العنصرة والانتخاباتغدًا العنصرة، حسابًا شرقيًا. والعنصرة ذكرى حلول الروح القدس على التلاميذ مجتمعين في العليّة. رأوا أنه صار هو قوّتهم وباعثهم الى حياة جديدة. كان المعلّم قد قال لهم ان الماء الذي يعطيه يصير في المؤمن به "نبعًا يفيض بالحياة الأبديّة”. ولكن هذا بقي عندهم كلاما حتى أفصح الله لهم بالروح عما قصده للمسيح فخرجوا بعد انصباب الروح عليهم الى العالم وصار العالم بهم شيئا جديدًا. قالت كتبنا تكلّموا باللغات بفضل انسكاب الروح على كلّ واحد منهم وفهم كلّ حاضر في ذاك المشهد ما سمعه بلسان غريب وفق ما قاله نبيّ قديم: "أفيض من روحي على جميع البشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاما وعلى عبيدي، رجالا ونساء، أفيض من روحي في تلك الأيام”.
سيخرج الأرثوذكسيّون من كنائسهم غدًا الى صناديق الاقتراع. وسيأتي اليها كل مواطن ألهمه الروح أيا كان انتسابه ليسهم في بناء الوطن. هذا هو ما يبتغيه الوطن منه. سيكون هو مطيعا لنداء الروح أو لن يكون. ستحلّ عليه عنصرة أو لا تحلّ. اذا حرّكه ضميره وفهمه غير منفصلين وقد رجا هو ان كان صادقا الا يتحرّك بجهالة عقله أو عتمات وجدانه لأن القضيّة عظيمة حتى الرهب. هو لن يقدّم حسابا لمن يخوض في هذا اليوم سياسة او رياضة سياسيّة. الله وحده يمتحن قلبه ويزكّيه أو يغضب منه. لن يحاسبه اذا أخطأ عقله لكنه يحاسبه اذا لطخ وجدانه باقترافه عملا مشينا.
ومرفوض، ان عمل هذا، ان يدّعي عدم اطّلاعه أو ضعف اطّلاعه اذ كان عليه ان يتثقّف سياسيّا وكان عليه في فترة ولو
قصيرة ان يعرف عن المرشّحين بعض الشيء لئلا يتهافت بضعف البصيرة اذ الإنسان مسؤول عن كسله ويوصله الى الحق جهده. المهم ان يدرك كلّ لبناني انه قائم يوم الأحد. بعمل خطير يسهم فيه ولو قليلا ببنيان الوطن او هدمه والوطن وديعة وكل منا مسؤول عن الودائع التي ائتمن عليها.
لم يفت أوان الصدق وأوان الأمانة. فأنت منذ صباح الغد محرّر من الوعود التي قطعتها للمرشّحين مخطئاً او راغبا في المغريات. ما من إنسان مرتبط بوعد سيئ ومسيء. انت فقط مرتبط بالحق. فاذا أحسست اليوم بخطأ عُدْ عنه واكتب بيدك الأسماء التي تعتقد من صميم نفسك ان أصحابها هم الاكفياء.
• • •
لن يبكتك ضميرك ان لم تعرف حقيقة المرشحين. لكنه يبكتك ان اخترت ضد قناعتك اذ تصبح بذا شاهد زور ونحن بالانتخاب في موقع شهادة. ما انت بمحزب لأحد انحزاباً أعمى وبخاصة لست مرتبطاً بلائحة. ما انت بمُغَذّ شهوات المرشحين الذين ينصرون بعضهم بعضا لقناعة او منفعة. انت خارج قناعاتهم فقد يبقى بينهم التناصر او لا يبقى. بلغتهم مشوارهم انتخابي او سياسي. انت خارج هذا التمييز. وفي حمى المعركة يحسبون -ان كانوا صادقين- انهم سيتعاونون بدءًا من 8 حزيران. هذا كلّه يحتاج الى بحث وتدقيق. هل انت تطالبهم اذا لم يظلوا متعاونين؟ وما جرى عندنا ان النائب يؤدي حساباً لمن اختاره. جلّ ما يمكن ان تقوم به ان تتابع من تنتخب لتضعه تحت السؤال اذا استقبلك او تتركه بعد أربع سنوات. في هذه الحقبة هل ثبت وعوده ام يحضر جنازة نسيب لك ليقول لك انه ساندك.
السياسة شيء جدّي كثيرا لأنها متّصلة بمعاشك اليومي وتربية أولادك واستمرارك في هذا الوجود الزمني وأعني به بخاصة بقاء البلد وقوّته. من الواضح طبعا ان القيّمين على السياسة المباشرة أعني النواب والوزراء ليسوا كاملين. معنى ذلك انك تختار من اقترب من الكمال في النطاق الوطني وان تشطب من تعتبره سيئا. من كان قبيحا في عينيك لا يجوز ان يرد عندك وان أتى بتصويت آخرين فهذا شأنهم وانت لا تحمل خطايا هؤلاء.
اذكر ان الانتخاب سرّي فاذا تصرّف المندوبون بالتهديد او الابتزاز اذا فرضوا عليك قائمة صباح غد فيما انت ذاهب الى الاقتراع ودفعوا اليك الأسماء التي يريدون فتخلّص من وطأتهم واعمل حسبما يوحيه اليك ضميرك. اذا خفت تنصاع والانصياع عبوديّة والوطن مصاب قليلا او كثيراً.
لا تتفرق عن أهلك وأصدقائك لاختلاف في الخيار. في بلاد الناس لا أحد يبوح لآخر عمّا قام به في العمليّة الانتخابيّة. مرّة سألت انكليزيا كنت معه على شيء من الصداقة عمن انتخب. أفهمني بعبارة شبه مهذّبة ان هذا لا حديث عنه في بلادهم. الكتمان في هذه الهمروجة أفضل من البوح.
• • •
الخطيئة الكبرى في شعبنا ان نعتقد ان الأخلاق منحصرة في السلوك الفردي حسب الوصايا العشر او ما اليها ولا يتعلّق بالشأن العام. ما ينبغي ان نتعلّمه هو ان ليس من بون بين الحياة الفرديّة والحياة الجماعيّة وان من آذى الوطن كمن يؤذي شخصًا واحدًا. الخطيئة الأخرى الاعتقاد أن البلد مسؤوليّة الحكام والمشرّعين وحدهم. آن لنا أن ندرك اننا نحن صنّاع الحكام والمشرّعين وأنّا نبدأ تنصيبهم بالعمليّة الانتخابيّة. الجماعة الوطنيّة هي المنشأ فلا تجعلوا المسؤولين في الحكم هم المنشأ.
لا تتساهلوا بشيء. لا تضعفوا أهميّة ما تقومون به غدا. لا يقل أحد منكم: انا واحد من مليوني ناخب أو كذا. صوت واحد قد يذهب بمرشّح او يأتي بمرشّح. لا تقل هذه التفاهة: هذا بي وبدوني آتٍ. هذا غير صحيح لأن النجاح او الرسوب هو في التعداد. انت فاعل واذا أدركت ذلك يبدأ لبنان بالنهوض.
• • •
المهم ألا تيأس من هذا البلد. انا وصلت الى درجة الحزن لا الى اليأس مع قناعتي ان نهضة بلدنا تحتاج الى أعجوبة. انا لا أقول ان تؤمن بلبنان. "الله ولبنان" عبارة جوفاء. لبنان من هذا الكون والله ليس من هذا الكون. ولكن قناعتي ان الرب يحب ان نعيش في هذا الوطن. لذلك يريد ان يستبقيه حتى نتعزّى به ونفرح. لكن الله لا يقدّم لك لبنان على طبق من فضّة. يجب ان تستحقه. لا تطلب فقط ان تخدمك الدولة. اخدمها انت لأنها جزء من المكونات الكبرى للوطن. اذ ذاك تكون قد خرجت من جلدك ولا تبقى أسيرا لأناك. الوطن هو الأنت والنحن. بهذا تتحلق.
ايا كانت ديانتك أو أيا كان مذهبك أقم معنويا اليوم العنصرة مع الروم أي ادعُ الله ليحلّ روحه عليك قبل وصولك الى صندوق الاقتراع واذهب الى هذا ليس فقط على قدميك ولكن بالروح. اذا كنت من المصلّين ادعُ ربّك ليلهمك الخير ومحبة لبنان ويزيدك. ورقة بسيطة، وحيدة تروّضك على الصدق وقد تنتج ثمرا. أقلّه تنتج فيك انسانًا طيبًا.
المطران جورج خضر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات