لا أود أن أغوص كثيرا على السجالات اللاهوتية التي قسمت العالم الاسلامي والعالم المسيحي كلا في ذاته في موضوع الكلمة. في المسيحية السابقة تاريخيا المقولة الرئيسية: "في البدء كان الكلمة". أي بدء هذا؟ ما من شك عند أكثر المفسرين أن يوحنا الانجيلي لما افتتح كتابه بهذه العبارة انما أشار الى مطلع سفر التكوين القائل: "في البدء خلق الله السموات والأرض". فاذا قال يوحنا في بدء الخليقة هذه كان الكلمة يكون الكلمة سابقا للخلق ويدعم هذا التفسير في آخر الآية الأولى قوله: "والله كان الكلمة". واللفظة تدل على المسيح قبل نزوله الى العالم وبقيت تطلق عليه حتى جاء آريوس في القرن الرابع وقال ان الكلمة هو المخلوق الأول الوسيط بين الله والكون. وخلاف الكنيسة معه قوله بمخلوقية الكلمة أو الابن. وكانت هذه ـ في فهمي لتاريخ البدع ـ انها كانت البدعة الأساسية التي شقت الكنيسة عشرات من السنين المتتالية وما عادت عند معرفتي للأمور بصورة قوية الا بظهور شهود يهوه بعبارات متشابهة أو بمعنى شبيه.
ليس في نيتي ولا في قدرتي أن أبرز السجال الذي دار في الاسلام حول خلق القرآن أو عدم خلقه باعتباره كلام الله. وحتى تتبين أزلية القرآن كان لا بد من تقرير ان كلام الله قديم لكونه صادرا عن الكائن السرمدي وتاليا هو غير محدَث. وهذا الفريق الأعظم من المسلمين قال بضرورة ربط الكلمات الأزلية بالقالب القرآني اللفظي فأتوا بعلم أسباب النزول التي هي ظروف في حياة النبي لكنها كانت في علم الله ولا هي تلغي أزلية الكلمة الالهية.
أزلية القرآن وأزلية الكلمة (او الابن) عند المسيحيين مسألتان متشابهتان كان لا بد للعقل المؤمن أن يواجههما والذين قالوا بأزلية الكلمة عند المسيحيين وأزلية القرآن واجهوا مسألتين حقيقيتين هما مسألة في العقل المؤمن واحدة.
غير أن المشكلة أعظم تعقيدا في الاسلام لأنها مشكلة العلاقة بين الكلمة والكلمات التي نزلت على النبي بصورة معبر عنها بصوته وكُتبت هذه الكلمات أو حُفظت وسُمعت ودُوّنت. السؤال هو ما دور النبي في تجسيد هذه الكلمات لفظًا أو إلقاء. هل هو مجرد انسان يتلقى الكلمات وينقلها ام تنزل عليه المعاني ويجد لها لفظًا. كل هذا أثار تساؤلات عظيمة واختلفت المذاهب فيه.
***
غير اني كما وعدت ليس همي هذا الهمّ في هذه العجالة فاني اليوم لست مساجلا أحدا غير اني عرضت الاشكالية لأصل الى مبتغى بشري بادئًا من أقوال الآباء المسيحيين القدامى ان الكلمة تجسّد (من الروح القدس ومريم) ليصبح الجسد (ويعنون الكيان البشري) كلمة. أهمل الآن اعتبار أزلية صورة الانسان في الطاقة بناء على قول القائلين ان كل مخلوق كلمة اخذت شكلها المخلوق في ما بعد. وهذا تحدّث عنه أهل الشرق والغرب. ولكن لصعوبة الموضوع لن أغوص عليه.
ما همني ان تصير أنت كلمة إلهية بمعنى أبسط، غاية في البساطة. أريد بذلك أن تتشبه بكلمة الله. أن تصير نطقه أو مرآة له في الفعل والكلام والنية وأن تكون خاليا من كل كلمة بشرية صادرة بطريقة أو بأخرى عن إلهامه. في الحقيقة ما جاء في الترجمة الأميركية للكتاب المقدس على أن الكتاب موحى به من الله هو في رأيي اعتماد اللفظة الاسلامية أوحى، يوحي ومشتقاتها لكن اللفظة في اليونانية تعني ان كل الكتاب فيه نفحات الله والاشكالية تاليًا ليست خلافًا بين المسيحية والاسلام ولكل منهما عبارة تعني علاقة الله بالمكتوب. في المسيحية كلمة الله هي المسيح نفسه وليس مجموعة أسفار والروح أمد الانجيليين والأنبياء قبلهم بقوته ليكتبوا كلمات عن المسيح قبل تجسّده أو بعد تجسّده.
ما أريده هنا هو الحديث عن العلاقات البشرية على ضوء القوة الالهية في الانسان. فاذا كان سلوكك مطابقا بالكلية لما كانه الله ولما قاله تكون انت كلمته لأنك تكشفه للبشر فمن رآك رآه. بهذا المعنى انت ابنه وتسميه أبًا ليس لأنك انبعثت من جوهره وفي الجوهر ليس له شريك. ولكن انعكس فيك ضياؤه وليس من ضياءين في الوجود. يمدك الله بنوره. وبهذا المعنى انت وحدك في هذه الخليقة نور إلهي. المخلوقات غير العاقلة تلهمك عن وجوده كما قال آباؤنا لكنها ليست الرؤية. والنور في الفيزياء القديمة هو في العين. وعندما تبصر الله ترى النور. هذه هي علاقة الله والانسان.
اما اذا ادلهمّت نفسك وانطفأ نور عينيك فلا تعاين الرب. هو في الوجود مستقل عنك. واذا عصيته لا ترى شيئًا مطلقًا حسب ما ورد في عظة الجبل: "طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله". والسماء كما نسمي هذا اللقاء بين الله والإنسان في المسيحية هو أن يتلاقى نور الرب ونوره أي في الأخير ان "يكون الله الكل في الكل" كما يقول بولس. ليس ان ذاته تختلط بذاتك لكن قوته السرمدية تقاطع قوتك وتضمها اليها. السماء اذا بحر من نور يسبح فيه العاشقون لله. وهذا يبدأ هنا من سكنى الله في قلبك. لذلك لا يختلف حقا الـ"هنا" والـ"هناك" وإن كانت الآخرة خيرًا لك من الأولى. اما في العمق الإلهي الذي الله يؤلفه فالله حاضر لاستقبالك ولن تبقى عليك وصمة ولا تذكر خطاياك ولا الله يذكرها. السماء هي ليست فقط امحاء المعاصي ولكن امحاء ذاكرة المعاصي عند الله وفيك.
وزوال المعاصي هنا هو التوبة. غير ان التوبة كدّ وكدح في كل يوم وكل لحظة حتى لا يبقى أثر للإثم. واذا ما زال الإثم عنك تصبح نفسك مرآة امام ناظري الله فيرى نفسه فيك. لذلك تزول عنك العبودية أي الهوة القائمة بين نورك ونور ربك. انا أعرف أن هناك هوّة بين الخالق والمخلوق على مستوى الجوهر أو الكيان. وأعرف أن الطاعة مطلوبة ولكن في الملتقى السماوي الذي هو قلبك. لا يستدعي الحبيب الا الحبيب ويصبح الرب لصيقًا بك.
انت تختبر هذا ان كنت من العاشقين. انا لا أدعوك الى إهمال كلمة نازلة بتفسير أو بآخر عن الله ولكني أدعوك الى حال الحب الذي لا كلام فيه وفي السماء ألسن الملائكة تبطل الكلمات التي انسكبت علينا بسبب من التعليم. فالتذكير ابن العلم. الله لا يبطل في الملكوت العلوي لكن ذكره سيبطل لأنك لست في حاجة الى كلام بشريّ ولسان الملائكة الصمت.
في هذه الدنيا وسائل عيش ووسائل تعلّم لكن هذا كله يبقى على مستوى الوسيلة. اما الحب فليس بوسيلة لأنه معمودية الضياء الذي ليس بعده الا طبقاته. اذ ذاك، تحيا من وجه الله المبارك وتنمو الرؤية في عينيك الروحيتين ويزداد الله سطوعا لأنه ليس لوحة جامدة. والحي ليس له لوحة. في هذه الدنيا الحي خاضع للزمان الذي يجمده. والله ضياء كامل يتقلّب النور فيه ليحييك وأنت تسير ليس وراء هذا النور ولكن فيك حتى تحيا الى الأبد في صفاء لا يوصف.
المطران جورج خضر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات