السيامات الكهنوتيّة
في زمن التردّي!
[frame="11 98"]
يُشَاع، هنا وثمّة، ويُشار، تفصيلاً، إلى أشخاص سيموا ويُسامون كهنة فيما كانت سيرتهم، قبل السيامة، سيِّئة ومعروفة ومُعثِرة. فيما تلوك الألسنة سيرة بعض مَن يتعاطون الكهنوت ويرتكبون مخالفات بعضها مخجل حتى بحسب مقاييس هذا الدهر. لا هؤلاء ولا أولئك يجري التصدّي لهم. كأنّه لا حساب! لا الأسقف يُحاسَبْ ولا الكاهن أكثر الأحيان. ثمّة تسيُّب مخيف قائم على هذا الصعيد! كأنّنا في عمق الزمن الذي تنبّأ بشأنه القدّيس نيلّس الآثوسي المفيض الطِّيب أنّه بعد العام 1900 عدم الإيمان وتعدّي القانون يتضاعفان جدّاً. رعاة المسيحيّين يُصابون بالمجد الباطل والهرطقة، غير عالمين يمينهم من يسارهم ويغيِّرون عادات المسيحيّين وتقاليدهم والكنيسة. وستُحرَم كنائس الله من الرعاة الأتقياء والورعين. ولا يرى المسيحيّون نور المعرفة في أيّ كان. كأنّ ضرب الصفح عن القوانين الكنسيّة في الأذهان اليوم صار امتيازاً ومفخرة وتعبيراً مريضاً عن حريّة أبناء الله! كهنوت المسيح يُساء إليه جسيماً ولا مَن يبالي! والقانون الكنسيّ كثيراً ما يُعطَّل كيفيّاً. حتى بعض المشهود لهم بالاستقامة لا يوبِّخون على أعمال الظلمة (أف 5: 11) المتفشّية ولو رأوها بأمّ العين! كلّ يُعرض عن قول كلمة الحقّ في هذا الشأن ويدفن رأسه كالنعامة في التراب، خوفاً على نفسه وعلى مصالحه! المسايرة والتكاذب يتحكّمان بالصورة، فيما يتعلّل الأكثرون بعلل الخطايا. اعتدنا الإثم في بيت الله فصار تقليداً! تُرتكَبُ المخالفات بيسر، ولا يُحرَّك ساكن، وبعد ذلك يُقال: السكوت أسلم لئلا نُعثِر الناس! غارقون في العثرة حتى الأنف ونلوذ بالصمت مدّعين اتّقاء العثرة! خربت البصرة! ماذا تنتظرون أكثر من ذلك لتخرجوا من صمتكم؟! منطق الرعاية الطيِّبة يرتدّ علينا وإبليس يحاربنا بسلاحنا! هكذا نشجِّع على المخالفة ونسكت ونحن نظنّ أنّنا نصنع حسناً! لعمري إنّ الحاجة، في هذا الزمن الرديء والمناخ الموبوء، ليست إلى السكوت عن السيِّئات، بعد الفحص، بل إلى فضحها والتصدّي لها والتنقّي منها. هذا ما يبني الرعيّة ويستعيدها بعدما أصابها هذا القدر من الجراح واللاحسّ واللامبالاة. ليس الأساقفة ولا الكهنة مَن يتكلّمون، بالضرورة، على ما هو حاصل من مخالفات، بل عامة المؤمنين. هم يخبرونك، وبالتفصيل، عن عَطَبِ هذا وعلّة ذاك، فتُذهَل وتتساءل: كيف يعرفون هذا كلّه؟!
بيت بلا قانون، كيف يمكنه أن يثبت ويستمر؟ القوانين الكنسيّة المنحدرة إلينا لا شكّ بعضها بحاجة إلى تحديث. ولكن الحاصل أنّنا لا نأخذ بما وصل إلينا، ولا حتى إذا كان يناسب أوضاعنا أحياناً. نتصرّف وكأنّنا فوق القانون. هذه أضحت سيرتنا! كأنّ الكنيسة لا كانت قبلنا ولا آتية بعدنا. لا نضع، لا انطلاقاً من التراث المدوّن ولا من روحه، ما يجعل الأمور في نصابها لبناء المؤمنين وسلامة الممارسة الكنسيّة!
عن الكهنوت، عندنا ما يكفي من المعطيات القانونيّة لسَنّ قوانين وإصدار توجيهات محدثة تناسب حاجاتنا، اليوم، خروجاً من المزاجيّة والاعتباطيّة الحاصلَين عند الكبار والصغار معاً. القانون 9 من مجمع نيقية (المجمع المسكوني الأوّل) يؤكّد أنّ الكنيسة، فيما خصّ الكهنوت، تطلب مَن كان بلا عيب. كما يشدّد القانون عينه على ضرورة عدم قبول أحد للكهنوت بدون فحص. والكلام صريح في صورة الشهادة القانونيّة للمرشّحين إلى الكهنوت (كتاب خدمة الكهنة. اليازجي. ص 491) "أنّ الرسل الكارزين بالله... ومحفل الآباء المتوشّحين بالله الذين خلفوهم قد حدّدوا في قوانينهم ألاّ تُمنَح رتبة الكهنوت الإلهيّة لأحد دون فحص كثير واختبار مدقّق... لكي لا يخدم الخِدَم الإلهيّة أناس غير أهل لها". فمَن تبيّن أنّ سيرته ملطّخة يُستبعَد من الكهنوت، حتى لو تاب. التائب، في هذه الحال، يُكمِل توبته في الدير، إذا أحبّ، لا في الخدمة الكهنوتيّة. الكهنوت ليس مجالاً للتوبة وشرطه نقاوة السيرة وكذا الغيرة على بيت الله وخلاص المؤمنين. أما إذا أخفى طالب الكهنوت خطيئته، كالزّنى مثلاً، قبل السيامة، ثمّ اعترف بزلّته بعد السيامة فإنّه يُحرم من تقديم الذبيحة الإلهيّة (القانون 9. قوانين مجمع قيصريّة الجديدة. مجموعة الشرع الكنسي. كسّاب. ص 147 – 148). حتى إذا لم يعترف بخطيئته وعُرِف من شهود صادقين بأنّه زنى فإنّه يُجرَّد من كلّ امتياز كهنوتي (البيذاليون. التعليق على القانون عينه. ص 148).
القوانين الكنسيّة تطالب الكاهن بأسمى درجات العفّة. القانون 8 من قوانين مجمع قيصريّة الجديدة يفرض أنّ مَن كانت زوجته زانية لا يقدر أن يصير إكليريكيّاً ومَن زنت زوجته عليه فإنّه يطلّقها، وإذا أبقى عليها يترك الكهنوت. والقانون 25 من قوانين الرسل يقول إنّ أيّ قس أو أسقف أو شمّاس اكتُشف في زنى أو قَسَم كاذب أو سرقة فإنّه يُعزَل من وظيفته. والقانون 54 من قوانين الرسل يبدي أنّ أيّ إكليريكي يأكل في حانة فليُقطَع من الشركة إلاّ إذا كان مضطراً إلى النزول في فندق أثناء السفر. والقانون 58 من القوانين عينها يقطع كلّ أسقف أو قس أهمل الإكليركيّين أو الشعب ولم يدرّبهم في سبل التقوى. وإذا داوم الإهمال والكسل فإنه يسقط. والقانون 61 من القوانين عينها لا يسمح لمَن وقعت التهمة عليه بالفسق أو الزّنى أو أيّ عمل ممنوع بالانخراط في السلك الإكليريكي.
استناداً إلى ما سبق، نقول إنّ التدقيق في سيرة طالب الكهنوت وسلامة طويَّته واعتماد النقاوة معياراً لاختيار الخدّام مؤشّر سلامة ونهضة في الكنيسة، وكذا ملاحظة الخدّام المخالِفين وردعُهم. على ذلك نجدنا، اليوم، في أنطاكية، في حاجة ماسة إلى ثلاثة تدابير سريعة:
أوّلاً . تحديد شروط القبول في الخدمة الكهنوتيّة بوضوح وبما يتّفق والتراث، وكذلك تحديد الإساءات والمخالفات الخاصة بخدّام الكنيسة بجدّيّة، أساقفةً وكهنةً وشمامسةً، ووضع ضوابط قانونيّة مناسبة لها.
ثانياً . فتح العين وملاحظة الخدّام المخالِفين وإنذارهم والعمل على إصلاحهم، حيث يُجدي الإصلاح، ومتابعتهم.
ثالثاً . اتّخاذ التدابير القانونيّة الصارمة في حقّ المخالِفين، الكبار والصغار، في حال عاندوا ولم يرتدعوا وتصرّفوا وكأنّهم قائمون في ذواتهم وليس فوق رؤوسهم أحد.
الحاجة الأولى، اليوم، في الكنيسة، هي إلى نقاوة الخدّام والمَثَل الصالح. المؤسّسة الكنسيّة في خطر حقيقي. إما الإصلاح وإما الفوضى! لا للعبث! مَن يسكت عن المخالفة، خوفاً على نفسه، يكون مشارِكاً فيها ويفرِّط بكنيسة المسيح، ولو كان نظيفاً فيما خصّ أموره الشخصيّة! حقّ المسيح أوّلاً وأخيراً وإلاّ يُطالَب! [gdwl]كلُّنا مسؤول عن كلّ ما يجري في أنطاكية، وفي الكنيسة في العالم كلّه، في نطاقه الخاص أو في غير نطاقه! ليست الكنيسة سوق عكاظ! كلّ مخالفة، في الكنيسة، بات، بكلّ أسف، سهلاً تمريرها![/gdwl] "بيتي بيت صلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص"!!! لا نشاء أن نصدِّق أنّنا، تكلّمنا أو لم نتكلّم، فإنّه ليس هناك مَن يَسمع! "إذا سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ"!!!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
[/frame]
إلى سنين عديدة يا سيد ليحفظ الرب الإله قدس الأرشمندريت توما مع رهبنته
المسيح قام ...حقاً قام
المفضلات