (2بط 1: 3 و 4 )
هنا نرى أن العمل التأليهى هو من عمل "قدرته الإلهية"
* و لكن الكلام عن الجوهر الإلهى و الطاقة الإلهية لا يجب أن يفهم على أنه ثنائية فى الله فالأمر ليس كأن هنا دائرتين فى الله: واحدة داخلية تمثل الجوهر الإلهى و الأخر خارجية تمثل الطاقة الإلهية ، و لكن يمكننا أن نقرب الأمر لأذهاننا كأنهما دائرتين متساويتين و لهما نفس المركز (أى كائنتين بعضهما فى بعض)
و لكن تبقى علاقتنا بالله ليست شركة أقنومية !
* ما أهمية التأكيد على أن إتحادنا بالمسيح و تأليهنا يتم من خلال الطاقة (الفدرة) الإلهية بالنعمة؟
- تطرف جعل علاقتنا بالله مجرد علاقة أخلاقية أى علاقة غير كيانية (و تداعيات هذا الفكر خطيرة و تؤدى إلى استبدال عمل المسيح الفدائى بقيم و أخلاقيات إجتماعية بل و حتى ديانات أخرى على إعتبار أن كل الطرق تؤدى إلى روما) ، فالأمر ليس كأن النعمة تنتقل خارجاً عن الله لتصل إلى الإنسان بل نحن نحصل على هذه النعمة فى المسيح يسوع لأن العطية و شخص العاطى هما واحد، فربنا يسوع المسيح باتخاذه جسداً اتحد ببشريتنا و أله جسده الخاص بل و أعطانا هذه النعمة (انظر ضد الأريوسيين المقالة الثانية ، الفقرة 42) لأننا ببساطة لا نستطيع أن نحصل على الخلاص أو التجديد دون أن نكون متحدين به و شركاء فيه.
- التطرف الآخر هو القول بأننا نشترك فى جوهر الله و لكن كما أوضحنا سابقاً فهذه الشركة لا تعنى إلغاء طبيعة الإنسان المخلوقة أو الشركة الأقنومية فى الله ، لأن ذلك معناه إنتهاء الشركة نفسها التى بين الله و الإنسان ، و لكنه يعنى تحقيق غاية خلق الإنسان بالشركة مع الله و الإتحاد به و نوال نعمة الحياة الأبدية ، و لكن سيبقى الله دائماً آخراً بالنسبة للإنسان و هذه هى عظمة الله الحقيقة : أن يتحد بنا و يؤلهنا و ذلك دون أن نقفد كياننا و نذوب فى الله .
انتهى.
المفضلات