باركوا ..
بما أن الموضوع ذو حجم مقبول ارتأيت أبونا الحبيب أن أقوم بنسخه هنا حتى من يريد قرائته دون تنزيله ..
عظة رائعة كعادة ابونا الحبيب جورج ..
و اختيار جميل كما تعودنا من قدسكم أبونا الحبيب ..

[align=center]
عظة الاب جورج عطية في منيارة بتاريخ 28-1-2007
[/align]

ايها الاحباء، هذا الاحد هو الاحد الاول من فترة تسمى التريودي. هذه الفترة هي فترة استعداد من اجل الصيام الكبير وتهيئة. وعندما يخطر على بالنا كلمة صوم، قد تبدو عند البعض هذه الكلمة مزعجة الى حد ما، مزعجة بالنسبة للذين لا يصومون، ومزعجة ايضاً بالنسبة للذين يصومون ويفهمون الصوم بطريقة غير صحيحة. فالصوم ليس هو الفترة التي فيها يجبرنا الله على فريضٍة ثقيلة فرضها علينا، وإن لم نعملها فهو يعاقبنا ويكون غاضباً علينا. هذا المفهوم للصوم بعيد جدا عن مفهوم الكنيسة الارثوذكسية. الصحيح هو أن الصوم ينصحنا به الله ولا يفرضه علينا ورتبته الكنيسة من اجل خيرنا وخلاصنا. ونتيجة عدم ممارسته هي خسارتنا نحن لفائدته الروحية وحزن الله علينا وليس غضبه أو عقابه لنا، من هنا فالصيام ليس اجباريا بالنسبة الينا، نحن نلتزمه باختيارنا لاننا نعلم انه فعلا سيؤدي الى خيرنا الروحي ويساعدنا على تغيير مسيرة حياتنا. لاجل هذا فالصوم الكبير ليس هو مجرد عنصر واحد، لأن الصوم يرافق بالصلاة، يرافق بالتوبة، يرافق بعمل الخير، يرافق بالجهاد الروحي، انه موسم مبارك لتجديد حياتنا وتغييرها، يغلب عليه طابع التقشف والحزن- ظاهريا- وانما لكي يؤدي الى الفرح والحياة وخصوصا ان هذا الصوم يرافق فترة الاستعداد لكي نصل الى الاسبوع العظيم لنرافق الرب في آلامه وبعدها نقوم معه بقيامته. وبهذا المعنى يجَنحنا الصوم نحو الحياة الجديدة، نحو القيامة، نحو الفرح الذي ليس له حدود ويعطيه الرب الاله للذين ارادوا ان يتبعوه حاملين صليبهم في هذه الفترة، ولا يمكن ان يحملوا صليبهم الا اذا صمموا ان يكون هذا الموسم بشكل خاص موسم توبة.
يا احبائي فلنتأمل معا لماذا ارادت الكنيسة ان تفتتح فترة التريودي بقراءة هذا الانجيل؟ يعطي الرب هذا المثل: انسانان صعدا الى الهيكل ليصليا. لماذا أعطى الرب يسوع هذا المثل؟ يريد ان يعلمنا كيف نصلي. هناك نوعان من الصلاة كما سمعتم في هذا المثل: الصلاة الاولى هي صلاة الفريسي. هذا انسان كان منتسبا الى فئة متمسكة بالناموس حرفيا وكانت تظن بانها اذا عملت بحسب الناموس فبهذا تخلص، ولهذا كانت تعيش بطريقة حرفية ليس فيها تغيير حياة، ليس فيها صلة حقيقية مع الله، وهكذا يُظهر لنا هذا الفريسي انه راضٍ عن نفسه ويقول امام الله انه يشكره لانه ليس مثل هؤلاء الناس الخطفة الظالمين الفاسقين ولا مثل هذا العشار. انه يتطلع من فوق ويعتبر جميع الناس خطأة، اما هو فيظن نفسه مبرراً، لماذا؟ لانه يحرص على العمل بكل وصايا الناموس. لكنه ينسى انه يُخطىء في كل يوم لا بل في كل لحظة، وهو لا يدري. واكبر خطيئة يعملها انه يحتفر الآخرين، انه يتكبر ويتعالى وينتفخ. وهو بالحقيقة ليس بحاجة الى ان يُظهر امام الله أعماله الصالحة التي يعرفها الله، هو بحاجة لان يتوب وان يتواضع وان يتخشع ويطلب الرحمة كما فعل العشار. النمط الثاني من الصلاة هي صلاة العشار. مَن هو العشار؟ هو الذي كان يُعتبر في نظر الناس في ذلك الزمان، متعاونا مع الاجنبي وكان يختلس اموال الناس إذ كان يأخذ كجامع ضرائب من الناس اكثر مما كان يحق له. لاجل هذا كان معتبرا كمثال للخطأة في نظر اليهود. ومع هذا يأتي هنا كتائب، وهذا هو المهم. صحيح انه كان خاطئاً لكنه الآن قد تغير. كل ذهنيته، كل نفسيته قد تغيرت، لاجل هذا يريد ان يصلي من كل قلبه. كيف تبدو صلاته؟ يقف من بعيد، لا يشاء ان يرفع نظره الى السماء، يقرع صدره، يعرف انه خاطىء، لديه عبارة واحدة يرددها: اللهم ارحمني انا الخاطىء. انه يتذكر خطاياه ولا يتذكر فضائله، لاجل هذا يقول لنا الرب انه صار مبرراً اكثر من ذاك اي من الفريسي. واذا سألنا لماذا صار مبرراً اكثر من الفريسي؟ لانه بحق طلب الغفران فغفرت له خطاياه، ولانه تواضع، ومن وضع نفسه- كما قال السيد- يرتفع ومن رفع نفسه يتضع، صارت عنده الفضيلة الاعظم التي ترفع الانسان. ما هي هذه الفضيلة؟ هي الاتضاع، فاذا اقترنت مع المحبة الحقيقية فعندها هذا الانسان قد سارفعلا في طريق الخلاص والحياة الابدية.
ما اريد يا احبائي ان أناشدكم باسم الرب، ان تكون هذه الصلاة التي قالها العشار صلاتنا الدائمة التي لا تتوقف على الاطلاق. في كنيستنا الارثوذكسية نستبدل "اللهم" بدعاء الرب يسوع: "ربي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني انا الخاطىء"، ونردد هذه الجملة باستمرار، ترافقنا حيث نذهب، لماذا؟ لاننا نؤمن بالرب يسوع الهاً حقاً، ونعلم انه ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي ان نخلص، ولاننا في علاقتنا مع الرب نعرف اننا فعلا خطأة، ليس احد منا بلا خطيئة." ان قلنا انه ليس لنا خطيئة- كما يقول الرسول يوحنا- نُضل انفسنا وليس الحق فينا، ان اعترفنا بخطايانا فهو امين وعادل ان يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم".
لاجل هذا يا احبائي انتم اتيتم الان الى القداس الالهي الذي فيه سنتناول جسد ودم ربنا يسوع. من يستطيع ان يتناول الجسد والدم الالهيين الطاهرين؟ من يستطيع؟ نقول: القدسات للقديسين، والاحرى يا احبائي ان نقول: القدسات للتائبين. لاجل هذا في التسبيح الشاروبيمي سنقول جميعنا: ارحمني يا الله كعظيم رحمتك وكمثل كثرة رأفتك امح مآثمي. كل منا فليتذكر خطاياه ويتوب عنها امام الرب بانسحاق وتخشع ودموع حتى يؤهل لتناول هذا الجسد والدم الكريمين، والا يعرض نفسه لدينونةٍ، ولا يكون مبرَرا مثل ذلك الفريسي. نعم يا احبائي من يشترك حقا بالقداس الالهي ذهنيته هي ذهنية ذلك العشار الذي يعرف خطاياه هو ولا يهمه خطايا الاخرين، ويتقدم من الرب طالبا منه ان يتحنن عليه ويعطيه الجسد والدم الالهيين المؤلّهيّن والمعطيّين لنا جميعا الحياة الابدية بنعمة ربنا يسوع له المجد الى ابد الدهور آمين.