من قلم : د. زهير حنا
لام الفريسيون تلاميذ السيد المسيح لأنهم رأوا بعضًا منهم يأكل بأيدٍ غير مغسولة، وقد شرح الإنجيل كيف كان اليهود يهتمون بغسل الكؤوس والأباريق وآنية النحاس والأسرة وكل ما يأتي من السوق، متمسكين بتقليد الشيوخ.
(مرقس الإصحاح 7: 1 - 9) 7: "1وَﭐجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَقَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَادِمِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ. 2وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضاً مِنْ تَلاَمِيذِهِ يَأْكُلُونَ خُبْزاً بِأَيْدٍ دَنِسَةٍ أَيْ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ لاَمُوا - 3لأَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ وَكُلَّ الْيَهُودِ إِنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيَهُمْ بِاعْتِنَاءٍ لاَ يَأْكُلُونَ مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ. 4وَمِنَ السُّوقِ إِنْ لَمْ يَغْتَسِلُوا لاَ يَأْكُلُونَ. وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَسَلَّمُوهَا لِلتَّمَسُّكِ بِهَا مِنْ غَسْلِ كُؤُوسٍ وَأَبَارِيقَ وَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَأَسِرَّةٍ. 5ثُمَّ سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ: «لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزاً بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟» 6فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُم: «حَسَناً تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هَذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً 7وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. 8لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ: غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ وَأُمُوراً أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هَذِهِ تَفْعَلُونَ». 9ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: « رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ."
لم ينتقد السيد المسيح الغسل في ذاته، لكنه انتقد الانشغال به على حساب الغسل الداخلي، والاهتمام بتقاليد حرفية على حساب الوصية في أعماقها ويلاحظ في حديث السيد المسيح الآتي:
أولاً: يقدم السيد المسيح لكل إنسان ما يحتاج إليه، فعندما جاءته الجموع البسيطة تحمل المرضى إلى الأسواق مشتاقة أن يلمسوه فيُشفون، وهبهم سؤل قلبهم، وكل من لمسه شُفي (6: 56)، أما جماعة المتعلمين أي الفريسيون فقد جاءوا لا لينالوا شيئًا بل ليتصيدوا أخطاء، فقدم لهم أيضًا ما يحتاجون إليه، إذ كشف لهم جرحهم العميق ليطلبوا طبيبًا قادرًا على شفاء جراحات نفوسهم.
ثانيًا: هاجم السيد المسيح تمسك اليهود بالشكليات القاتلة تحت ستار الحفاظ على التقليد، إذ كانوا أشبه بمن يكرمون الرب بشفاهم، أما قلوبهم فمبتعدة عن الله.
لكي نعرف لماذا انتقد السيد المسيح هذه الغسلات اليهودية يلزمنا أن نوضح ما قاله بعض الدارسين أنها لم تكن بهدف صحي، وإنما إجراءات طقسية حرفية، فعندما يغسل اليهودي يديه للتطهير يأتي بماء في آناء حجري طاهر طقسيًا، ثم يرفع الشخص يديه إلى أعلى ويصب عليها كمية من الماء، ثم يعود فيخفضهما إلى أسفل ويصب كمية أخرى من الماء من على المعصمين لتنزل إلى الأصابع فيطهّر طقسيًا. وكان اليهودي يعتقد أنه ما لم يفعل ذلك وبدقة يمتلكه روح نجس اسمه شيبتا، ثم يُصاب بالفقر والهلاك. ومن شدة تمسك اليهود بهذا الطقس قيل أنه حينما رفض أحد المعلمين ممارسته دُفن عند موته في مقابر الهراطقة، وعندما سُجن أحد الربيين في سجن روماني كان يستخدم الماء المحدود في تطهير يديه مفضلاً ذلك عن الشرب حتى مات من العطش. وقد قدمت المشناه أنواعًا كثيرة من طقوس الغسلات اليهودية.
بلا شك نقد الفريسيين لتلاميذ السيد المسيح بخصوص عدم غسلهم الأيادي قبل الأكل كان مجرد مثل يقدمونه، إذ كان الفريسيون في ريائهم لا يطيقون التلاميذ المتحررين من هذا الرياء. الإنسان الحرفي لا يطيق الفكر الروحي بل يقاومه، محولاً حياته إلى مناقشات غبية وعقيمة!
ثالثًا: اتهمه الفريسيون بأن تلاميذه يكسرون لا وصية الله بل تقاليد الشيوخ، أما هو فكشف لهم خلال الناموس والأنبياء أنهم يسلكون بالرياء، ويكسرون الوصية، ويحتاجون بالحق إلى طبيبٍ قادر أن يخلصهم من دائهم. فقد قدم لهم مثلاً خطيرًا لانحرافهم، إذ يسمحون للشخص أن يمتنع عن إعالة والديه بحجة أن ما يقدمه لهما قد سلمه قربانًا لله. بهذا يكون قد كسر وصية الله الخاصة بإكرام الوالدين يسنده في ذلك تقليد الشيوخ الخاطيء لكي يزداد إيراد الهيكل ويكون للقادة نصيبًا ماديًا أعظم. كأن هذا التقليد جاء لا ليخدم الوصية الإلهية ويسندها بل يقاومها ويحطمها.
إذ يظنون في أنفسهم أنهم حراس الناموس أكد لهم أنهم يبطلون كلام الله وناموسه خلال تقليدهم الخاطيء. وإذ يفتخرون أنهم يحفظون النبوات قدم لهم نبوة إشعياء النبي عنهم: "هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني" [6] (إش 29: 13 الترجمة السبعينية). إذ كشف للفريسيون والكتبة جراحاتهم الداخلية "دعا كل الجمع، وقال لهم: اسمعوا مني كلكم وافهموا. ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه، لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الإنسان. إن كان لأحد أذنان للسمع فليسمع" [14-16]. كشف لهم السيد المسيح مفهوم النجاسة الحقيقية، هذا المفهوم الذي لم يكن ممكنًا لليهودي أن يتقبله ما لم تصر له الأذن الروحية القادرة أن تدرك الروحيات مرتفعة فوق الحرف. فقد عاش اليهودي يهتم ألا يتنجس بمأكولات محرمة (لا 11) ولا يلمس ثيابًا دنسة أو متاعًا دنسًا أو يسكن بيتًا نجسًا الخ. كان في ذهن اليهودي قائمة طويلة مرعبة لما ينجسه، وقد جاء السيد يكشف عن جذور النجاسة التي تمس الحياة الداخلية لا المظاهر الخارجية. "لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة: زنى فسق قتل. سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل. جميع هذه الشرور من الداخل وتنجس الإنسان"[21-23]. هذه القائمة للرذائل يقدمها لنا العهد الجديد دائمًا للتحذير، كالقائمة التي في رو 1: 29-31، وأيضًا التي في غل 5: 13-19.
رابعًا: يرى البعض في أكل التلاميذ الطعام بأيدٍ غير مغسولةٍ إشارة إلى بسط أيديهم للعمل الكرازي بين الأمم الذين تطلع إليهم اليهود كشعوب دنسة غير مقدسة.
خامسًا: قد تعوّد الناس على غسل أيديهم قبل الطعام لأنّه في الغبار ميكروبات تسبّب أمراضاً متنوعة. ولكن من يدّعي أنّ الغسل الخارجي ضروري لتبرير النفس ولإرضاء الله روحياً يكون غبياً سطحياً. لأن القدوس يريد طهارة القلب وليس طقوساً فارغة. مثلاً من يلبس أفخر الثياب وأثمنها ويستحم دواماً, إن كان قلبه نجيساً أو مليئاً بأفكار شريرة فلا بد أن يُحشَر في جهنم رغم وضوئه وغسله الكثير.
لقد جاء المسيح بانقلاب جذري لكل الأديان، وحرّرنا من الطقوس والفرائض والنواميس، وكشف لنا جوهر السجود وغايته القلب الجديد. فالادّعاء بحفظ الوصايا بأجمعها مراءاة وخداع للنفس ما دام الإنسان غير مولود ثانية من الله وكل الصلوات سطحية وكاذبة ما دام الإنسان لا يعترف بذنبه قائلاً: اللهم ارحمني أنا الخاطئ. وكل خدماتٍ نقدّمها لله لا تنال مكافأة لأنها تصدر من مخازن الأنانية. فليس إنسان طبيعي يقدر أن يرضي الله بأحكام بشرية وأعمال فريضة وطقوس متعددة. ولا بالصلاة والصوم والحج والزكاة. لأن كل ما يخرج من قلب الإنسان وعقله نجيس غير مقبول عند القدوس.
هل أدركت أن الرياء من أقبح الخطايا في الناس الذين يظهرون أتقياء ويتكلمون بعبارات تقيّة ويصلّون أمام الآخرين. ولكن قلبهم لا يتكلّم كما تنطق أفواههم، وأفكارهم متجوّلة بعيدة عن الله؟ فملايين من صلوات باطلة، لأنها لا تصدر من عمق قلب متواضع وغير مطهّرة .فكلّ تديّن باطل أمام الله إن لم يستسلم المصلّي مطلقاً إلى القدوس. وخطر التقوى في سبيل الأنانية يزداد حالما ينشئ المتعصبون قوانين خاصة ليخططوا الطريق لتقديس خاص، ويدينون كل الذين يعيشون كما هم. احرس نفسك من الرياء، فهو أخطر من السم ويميت المحبة والإيمان مع الصلاة الصالحة. وينفخ الأنا السمين كبالون قبل انفجاره.
الصلاة: أيها الآب، نشكرك لأنك رحمتنا نحن الخطاة. وغفرت ذنوبنا. املأنا بقوة محبّتك، لكي نكرّس لك حياتنا حمداً وشكراً، احفظنا من الرياء الظاهر تقياً. لنخلع الكبرياء والتعصّب ونعيش منكسرين أمامك يا الله. آمين
منقول عن عرب تايمز

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات