عند قرائتى لتلك العظة تذكرت موضوع ميرنا و الصوفانية و فاسولا و امثالهن ..... فعلا" الناس غاوية تدخل متاهات .... و لما يتوهوا يقولوا فين ربنا ....ليه تركنا
المتاهة
شفاء المُخلّع بِركة عين حسدا
عظة الأب أنطوان يوحنّا لطّوف

"كلّ الغُزاة، من هُنا، مرّوا بنيسابور" (عبد الوهاب البيّاتي)

تقول أسطورة إنّ البنّاء ديدالوس أقام متاهة لأجل أسر الثور مينوتور الذي كان نصف إنسان. وهو صنع المتاهة بحنكة شديدة حتى تاه فيها. لكن ساعدته الملكة أريادني، ومعنى اسمها "التحرّر من الضياع"، وزوّدته بخيط سحريّ قاده إلى الخارج

في المتاهة عدّة أبواب تؤدّي إلى أبوابأخرى. والداخل فيالباب الخطأ يُصيبه الوهن فيدخُل بابًا آخر قد لا يكون أقلّ خطورة،وما لم يجد الطريق يهلك. فالمتاهة ابتكار الشرّير.وليست متاهاته ماديّة، لكنّها أكثر إماتة. وتُغرينا للدخول وُعودُه بالسلام والحريّة والرفاهية. لكن سرعان ما يُقطَع الخيط وتتبدَّد الوُعود.

ومن أبواب المتاهة نذكر أمراض عصرنا: العقائد الغريبة، علم الغيب كالتنجيم والسحر، تطوير القوّة الذاتيّة باليوغا والتامُّل التجاوزي، الإيمان بسلامة الخطيئة، كالإباحيّة والإجهاض والإدمان، الإيمان بالظواهر الخارقة، كرؤية المسيح والقديسين، الإيمان بأشخاص يزعمون معرفة الغيب والمُستقبل. هذه المتاهات، متى دخلناها، نجدُنا متروكين وقد تأذينا في نُفوسنا وأرواحنا.

نقلت الأخبار مؤخرًا أنّ أبوين تركا أبناءهما الثلاثة في مطعم في إيطاليا وهربا. حتى الآباء يتركون أبناءهم. كذلك لدى كلّ عقيدة ومُمارسة باطلة، يترُكُنا الشيطان يتامى. وقد قال الكتاب: "أبي وأُمّي تركاني لكنّ الربّ قَبِلَني" (مزمور 10:27). وقال يسوع: "لا أترككم يتامى بل أرجعُ إليكم" (يوحنّا 18:14).

هكذا لم يترك يسوع المُقعَد المتروك عند البركة ذات الأروقة الخمسة التي تُشبه المتاهة. يسوع طهَّر الهيكل من اللصوص، وبقي عليه أنّ يُطهّر العقائد الغريبة، كالتي تتفشّى اليوم في جسد الكنيسة.
كانت بيت حسدا مشفى مَن انحرَفَ إيمانُهم: جمهورُ عُميانٍ لا يرون الحقّ، وعُرج لا يسلكون بالحقّ، ويابسون في الروح، تصعُب إعادتُهم إلى الحقّ. هؤلاء سَلَبَ الوهم عُقولهم: "يَنتَظِرونَ تَحريكَ الماءِ".

قالَ لَه: "أتُريدُ أنْ تُبرأ"؟ وهل نسأل مريضًا إن كان يريد الشفاء؟ لكنّ يسوع يقول له: "بعد أن انتظرتَ الشفاء من الباطل، هل تُريد أن تُشفى حقًا"؟ لكن تسلَّطَ الباطل على عقله فلم يرَ الماء الحيّ الذي أمامه، وفضّل أن ينتظر تحريك الماء! "ليس لي أنسانٌ يُلقيني في البِركَة".

بهذا "شعبي صنع شرّين: تركوني أنا ينبوع الماء الحيّ وحفروا لأنفُسهم آبارًا آبارًا مُشقَّقة لا تُمسك ماء" (إرميا 13:2). وقال "آبارًا" مرّتَين دلالة على كثرتها!

أخبر الرجُل قصّته قال: "تمتمَ عرّاف رُقيّةً وقرأ طالَعي في الأبراج وعمل لي حجابًا واستحضر رُوح جدّي وعلّمني تعويذة أتلوها لتتشدّد نفسي. وأعطاني ساحرٌ علاجًا خدَّرني. وأتاني راءٍ قال إنّه يُخاطب موسى وأحضرني إلى هنا وأخبرني عن الملاك. ثمّ بشّرني الصدوقيّون بعدم وجود الملائكة فتحيّرتُ وساءت حالي وتركوني جميعُهم".

تعرّض عقل الرجُل لغزو اللصوص، كلّ واحد سرق حيِّزًا من فكره، "وتركوه بين حيّ ميت" (لوقا 30:10)، ولم يبقَ عنده للإيمان موضع، فصارت حالُه مثل نيسابور: "كلّ الغُزاة، من هُنا، مرّوا بنيسابور/ العربات الفارغة/ وسارقو الأطفال والقُبور/ وبائعو خواتم النُحاس/ وقارعو الأجراس".

"قالَ لَه إحمِلْ سريركَ وامش". وللوقتِ برئ من أوهامه وأدرك أنّ الذين جاءوه قبلاً "سُرّاق ولُصوص" (يوحنّا 8:10). "بَعدَها وجده يَسوعُ في الهَيكَلِ" دلالةَ عودةِ إيمانه. قالَ لَه: "قد عُوفيتَ فلا تخطأ" ولا تعُد إلى الباطل. فذلك يعني دُخول المتاهة، لا بالقدمين بل بالعقيدة، التي متى انحرَفَت، تكون المُمارسة خطرة ومُهلكة.

اليوم أيضًا يبني الشرّير متاهات أكثر حنكة. قال لي شاب جامعيّ إنّ نظريّة التقمُّص تستهويه ويؤمن بها. قُلتُ له لا تستطيعُ أن تكونَ مسيحيًا وتؤمن بالتقمُّص. فالشرّير يُضلّل كثيرين، والقصّة عينُها تتكرّر. ويسوع يسأل: "هل تُريد أن تشفى"؟

كثيرون سيقولون: "مَن يُلقينا في البِركة"؟ فهم ينتظرون ملاكًا ويتجاهلون الماء الحيّ. ويسوع يُريد إخراجهم من متاهة عُقولهم ويردّ إليها ما سلبه غُزاة الفكر، وقد مرّوا من هُنا بأجراسهم، أي بدعايتهم، وعرباتهم الفارغة، أي عقائدهم الباطلة، لا ليسرقوا القُبور بل العُقول، وليختموا الأفكار، لا بخواتم النُحاس، بل بخواتم الشيطان.

العالم اليوم متاهة كبيرة "تحت وطأة الشرّير" (1 يوحنا 19:5)، ويدخُلُها حتى المؤمنون لإغواء، أو عن جهل. لكنّ يسوع لا ينسى خاصّته: "على كفّي نقشتُكِ. إذا نسيت المُرضِعُ وليدَها لا أنساكِ" (إشعيا 15:49).
فلا طريق إلى خارج المتاهة إلاّ المسيح (يوحنا 6:14). ولسنا بحاجة إلى مَلِكة أسطوريّة "تُحرِّرنا من ضياع" لأنّ لنا مليكًا "اجتاز السموات"، "وعرشُه أبد الدُّهور" (عبرانيين 14:4؛ 8:1). ولسنا بحاجة إلى خيط سحريّ للخروج، لأنّ لنا نور المسيح.

لهذا يدعو القدّيس بولس إلى النموّ في معرفة الحقّ (أفسس 7:4-12). "فنَصِلَ بأجمعِنا إلى وحدة الإيمان بابن الله ومعرفته، ونصيرَ الإنسانَ الكامل ونبلُغَ القامة التي تُوافق المسيح. [فلا نبقى] أطفالاً تتقاذفُهم أمواج المذاهب ويعبث بهم كلّ ريح، فيخدعُهم الناس ويحتالون عليهم بمكرهم ليُضلّوهم" (13:4-14).
وضع أحدُهم سُلّمًا وتسلّق إلى نافذة جاره. فانتهره الجار، فقال: "أتيتُ لزيارتك". قال: "هناك طريقة واحدة لذلك، أن تقرع الباب وتنتظر. وليس هناك طريق آخَر"!
ليت المؤمنين يُدركون أنّه لا طريق ولا باب خلاص إلاّ يسوع وحده، له المجد، آمين.