شهوة الطعام مهلكة :
vمن هم الذين سقطوا في الصحراء أثناء ترحال شعب الله إلى أرض الموعد؟ (عب 3: 17) أليسوا هم هؤلاء الذين طلبوا أكل اللحم؟ (عد 11: 33). هؤلاء البشر لم يكتفوا بالمنِّ ولا بالماء الذي خرج من الصخرة، وكانوا بالأمس قد انتصروا على المصريين وعبروا البحر الأحمر. لكن بسبب أنهم اشتهوا اللحم المطبوخ في الأواني (انظر خر 16: 3) تقهقروا إلى الخلف، ولم يرَ أحد منهم أرض الموعد. هل لا تخاف من تكرار هذا النموذج؟ هل لا ترتعب من حقيقة أن الانسياق وراء الأكل ربما يحرمك من الخيرات المنتظرة؟ أستطيع أن أقول لك إنه ولا الحكيم دانيال النبي كان سيرى رؤى إن لم يكن قد تطهّر أولاً بالصوم. لا أخفي عليك أن الأكل الدسم ينبعث منه أدخنة تعتّم أنوار العقل التي تأتي من الروح القدس. يوجد غذاء ملائكي كما يقول النبي "أكل الإنسان خبز الملائكة" (مز 78: 25). غذاء الملائكة مختلف عن بقية الأطعمة، فهو ليس لحم ولا خمر ولا طعام يهتم به عبيد البطن[16].
الصوم عن الشرور :
vلا تحصر الصوم في الابتعاد فقط عن الأطعمة. لأن الصوم الحقيقي هو الابتعاد عن الشرور "أن تحل قيود الظلم" (إش 63: 6). فإن كنت في الصوم لا تأكل لحومًا لكن مع الأسف تأكل لحم أخيك. وإن كنت لا تشرب خمرًا لكنك لا تستطيع أن تضبط لسانك عن الشتائم. وبالرغم من أنك تنتظر حتى المساء لكي تتناول الطعام، إلاّ أنك تقضي كل نهارك في المحاكم "ويل لإكليل فخر سكارى أفرايم وللزهر الذابل جمال بهائه الذي على رأس وادي سمائن المضروبين بالخمر" (إش 28: 1)[17].
الصوم يساندنا في معركتنا :
vماذا أريد أن أقول أيها الاخوة؟ إن أولئك الذين يدرسون الأمور الخاصة برياضة المصارعة التي تُمارس في حلبة المصارعة، يعرفون أنه أمر طبيعي إذا حدث إسراف في الطعام فسيزداد وزن الرياضيين، حتى أنه يصعب عليهم المشاركة في المباريات. لكن أنتم لا تُصارعون مع لحم ودم، بل "مع الرؤساء. مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات" (أف 6: 12). إذًا في هذه الحرب من الضروري ممارسة الصوم وضبط النفس لأن الدسم يُزيد وزن مَن يجاهد، بينما الصوم يقوي الإنسان التقي. حتى أنه على قدر ما يفقد الجسد هذه الزيادة، على قدر ما تشرق النفس بالبهاء الروحي. لأن الانتصار على الأعداء غير المرئيين لا يتحقق بالإمكانيات الجسدية، لكن بإصرار النفس وصبرها على الضيقات[18].
الصوم سند لنا في معركتنا :
vعندما ينادي بحملة عسكرية خارج حدود الدولة، فإن الجنود يُزوّدون بالاحتياجات الضرورية وليست تلك التي تُثير المتع. أما من جهتنا نحن الذين نُحارب ضد الأعداد غير المرئيين، فإنه لا يليق بنا بالأكثر أن نُقبل على الأطعمة، بل يجب أن نكتفي الاحتياجات الضرورية، كما لو كنا نتدرب في معسكرات. لأن هدفنا هو الانتصار عليهم والانتقال إلى الوطن السماوي[19].
الصوم والفرح :
vمتى صُمت لا تكن عابسًا مثل اليهودي، لكن اجعل ذاتك مُشرقة بالفرح (انظر مت 6: 16-17). بمعنى أنه لا ينبغي أن تحزن لأجل حرمان بطنك من الأطعمة، بل أن تفرح من كل نفسك من أجل المتع الروحية[20].
الصوم عن الشرور :
vإن النفس التي تلوثت بالسكر، لا يسكن فيها الصوم والصلاة. إن السيد الرب يقبل في شركته ذلك الذي يصوم، بينما لا يقبل في شركته الدنس والنجس والمدمن. فلو أنك أتيت غدًا ورائحة الخمر تفوح منك، كيف أحسبك صائمًا وأنت في هذه الحالة من السكر الشديد؟ ولا تُقيم حساباتك على أنك مؤخرًا لم تشرب خمرًا بصورة كبيرة، لكن التقييم الحقيقي هو أنك تتنق من إدمان الخمر بعد. في أي وضع يمكن أن أصنفك؟ هل أضعك ضمن السكارى، أم من ضمن الصائمين؟[21]
الصوم والصحة الجسدية :
vكما أنه ليس من الحكمة في شيء أن تكون البطن مملوءة وثقيلة، ليس لأن هذا غير مفيد في حالة السير فقط، بل ولا في حالة النوم أيضًا، لأن المعدة وهي متخمة لا يمكنها أن تهدأ، لكنك تضطر أن تنقلب مرة إلى هذه الناحية ومرة إلى الناحية الأخرى[22].
يا لعظمة الصوم :
vوالصوم يحفظ الأطفال ويُهذب الشباب ويجعل الشيخ أكثر وقارًا. لأن الشيخوخة عندما تكون مُزينة بالصوم، تصير أكثر وقارًا. وهو للمرأة زينة لائقة ومناسبة، ولجام لكل من هم في حالة عنفوان كما يُمثل الصوم حفظًا للحياة الزوجية وغذاء للبتولية. مثل هذه الأمور ينبغي أن تكون موضع اهتمام كل بيت[23].
الصوم طريق للسلام الداخلي :
vمن الواضح أن الصوم يُعلم الجميع ليس فقط العفة، لكن أيضًا الرحيل الكامل والتغرب عن البخل والطمع وعن كل شر. فلو أننا ازدرينا بهذه الأمور، فلن يكون عناك شيئًا يمكن أن يُعيقنا عن أن نتمتع بسلام عميق ونفس مملوءة بالهدوء[24].
يا لعظمة الصوم!
vالصوم هو تشبيه بالملائكة، رفيق الأبرار، حياة العفة. الصوم هو الذي جعل موسى مشرِّعًا. وصموئيل أيضًا هو ثمرة صوم حنة النبيه التي صلّت إلى الله بعدما صامت قائلة: "يارب الجنود إن نظرت نظرًا إلى مذلة أمتك وذكرتني ولم تنسي أمتك بل أعطيت أمتك زرع بشر فإني أعطيه للرب كل أيام حياته" (1 صم 1: 11). "وخمرًا ومسكرًا لا يشرب حتى يوم الموت" (انظر قض 13: 14). الصوم هو الذي أسس ونمى شمشون العظيم. وحتى ذلك الحين الذي وقف معه آخرين ضد آلاف القتلة من الأعداء، هدم أبواب المدينة وحده والأسوار لم تتحمله بسبب قوة يديه (انظر قض 14: 6). لكن عندما وقع أسيرًا للسكر والزنا، وقع في أيدي الأعداء بعدما فقد بصره وصار لعبة في أيدي عبيد أمم غريبة (انظر قض 6: 12-25). وبصوم إيليا توقفت السماء عن أن تُعطي مطرًا ثلاث سنين وستة أشهر (انظر 1 مل 17: 1). فقد دعته الضرورة أن يدعو المستمعين إليه إلى صوم انقطاعي عن الأكل بعدما رأى أنه بسبب شهوة الأكل ازداد الظلم والإهانة بين الشعب. بهذا الإجراء توقف خطيتهم، لأن الصوم قد قطع الطريق نحو تفاقم الشر، كما لو أنه قد قُطع بمقطع حاد[25].
الصوم نافع للجمع :
vهذا الصوم قد قبله الفقراء والساكنين معكم وشركاء المائدة الواحدة. إنه للعبيد راحة من عناء العمل، وهو للأغنياء شفاء من ضرر النهم، وفي هذا الإطار فإن الصوم يجعل الأمور التي كانت محتقرة قبلاً بحسب العادة، الآن أكثر متعة. والصوم هو مصدر الصحة، وللأصحاء هو حفظًا للصحة الجيدة. فلتسأل الأطباء وسيُجيبونك بأن أكثر الأشياء خطرًا على صحة الإنسان هو امتلاء الجسم. من أجل هذا فإن الذين هم أكثر خبرة بالصوم، يتخلّصون من الدهون الزائدة حتى لا تُسحق عافيتهم تحت ثقل الجسم الممتلئ. لأن الحرمان من بعض الأطعمة عن قصد، يؤدي إلى اختفاء الترهل الناتج عن زيادة الوزن، ويمنح غذاء صحي ومريح ونسكي، وهكذا في كل عمل وكل عادة جسديّة يكون الصوم هو أمر مفيد وهو مناسب لكل الأشياء الأخرى. فهو لائق في البيوت وفي السوق، وهو مناسب في الليل وفي النهار في المدينة والصحراء. إذًا فلنقبل على الصوم بكل الطرق فهو الذي يمنحنا كل الخيرات، ولنقبله بالفرح وفقًا لكلمة الله لكي لا نظهر عابسين، بل نُظهر فرح النفس بدون تكلَف (انظر مت 6: 6-17)[26].
الصوم عن الشر :
vالصوم الحقيقي هو في الابتعاد عن الشر وفي عفة الكلمة وفي البُعد عن الغضب وفي الانفصال عن الشهوة وعن التجديف وعن الكذب وعن حلف الزور. البُعد عن كل هذه الأمور، هم الصوم الحقيقي[27].
الصوم والشبع بكلمة الله والتناول من الأسرار الإلهية :
vنترجى ألا يأتي إلينا الصوم الذي هدَّد به الله اليهود "هوذا أيام تأتي يقول السيد الرب أرسل جوعًا في الأرض. لا جوع للخبز ولا عطشًا للماء. بل لاستماع كلمات الرب" (عا 8: 11). وقد أثار هذا الجوع، القاضي العادل، لأنه رأى أن الإيمان الحقيقي في أذهان هؤلاء يتلوث بأمور هزيلة، وأن إنسان الخارج يزداد وزنه بصورة ملفتة للنظر ويصير كله جسد ضخم. إذًا كل الأيام القادمة سيُقدِّم لنا الروح القدس وجبة روحية مفرحة في الصباح والمساء. لذلك لا ينبغي أن يتغيب أحد بإرادته عن هذه البركة الروحية. فلنتناول جميعًا من الكأس الروحي النقي والذي قدمته لنا الحكمة، بعدما فرحنا معًا، لكي ينهل منه كل أحد على قدر ما يستطيع. لأن الحكمة "ذبحت ذبحها مزجت خمرها" (أم 9: 2). أي أنه هذا هو طعام الكاملين الذين "بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التميز بين الخير والشر" (عب 5: 14). إن الغني يتحقق بهذا، طالما أننا قد شبعنا به، ويا ليتنا نكون مستحقين لشركة الفرح ونُحسب ضمن قائمة العرس في شركة يسوع المسيح ربنا الذي له المجد والقوة إلى الأبد أمين[28].
بصلوات أبينا القديس باسيليوس أيها الرب يسوع المسيح، إلهنا، ارحمنا وخلّصنا...آمين
ـــــــــــــ
المراجع
_____
[16]عظة 1: 9؛ ص 25.
[17]عظة 1: 10؛ ص 25-26.
[18]عظة 2: 1؛ ص 29-30.
[19]عظة 2: 2؛ ص 31.
[20]عظة 2: 3، ص 32.
[21]عظة 2: 4، ص 33.
[22]عظة 2: 4، ص 43.
[23]عظة 2: 5، ص 34-35.
[24]عظة 2: 5، ص 36.
[25]عظة 2: 6، ص 36-37.
[26]عظة 2: 7، ص 37-38.
[27]عظة 2: 7؛ ص 39.
[28]عظة 2: 8، ص 39-40.
المفضلات